تكتظ كواليس اجتماعات مجموعة السبع بتفاصيل قد تبدو هامشية أو طريفة في ظاهرها، لكنها تخفي وراءها واقعاً مريراً يشهده العالم خارج حدود الدول السبع الكبرى. فبينما ينشغل القادة ببروتوكولات التملق لسيد البيت الأبيض أو بمتابعة أحداث رياضية عالمية، تُرسم سياسات اقتصادية تعمق الفجوة بين الشمال والجنوب وتكرس هيمنة القوى التقليدية على مقدرات الشعوب الفقيرة.
كشفت بيانات منظمة 'أوكسفام' الدولية عن أرقام صادمة تعكس أولويات هذه القوى، حيث بلغت التخفيضات في ميزانيات المساعدات التنموية للدول محدودة الدخل نحو 49 مليار دولار بين عامي 2024 و2025. والمفارقة تكمن في أن هذا المبلغ الضخم يعادل الثروات التي جناها مليارديرات المجموعة في تسعة أيام فقط، مما يكشف عن خلل بنيوي في توزيع الثروة العالمية.
تتجلى الفجوة الأخلاقية في سياسات المجموعة عند مقارنة الإنفاق العسكري بالمساعدات الإنسانية، إذ لم تتجاوز ميزانيات التنمية لعام 2025 نسبة 0.75% من إجمالي الإنفاق العسكري لدول المجموعة. هذا التوجه يعكس رغبة واضحة في تعزيز الترسانات الحربية على حساب مكافحة الجوع والفقر في المناطق الأكثر احتياجاً حول العالم.
على صعيد الطاقة، استفاد عمالقة النفط داخل دول المجموعة من الأزمات والحروب الدولية، محققين أرباحاً خيالية بلغت في المتوسط 400 مليون دولار يومياً. هذه الأرباح لم تأتِ من فراغ، بل جُنيت من ثروات الشعوب ومن جيوب دافعي الضرائب الذين يعانون من ارتفاع أسعار الوقود في محطات التوزيع داخل مجتمعات المجموعة نفسها.
لم تتوقف الأضرار عند قطاع الطاقة، بل امتدت لتشمل الأمن الغذائي العالمي، حيث ارتفعت أسعار المواد الأساسية بمعدلات تتراوح بين 3 إلى 4 أضعاف خلال أشهر قليلة. هذه القفزات السعرية، المدفوعة بسياسات الاحتكار والحروب، تسببت في دفع أكثر من 32 مليون إنسان نحو حافة الفقر الأقصى، مما يهدد الاستقرار الاجتماعي العالمي.
إن الاقتصاد الدولي معتل من الرأس حتى أخمص القدمين بسبب دول المجموعة ذاتها، التي لا تريد من الضحية إلا البقاء أسيرة تقديم المزيد من القرابين.
تحاول بعض القوى الأوروبية، وعلى رأسها فرنسا، تنقية جداول أعمال القمم من الملفات التي قد تثير حفيظة الإدارة الأمريكية، خوفاً من ردود فعل دبلوماسية حادة. ومع ذلك، تظل الكوابيس الأمريكية تلاحق القادة الأوروبيين، بدءاً من الرسوم الجمركية والسياسات تجاه أوكرانيا، وصولاً إلى الضغوط المستمرة لزيادة المساهمات المالية في الحلف الأطلسي.
يبرز الشبح الصيني كأكبر تحدٍ وجودي يواجه مجموعة السبع، حيث لم يعد العملاق الآسيوي ينافس في الأسواق التقليدية فحسب، بل بات يطرح نموذجاً اقتصادياً مستقلاً. وبخلاف روسيا التي تم تجميد عضويتها سابقاً، تمتلك الصين اقتصاداً يحتل المرتبة الثانية عالمياً، وهي تتحرك بحرية في مناطق نفوذ تاريخية للمجموعة، خاصة في القارة الأفريقية.
عندما تتعلق المداولات بقضايا شائكة مثل جرائم الحرب في قطاع غزة أو الانتهاكات في الضفة الغربية ولبنان، تلجأ المجموعة إلى استخدام لغة خشبية تتسم بالغموض والتأتأة الدبلوماسية. هذا الهروب من المسؤولية الأخلاقية والسياسية يجعل من بيانات القمة مجرد شعارات فارغة لا تترجم إلى ضغوط حقيقية لوقف النزاعات أو محاسبة المتجاوزين.
تشير الإحصائيات الحاسمة إلى تراجع النفوذ الفعلي للمجموعة، حيث انخفضت حصتها من الناتج الإجمالي العالمي من 60.5% في عام 2018 إلى نحو 44.1% في الوقت الراهن. هذا التراجع يرافقه انخفاض في الثقل الديموغرافي، مما يضع تساؤلات كبرى حول شرعية المجموعة في الاستمرار بتمثيل اقتصاد الكون وصناعة قراراته المصيرية.
في نهاية المطاف، تظل قمم مجموعة السبع وفية لنهجها التاريخي في تغليب مصالح الكبار على حساب بقية شعوب الأرض التي تُجبر على دفع أثمان باهظة. إن الاقتصاد الدولي يظل معتلاً بسبب هذه السياسات التي تحول موارد الدول النامية إلى مجرد مناجم للمواد الخام وأسواق للاستهلاك، دون تقديم حلول حقيقية للأزمات الهيكلية التي تعصف بالعالم.





Share your opinion
قمم مجموعة السبع: تكريس للاعتلال الاقتصادي العالمي ومطالبة الشعوب بالقرابين