لطالما سادت في بدايات عصر الإنترنت فرضية متفائلة تبشر بـ "ديمقراطية الاتصال" وتوسيع المجال العام، غير أن القراءة العميقة للبنية التحتية للاقتصاد السياسي للإعلام الرقمي تكشف عن واقع مغاير تماماً؛ فالحاضنة الرقمية لم تفكك آليات الهيمنة الكلاسيكية، بل نقلت أدوات الدعاية السياسية من طورها "المؤسسي الصلب" إلى طورها "الخوارزمي السائل". ومن هذا المنطلق، تبرز الأطروحات النقدية لكل من نعوم تشومسكي، إدوارد هيرمان، وهربرت شيلر، ليس كأدوات تاريخية تفكك إعلام القرن الماضي، بل كإطارات مفاهيمية بالغة الصلاحية لتفسير الدعاية المعاصرة، وكيفية إعادة إنتاج "صناعة القبول" وإدارة الأزمات الجيوسياسية عبر آليات ناعمة وغير مرئية تحكم توجيه النقاش العام دون أن يشعر المتلقي بأنه مقيد.
وعند إسقاط نموذج الدعاية لهيرمان وتشومسكي على واقع "رأسمالية المراقبة" الحالي، نجد أن الفلاتر الهيكلية الخمسة التي تحكم تدفق المعلومات قد أُعيدت برمجة شفراتها لتتحول المنصات من أجهزة بربوغندا فجة إلى مساحات تقنية يدّعي ملوكها الحياد. ويتجلى فلتر "الملكية" وفلتر "الردع والنقد العنيف" بدقة في السياسات السيبرانية لشركة (Meta) خلال الأزمات الجيوسياسية الراهنة، مثل حرب غزة؛ حيث كشفت التقارير عن ممارسات ممنهجة لـ "الحظر الظلي" (Shadow Banning) وتقييد وصول المحتوى والمصطلحات المناصرة للقضية الفلسطينية، مقابل إتاحة السردية الإسرائيلية الرسمية وتمريرها دون قيود. هذا التحكم الهيكلي يُظهر كيف أن ديمقراطية الإنترنت تتبخر بمجرد تعارضها مع أهواء النخبة ورأس المال الغربي الذي تتقاطع مصالحه مع التوجهات السياسية للدول الكبرى، وهو ما يعززه أيضاً نموذج الاستحواذ على منصة (X) وإعادة توجيه خوارزمياتها لخدمة تيارات سياسية معينة في المحطات الانتخابية.
وفي السياق ذاته، تطور فلتر "المصادر" وفلتر "الإعلانات" ليأخذا ثوباً رقمياً جديداً من خلال ظاهرة "التزييف العشبي الرقمي" (Astroturfing)، حيث لم تعد الأنظمة بحاجة للاعتماد الحصري على المتحدثين الرسميين، بل باتت توظف الجيوش الإلكترونية ومزارع الحسابات الوهمية المنسقة برمجياً لإغراق الفضاء الرقمي بوسوم وروايات موجهة تخدع الخوارزميات وتجبرها على تصنيف هذه البروباغندا كـ "تريند"، مما يوهم الرأي العام بوجود إجماع شعبي زائف حول موقف سياسي معين. يتكامل هذا تماماً مع "اقتصاد الانتباه" القائم على الإعلانات، حيث تُستغل خوارزميات "التخصيص الفائق" لتقسيم الجماهير بناءً على بياناتهم النفسية والسلوكية إلى فقاعات استقطاب مغلقة، بحيث يرى كل مستخدم دعاية سياسية مصممة خصيصاً لتتلاعب بمخاوفه وانحيازاته الشخصية، مما يحول منصات التواصل إلى مختبرات سلوكية عملاقة تُنتج القبول الممنهج من خلال إثارة الغرائز والعواطف لتحقيق أعلى أرباح إعلانية ممكنة للمنصة وأعلى مكاسب توجيهية للنخبة.
هذه البيئة الرقمية المستحدثة لم تؤدِّ إلى إنتاج تعددية حقيقية أو توسيع للمجال العام بالمفهوم الهابرماسي الذي يفترض فضاءً عقلانياً حراً للنقاش، بل أنتجت ما يمكن تسميته بـ "التعددية الزائفة المتشظية". ويرتبط هذا الطرح بأطروحة هربرت شيلر حول "مديري العقول" والإمبريالية الثقافية، حيث يرى أن التكنولوجيا في ظل النظام الرأسمالي لا تُصمم لخدمة الديمقراطية، بل لتوسيع نفوذ الشركات وخصخصة المجال العام وتحويله إلى سوق تجارية عملاقة محكومة بمنطق رأس المال؛ فالمنصات الرقمية اليوم لا تدير العقول عبر فرض رأي واحد، بل عبر تحويل المعرفة السياسية إلى سلعة ترفيهية واستقطابية تُقاس بقيمتها التبادلية من إعجابات ومشاركات، مما يفرغ المجال العام من وظيفته السياسية ويحوله إلى فضاء للاستهلاك والانفعال اللحظي.
ويكتمل هذا المشهد النقدي عبر فكرة تشومسكي المتمثلة في "تحديد سقف النقاش مع السماح بحدة الجدل داخله"، وهو ما تم تطويره رقمياً ليصبح "التحكم عبر التشظي"؛ فبدلاً من صهر الجماهير في سردية موحدة عبر التلفزيون التقليدي، تفضل الخوارزميات اليوم تقسيم المجتمع إلى قبائل رقمية معزولة داخل "غرف صدى" (Echo Chambers) وفقاعات فلترة مغلَقة، يشعر فيها الفرد بأنه يمارس حريته المطلقة، بينما هو في الواقع يمارس نقاشاً محلياً معزولاً وموجهاً ضد قبيلة رقمية أخرى. هذا النمط الجديد من السيطرة الدعائية يعتمد على الإغراق والتشتيت بطوفان من المعلومات المضللة والترفيهية والجدل الهامشي، مما يمنع بناء جبهة نقدية موحدة قادرة على مواجهة النخبة الحاكمة، لتتحول حرية التعبير من أداة للتغيير السياسي إلى صمام أمان لامتصاص الغضب الجماهيري وإعادة تدويره كأرباح لشركات التكنولوجيا.
ويتجلى هذا الثالوث الدعائي بشكل صارخ في كيفية إدارة الإدراك الجماهيري أثناء الأزمات والحروب المعاصرة، حيث تعمل أدوات الدعاية بالتكامل لإعادة صياغة أولويات الجمهور السياسية؛ فمن منظور نظرية وضع الأجندة (Agenda-Setting)، تفرض وسائل الإعلام والمنصات بصرامة ما الذي يجب أن يفكر فيه الفرد عبر آلية "انتقال الأهمية"، حيث يؤدي الضخ الإعلامي الخوارزمي المكثف لقضية معينة كـ "قضية الرهائن" أو "التهديدات الأمنية" إلى رفع قيمتها التداولية في ذهن المتلقي لتصبح هي المعيار الوحيد لتقييم الأزمة برمتها، بالمقابل، يتم دفع القضايا البنيوية ذات الصلة بالأزمة مثل الجذور التاريخية للصراع أو انتهاكات القانون الدولي إلى قاع الأجندة الإعلامية عبر التهميش الممنهج لتبدو قضايا ثانوية.
ولا يتوقف التلاعب عند حدود اختيار القضية، بل يمتد إلى كيفية إدراكها عبر "التأطير الإعلامي" (Framing)، الذي يعمل كشرنقة معرفية تحكم صياغة المعنى وتوجيه الأحكام الأخلاقية؛ ووفقاً لتعريف روبرت إنتمان، فإن هندسة التغطية داخل "إطار أمني دفاعي" أو "إطار مكافحة الإرهاب" تعيد فك وتركيب الواقع الميداني، حيث يُفسَّر أي فعل عسكري أو سياسي تقوم به النخبة تلقائياً كـ "رد فعل شرعي وحتمي"، بينما يُنزع السياق الإنساني أو الحقوقي عن الطرف المقابل بالكامل، مما يحرم الجمهور من القدرة على التفكير خارج المربع السردي المرسوم له ويدفعه لتأييد سياسات استثنائية بافتراض أنها الحلول الوحيدة الممكنة لحفظ الوجود.
وفي هذا الفضاء المشحون، يأتي مفهوم "الإلهاء الجماهيري" لهربرت شيلر ليقدم التفسير النقدي الأعمق لكيفية تفتيت الوعي الجمعي؛ إذ إن الإلهاء في أوقات الأزمات والحروب لا يتم عبر تقديم محتوى ترفيهي تافه لعزل الجمهور عن السياسة فحسب، بل يتم بطريقة أكثر خباثة عبر "الإلهاء داخل الأزمة نفسها"، وذلك من خلال إغراق المتلقي بطوفان من الأنباء الجزئية، والقصص الإنسانية الفردية المعزولة، والمشاهد العاطفية الصادمة المرتبطة بالقضية المحددة سلفاً من قبل النخبة. هذا النمط من التغطية يعمل على "تجزئة الواقع" وفصل الأحداث عن سياقها التاريخي والاقتصادي البنيوي، حيث يعيش الجمهور حالة من الاستثارة العاطفية المستمرة والقلق الدائم من التهديد السطحي، مما يشل قدرته على التفكير النقدي التفكيكي أو التساؤل عن المحركين الحقيقيين للأزمة والمستفيدين الاقتصاديين والجيوسياسيين منها، لتتحول الدعاية هنا من أداة إقناع فكري إلى آلية صدم وإلهاء شعوري تضمن امتثال الجماهير لأولويات السلطة.
ختاماً، يمكن القول إن قوة نموذج الدعاية المعاصر لا تنبع من الرقابة الفجة أو المنع، بل من القدرة الفائقة على توجيه النقاش العام ورسم حدوده الهيكلية غير المرئية. إن المنصات الرقمية، رغم ما تبدو عليه من سيولة وتعددية، قد نجحت في مأسسة "صناعة القبول" وتحويل حرية التعبير من أداة للتغيير السياسي إلى صمام أمان لامتصاص الغضب الجماهيري، مما يجعل العودة إلى الأدبيات النقدية الكلاسيكية ضرورة تفكيكية لا غنى عنها لفهم آليات السيطرة في العصر الرقمي.
الدعاية السياسية وهندسة المجال العام الرقمي إعداد بشائر عثمان - إشراف :د. أسامة عبد الله -جامعة خضوري -ماجستير الإعلام والإتصال
119 views
0 comments





Share your opinion
الدعاية السياسية وهندسة المجال العام الرقمي إعداد بشائر عثمان - إشراف :د. أسامة عبد الله -جامعة خضوري -ماجستير الإعلام والإتصال