تتزامن الذكرى السنوية لليوم العالمي للتوعية بشأن إساءة معاملة المسنين هذا العام مع واقع مأساوي يعيشه كبار السن في قطاع غزة، حيث يجدون أنفسهم عالقين بين مطرقة النزوح القسري وسندان فقدان المنازل. هذه الفئة التي قضت عقوداً في بناء حياتها، تشهد اليوم اندثار ذكرياتها تحت ركام المنازل التي دمرتها الحرب الإسرائيلية المستمرة، مما فاقم من عزلتهم ومعاناتهم النفسية والجسدية.
وفي جولة ميدانية لمصادر صحفية من داخل القسم المخصص لرعاية كبار السن، ظهرت جلياً آثار الدمار والتهجير على تفاصيل حياتهم اليومية، بعدما اضطر النزلاء للانتقال من مركزهم الأصلي في مدينة الزهراء إلى مقر مؤقت ضيق داخل مستشفى الوفاء. هذا الانتقال جاء نتيجة الأضرار الجسيمة التي لحقت بالمركز الأساسي، مما جعل تقديم الرعاية مهمة شاقة في ظل ظروف غير مهيأة لاستقبال الحالات الحرجة.
وأكد أشرف حمادة، رئيس قسم المسنين في مستشفى الوفاء أن الطواقم الطبية والإدارية تبذل جهوداً مضنية لتقديم الخدمات الصحية والمعيشية على مدار الساعة رغم انعدام الإمكانيات. وأوضح حمادة أن الحرب تركت ندوباً غائرة في نفوس المسنين الذين قضوا شهوراً طويلة في حالة من الرعب الدائم والحرمان من أبسط مقومات الحياة الكريمة.
وكشف حمادة عن إحصائية مؤلمة تشير إلى وفاة أكثر من 20 مسناً ومسنة خلال أشهر الحرب، ليس فقط بسبب الاستهداف المباشر، بل نتيجة البرد القارس والخوف الشديد وتداعيات القصف الذي طال مراكزهم. هذه الأرقام تعكس هشاشة هذه الشريحة المجتمعية التي لم تعد أجسادها الضعيفة قادرة على تحمل قسوة الظروف الإنسانية المتدهورة في مراكز الإيواء.
ووصف رئيس القسم رحلة النزوح التي خاضها مع المسنين بأنها كانت شاقة ومحفوفة بالمخاطر، حيث تنقلوا من مدينة الزهراء إلى دير البلح وسط القطاع قبل الاستقرار المؤقت في الموقع الحالي. هذا التنقل المتكرر، وما رافقه من نقص حاد في الغذاء والدواء، أدى إلى تدهور الحالة الصحية العامة للعديد من النزلاء وتفاقم الأمراض المزمنة لديهم.
أكثر من 20 مسناً ومسنة فقدوا حياتهم خلال فترة الحرب نتيجة البرد والخوف وتداعيات القصف الذي طال مراكز إيوائهم.
وتواجه إدارة المركز أزمات لوجستية ومالية متلاحقة، حيث تعاني من صعوبة بالغة في توفير الأدوية التخصصية والوجبات الغذائية المناسبة لكبار السن. كما تواصل الطواقم العاملة أداء مهامها الإنسانية رغم انقطاع الرواتب ومحدودية الموارد المتاحة، مما يضع ضغوطاً إضافية على جودة الخدمات المقدمة في هذا الظرف الاستثنائي.
ويعتبر المقر الحالي في مستشفى الوفاء حلاً مؤقتاً يفتقر إلى المساحات المفتوحة والمرافق الترفيهية الضرورية لصحة المسنين النفسية، وهو ما يزيد من شعورهم بالوحدة والاكتئاب. ضيق المكان يعيق أيضاً حركة الطواقم الطبية ويحد من القدرة على استيعاب أعداد إضافية من المسنين الذين فقدوا معيليهم أو منازلهم خلال العمليات العسكرية.
وفي شهادة مؤثرة، روت إحدى المسنات النازحات كيف تحولت حياتها من السفر واللقاءات العائلية الحافلة إلى العيش في غرفة ضيقة بانتظار المجهول. وأعربت بمرارة عن فقدانها لكل مقتنياتها وصورها العائلية التي كانت تمثل تاريخها الشخصي، مؤكدة أن منزلها الذي تحلم بالعودة إليه قد تحول إلى كومة من الركام بفعل القصف.
تجسد هذه القصص واقعاً جماعياً لمسني غزة، حيث لا تقتصر الخسارة على الجوانب المادية فحسب، بل تمتد لتشمل فقدان الشعور بالأمان والانتماء الاجتماعي. ومع استمرار الحرب، يظل حلم العودة إلى الديار هو المحرك الوحيد لما تبقى من أمل في نفوسهم، رغم إدراك الكثيرين منهم أن الأماكن التي ألفوها لم تعد موجودة على الخارطة.





Share your opinion
تحت أنقاض الذكريات.. مسنو غزة يواجهون قسوة النزوح وفقدان الرعاية في يومهم العالمي