في خضم التصعيد العسكري العدواني الأمريكي الإسرائيلي في الشرق الأوسط، أعادت تصريحات وزير الدفاع الأمريكي الأخيرة الجدل حول طبيعة الخطاب السياسي الذي يرافق هذه الحروب. فالإشارة إلى مواجهة بين ما يسمى "القيم المسيحية – اليهودية" و"الإسلاموية" لا تبدو مجرد صياغة خطابية عابرة، بل تعكس اتجاهاً فكرياً متجذراً في بعض دوائر التأثير السياسي والفكري في الغرب وتحديدا بالولايات المتحدة، التي تعتبر ترامب "كخيار الٓهي لمحاربة الشر".
هذا الخطاب يرتبط بصعود التيارات المسيحية الصهيونية والإنجيلية الجديدة في الولايات المتحدة، والتي تتقاطع في كثير من مواقفها مع توجهات اليمين الشعبوي والمحافظين الجدد، والتي تجد امتدادات لها في بعض الأوساط اليمينية الأوروبية واللاتينية الأمريكية. وفي هذا السياق، يُقدم الصراع في الشرق الأوسط أحياناً باعتباره جزءاً من مواجهة حضارية بين الغرب وخصومه، وليس نتيجة مباشرة لصراعات سياسية أو لواقع الأحتلال والاستعمار الاستيطاني في فلسطين.
ويتقاطع هذا المناخ الفكري مع الخطاب السياسي الذي عاد إلى الواجهة في الولايات المتحدة مع صعود الترامبية الفاشية، حيث يجري أحياناً توظيف الرمزية الدينية والثقافية في تفسير الصراعات الدولية، وكأنها معركة أخلاقية أو حضارية بين الخير والشر. مثل هذا الخطاب يجد صدى لدى قطاعات من التيار الإنجيلي الداعم لإسرائيل، ويمنح السياسات الأمريكية في المنطقة بعداً أيديولوجياً يتجاوز الحسابات السياسية التقليدية.
تكمن خطورة هذا الاتجاه في أنه يعيد تعريف طبيعة الصراع، فعندما تُقدم الحروب باعتبارها دفاعاً عن حضارة أو عقيدة، تتحول النزاعات السياسية القابلة للتفاوض إلى مواجهات وجودية يصعب التراجع عنها. فالصراع لم يعد فقط يدور حول حدود أو مصالح أو ترتيبات جيوسياسية، بل حول الهوية والرسالة التاريخية.
هذه الرؤية ليست بعيدة عن أطروحة المفكر صمؤيل هنتينجتون حول "صدام الحضارات"، التي افترضت أن الصراعات المستقبلية ستكون بين كتل حضارية كبرى. وعلى الرغم من الانتقادات الواسعة التي وُجهت لهذه النظرية، فإن بعض الخطابات السياسية في الغرب ما زالت تعيد إنتاجها بصيغ مختلفة، خاصة في سياق الحروب الوحشية الدائرة في منطقتنا التي يقررها الحلف الإستراتيجي الأمريكي الإسرائيلي.
ويتجلى أثر هذا الخطاب في الطريقة التي يُفسر بها الصراع في فلسطين والمنطقة اليوم، فعدوان الإبادة الإسرائيلي المدعوم أمريكيا على غزة وما رافقه من دمار واسع لا يُقدم في بعض الدوائر الغربية باعتباره نتيجة للأحتلال الأستيطاني أو لفشل عملية السلام، بل يُصور أحياناً كجزء من مواجهة حضارية أوسع. وفي هذا الإطار، يُقدم التحالف بين الولايات المتحدة وإسرائيل ليس فقط كشراكة استراتيجية، بل كتحالف يقوم على أسس ثقافية ودينية مشتركة.
ويتزامن هذا الخطاب مع تسارع سياسات الضم والاستيطان في الضفة الغربية التي تنفذها حكومة نتنياهو، والتي لا تقتصر على توسيع المستوطنات والضم، بل تمتد إلى إعادة تشكيل الواقع الديموغرافي والسياسي في الأراضي الفلسطينية المحتلة وفصل غزة، بما يهدد عملياً بإلغاء إمكانية قيام دولة فلسطينية مستقلة.
وفي هذا السياق، يشير المؤرخ الإسرائيلي المناهض للصهيونية "ايلان بابيه" إلى أن ما يجري اليوم يعكس تحولاً أعمق في التفكير السياسي داخل إسرائيل. فالحروب لم تعد تُقدم داخل المجتمع الإسرائيلي بوصفها إجراءات أمنية مؤقتة، بل كجزء من مشروع تاريخي أوسع يرتبط برؤية أيديولوجية–دينية تعتبر اللحظة الحالية فرصة لإعادة تشكيل ميزان القوى في المنطقة وإنجاز ما تسميه بعض التيارات الصهيونية "تصحيح أخطاء الماضي".
وعندما يتقاطع هذا التصور مع الخطاب الحضاري في بعض الدوائر الغربية، مع مشاريع الضم الزاحف في الضفة الغربية والترتيبات الأمريكية لغزة، تصبح الصراعات أقل ارتباطاً بالترتيبات السياسية وأكثر ارتباطاً برؤية أيديولوجية تتحدث صراحة عن إعادة تشكيل المنطقة وفق تصور "إسرائيل الكبرى".
لكن، ورغم أهمية هذا البعد العقائدي، فإن اختزال الصراع في إطار ديني فقط يبقى تبسيطاً مضللاً. فالحروب في الشرق الأوسط ترتبط أيضاً بمصالح جيوسياسية واقتصادية عميقة، تشمل سياسات البترودولار والطاقة والأسواق والممرات البحرية الاستراتيجية، إضافة إلى دور مجمع الصناعات العسكرية والتكنولوجية في النظام الدولي أحادي القطب القائم.
فالتحالف مع إسرائيل والعمليات العسكرية في المنطقة لا يعكسان فقط دفاعاً عن "قيم حضارية"، بل يشكلان أيضاً أدوات للحفاظ على النفوذ الأمريكي وضمان السيطرة على الموارد الحيوية في النظام العالمي الذي يريدون استمراره لمنع التحولات الجارية به.
إن أخطر ما في إضفاء الطابع الديني على الصراعات السياسية أنه لا يهدد فقط فرص التسوية التي هي بعيدة اصلا، بل يعيد تشكيل طبيعة النزاعات نفسها. فحين تُقدم الحروب باعتبارها دفاعاً عن الحضارة أو العقيدة، تصبح التسويات السياسية أشبه بتنازلات وجودية يصعب قبولها وهو امر تسعى له الحركة الصهيونية.
وفي منطقة مثل الشرق الأوسط، حيث تتقاطع الهويات الدينية مع التنافس الجيوسياسي، يمكن لمثل هذا الخطاب أن يهيئ البيئة الفكرية لحروب أطول وأكثر خطورة كما ولتبرير الدوافع الكامنة. فالتاريخ يبين أن الحروب التي تُخاض باسم الدين أو الحضارة غالباً ما تكون الأكثر دموية والأطول زمناً، لأنها تحوّل الصراع من نزاع سياسي قابل للحل احيانا إلى مواجهة وجودية مفتوحة.
ومن هنا، فإن التحدي الحقيقي اليوم لا يقتصر على إنهاء الحروب الدائرة، بل يتجاوز ذلك إلى منع تحويلها إلى صراعات هوية أو عقيدة، لأن استمرار هذا المسار لا يهدد فقط مستقبل القضية الفلسطينية، بل يهدد أيضاً استقرار الشرق الأوسط برمته حيث تعتبر أسراىيل فيه خط الدفاع الأول عن الحضارة الغربية في مواجهتها مع الشرق الناهض.
أقلام وأراء
الإثنين 16 مارس 2026 10:19 صباحًا - بتوقيت القدس
بين الجغرافيا والاقتصاد السياسي والعقيدة.. مخاطر إضفاء الطابع الديني على صراعات المنطقة
أقلام وأراء
الإثنين 16 مارس 2026 10:18 صباحًا - بتوقيت القدس
إرهاب المستوطنين... سياسة دولة لا انفلات أفراد
لم يعد العنف الذي يمارسه المستوطنون الصهاينة ضد الفلسطينيين في الضفة الغربية والقدس مجرد حوادث متفرقة أو انفلاتات فردية يمكن تفسيرها بالتطرف أو الغضب.
ما يجري اليوم هو نمطٌ متكرر ومنهجي من الاعتداءات المنظمة التي تتم تحت حماية مباشرة أو غير مباشرة من سلطات الاحتلال في إسرائيل، الأمر الذي يكشف بوضوح أن هذه الجرائم باتت جزءًا من سياسة قائمة على فرض الوقائع بالقوة وترهيب الفلسطينيين لدفعهم إلى ترك أرضهم.
ففي جريمة جديدة تضاف إلى سلسلة طويلة من الاعتداءات، أعلنت جمعية الهلال الأحمر الفلسطيني في نابلس اليوم عن استشهاد شاب فلسطيني متأثرًا بإصابته برصاص مستوطنين في الصدر في بلدة قصرة.
حادثة أخرى تؤكد أن دم الفلسطيني أصبح هدفًا مباحًا لعصابات الاستيطان، التي تتحرك بثقة لأنها تدرك أن يد العدالة لن تصل إليها في ظل الحماية السياسية والعسكرية التي توفرها لها الحكومة الإسرائيلية.
لقد تحولت المستوطنات في الأراضي الفلسطينية المحتلة إلى قواعد متقدمة لمشروع استعماري إحلالي يسعى إلى السيطرة على الأرض وإقصاء أصحابها الأصليين.
فالمستوطنون لا يكتفون ببناء البؤر الاستيطانية ومصادرة الأراضي، بل يمارسون سياسة يومية من الإرهاب المنظم: إحراق المنازل والمركبات، اقتلاع أشجار الزيتون، الاعتداء على المزارعين، إغلاق الطرق، وإطلاق النار على المدنيين العزل.
وغالبًا ما تقع هذه الاعتداءات أمام أعين جيش الاحتلال أو تحت حمايته المباشرة.
إن أخطر ما في هذه الظاهرة أنها لم تعد مجرد سلوك متطرف لجماعات هامشية، بل أصبحت جزءًا من منظومة سياسية وأمنية.
فالحكومات الإسرائيلية المتعاقبة لم تكتفِ بغض الطرف عن هذه الجرائم، بل شجعتها عمليًا عبر توسيع الاستيطان، وشرعنة البؤر الاستيطانية، وتوفير الحماية العسكرية للمستوطنين.
وهكذا يتحول المستوطن المسلح إلى ذراع غير رسمية لسياسة الدولة، تمارس العنف حيث لا تستطيع الحكومة أن تعلن عنه صراحة.
ومن منظور القانون الدولي، فإن هذا الواقع يمثل انتهاكًا صارخًا للشرعية الدولية.
فالقانون الدولي الإنساني، وعلى رأسه اتفاقية جنيف الرابعة، يحظر على قوة الاحتلال نقل سكانها المدنيين إلى الأراضي التي تحتلها، كما يحظر الاعتداء على السكان المدنيين أو ممتلكاتهم.
ورغم وضوح هذه القواعد القانونية، تستمر إسرائيل في توسيع مشروعها الاستيطاني في تحدٍ مباشر لقرارات الأمم المتحدة وللمبادئ الأساسية للقانون الدولي.
إن ما يجري اليوم في القرى والبلدات الفلسطينية ليس مجرد نزاع محلي، بل اختبار حقيقي لمصداقية النظام الدولي.
فإذا استمرت هذه الجرائم دون مساءلة، فإن ذلك يبعث برسالة خطيرة مفادها أن القوة يمكن أن تحل محل القانون، وأن حياة الفلسطينيين يمكن أن تبقى خارج دائرة الحماية الدولية.
المطلوب اليوم يتجاوز بيانات القلق أو الإدانة اللفظية.
المطلوب خطوات عملية لوقف إرهاب المستوطنين ومحاسبة مرتكبيه.
فالمجتمع الدولي مطالب بالضغط الجاد على الحكومة الإسرائيلية لوقف هذه الاعتداءات، وتفكيك البؤر الاستيطانية غير القانونية، وملاحقة المسؤولين عنها وفق قواعد العدالة الدولية.
كما أن حماية الشعب الفلسطيني في الأراضي المحتلة يجب أن تتحول إلى أولوية دولية، عبر آليات رقابة ومساءلة حقيقية تضع حدًا لسياسة الإفلات من العقاب.
فالتجارب أثبتت أن غياب المحاسبة هو ما يشجع استمرار هذه الجرائم وتوسعها.
إن الدم الفلسطيني الذي يسقط برصاص المستوطنين ليس مجرد رقم في نشرات الأخبار، بل شاهد حي على مأساة إنسانية وسياسية مستمرة منذ عقود.
ومع كل شهيد جديد يتجدد السؤال الأخلاقي أمام العالم: إلى متى يبقى القانون الدولي عاجزًا أمام سياسة القوة؟
إن وقف إرهاب المستوطنين، وإنهاء الاحتلال، وتمكين الشعب الفلسطيني من حقه في الحرية وتقرير المصير وإقامة دولته المستقلة وعاصمتها القدس، ليس مطلبًا فلسطينيًا فحسب، بل شرط أساسي لتحقيق سلام عادل ودائم في المنطقة.
وحتى يتحقق ذلك، سيبقى صوت الضحايا يذكّر العالم بأن العدالة المؤجلة ليست عدالة، وأن الأرض التي رويت بدماء أبنائها لا يمكن أن تتخلى عن حقها في الحياة والحرية والكرامة.
أقلام وأراء
الإثنين 16 مارس 2026 10:15 صباحًا - بتوقيت القدس
المدن والقرى لا تُبنى بالشعارات... بل بالعمل والشراكة مع الناس
في كل موسم انتخابي نسمع الكثير من الكلمات الكبيرة والوعود الجميلة، لكن ما يبحث عنه المواطن في النهاية ليس الخطابات، بل التغيير الحقيقي في حياته اليومية. فالناس تريد طرقاً أفضل، وخدمات أنظف، وبيئة منظمة، وإدارة قريبة منها تسمع مشاكلها وتعمل على حلها. وهنا يبدأ الدور الحقيقي للمدن والقرى عبر مجالسها البلدية والمحلية.
إن تطوير المدن والقرى لا يعتمد فقط على حجم الإمكانيات المالية، بل على القدرة الحقيقية في استثمار كل ما هو متاح من موارد. فهناك موارد مالية يمكن إدارتها بشكل أفضل، وهناك موارد بشرية داخل المؤسسات البلدية من موظفين وكوادر قادرة على العطاء، إضافة إلى طاقات كبيرة في المجتمع المحلي من خبرات ومبادرات وأفكار يمكن أن تسهم في البناء والتطوير.
المجالس البلدية والمحلية الناجحة هي التي تدرك أن دورها لا يقتصر على تقديم الخدمات اليومية فقط، بل يتعدى ذلك إلى قيادة عملية التنمية في المدينة أو القرية. فالمجلس البلدي يجب أن يكون قادراً على جمع الطاقات، وتنظيم الجهود، وتحويل الإمكانيات المتاحة إلى مشاريع وخدمات يشعر بها المواطن في حياته اليومية.
لكن النجاح الحقيقي للعمل البلدي لا يتحقق دون شراكة حقيقية مع المجتمع. فدور البلديات لا يجب أن يكون إدارياً فقط، بل مجتمعياً أيضاً. عليها أن تعمل على تكوين أسرة كبيرة من أبناء المجتمع المحلي تلتف حول المجلس البلدي، وتكون شريكاً حقيقياً في عملية البناء والتطوير.
فعندما يشعر المواطن أن المجلس البلدي قريب منه، يستمع إليه، ويشاركه التفكير في الحلول، يصبح المجتمع كله جزءاً من عملية التطوير. وعندها تتحول المدن والقرى إلى مساحة عمل مشتركة بين المجلس البلدي والمواطنين، حيث يتحمل الجميع مسؤولية الحفاظ على المكان وتطويره.
إن تطوير المدن والقرى لا يحتاج إلى خطابات رنانة ولا إلى وعود انتخابية تتكرر كل بضع سنوات. ما يحتاجه فعلاً هو نية صادقة لخدمة الناس، وعمل جاد ومستمر، وإيمان حقيقي بأن الشراكة مع المجتمع هي الطريق الأقصر لتحقيق النجاح.
فالمدن التي تتقدم ليست بالضرورة الأكثر ثراءً، بل الأكثر قدرة على استثمار إمكانياتها، والأكثر قرباً من مواطنيها، والأكثر إيماناً بأن العمل المشترك هو أساس النجاح.
وفي النهاية، تبقى الحقيقة الواضحة أن المدن والقرى لا تُبنى بالكلام، بل بالعمل. ولا تتطور بالوعود، بل بالإرادة الصادقة والتعاون بين المجالس البلدية والمجتمع المحلي. وعندما تتحول هذه الشراكة إلى ثقافة يومية، يصبح التطوير ممكناً، ويصبح المستقبل أفضل لجميع.
كاتب وسياسي فلسطيني
أقلام وأراء
الإثنين 16 مارس 2026 10:14 صباحًا - بتوقيت القدس
صدام الأصوليات: ليندسي غراهام نموذجاً
ليندسي جراهام، السيناتور الأمريكي عن ولاية كارولاينا الجنوبية، الذي يصرّح يميناً وشمالاً وكأنه صانع قرار في البيت الأبيض والخارجية والحربية في وقت واحد، يقدّم نموذجاً لماكينة السم والتحريض والجهل أيضاً، فهو يدعو صراحة إلى تكرار ما تم فعله في اليابان وألمانيا لضمان تغيير الشعوب والحدود والثقافة، إنه يدعو صراحة إلى الإزالة والحذف، وكأن الناس مجرد ديكور في لعبة كمبيوتر، وهو لا يُخفي كراهيته الشديدة وعداءه السافر للإسلام والمسلمين، ولا يتوانى عن وصف ما يجري بأنه حرب دينية، المنتصر فيها سيحدد شكل المرحلة لألف سنة قادمة، وهذا ما يُذّكر بعقيدة الألفية السعيدة، حيث ينتصر الخير على الشر حسب الأجندات الاستعمارية طبعاً.
غراهام هذا يقدم نموذجاً للعقلية المتطرفة المغلقة التي تُفصِّل النصوص الدينية كما تريد، وتحولها من صلة روحية دينية إلى تبرير استعماري يبيح القتل والتشريد والتدمير، والمشكلة هنا التي تدفع إلى الشعور بالعبث العقلي، أن ما يقوله هذا الرجل يأتي في سياق من الرفعة الأخلاقية والفكرية، بمعنى أن تبريره للدمار والقتل والإبادة ما هو إلا جزء أصيل من النظام الليبرالي الذي يبدو أنه لا يكتمل إلا به، وفي هذا ذروة التناقض والسخرية في آن معاً، وكأن الليبرالية لا تكون إلا على حساب الشعوب، وكأن الليبرالية لا تعبد إلا نفسها ولا تعيش إلا لذاتها.
السم الذي ينفثه غراهام في كل مكان، تهديداً وعدوانية وكراهية، هو نموذج بغيض للتيارات الأصولية العريضة، ليس في الولايات المتحدة فقط، وإنما في أماكن كثيرة في العالم، بما فيها إسرائيل طبعاً، حيث تكتسب فكرة بناء الهيكل زخماً كبيراً.
ليندسي غراهام هو نموذج يمثل قادة اليمين المسيحي ودُعاة التراث اليهودي المسيحي في الولايات المتحدة ومبشريه، الذين لهم تأثير هائل على مجمل صناع السياسة والإعلام والثقافة، استطاعوا فرض رؤاهم الدينية الحرفية على صنع القرار السياسي، وهو أمر واضح وجلي منذ بدايات تكون الولايات المتحدة، بحيث ارتبط في وعي مؤسسي هذه الولايات بأن ظهورها تجسيد "لنهاية الزمان"، ولهذا لم يكن من المستغرب أن يرى هؤلاء المؤسسين في إقامة إسرائيل دليلا على ذلك، أما أسباب اهتمام الآباء المؤسسين بالفكر الأخروي ونهاية الزمن، فهي كالآتي:
1. الاعتقاد بأن أمريكا أمة فضلتها العناية الإلهية وخصّتها بمهمة مقدسة منذ بدء الاستيطان الأوروبي لها، فقد اعتقد الطهوريون أن أمريكا هي في الحقيقة "صهيون الجديدة"، وتردد هذا الاعتقاد في فترات متعددة من تاريخ أمريكا.
2. الادّعاءات الأمريكية المستمرة بأن لأمريكا مهمة مقدسة أخرى، هي نشر الديمقراطية والحرية والعلوم والنزعة الإنسانية في كل أنحاء العالم، هذا النوع من التفكير غالباً ما يُشجّع النظرة الذاتية الطوباوية ويرفد أيضاً أفكار الألفية ونبوءات آخر الزمان ودور أمريكا فيها.
3. انتشر نتيجة لهذه المعتقدات والأفكار، الحماس التبشيري بشكل أسرع وأوسع في أمريكا منه في أوروبا، وساعد بدوره على قبول الأفكار الألفية واقتراب نهاية الزمن.
وبما أن هذا المعتقد يفترض أن يأتي المشيح المخلص إلى "الشعب المختار"، وهو الشعب الذي آمن به - أي يتم استبدال الشعب المختار اليهودي بالشعب المختار الثاني وهو الذي آمن بألوهية المسيح حسب تعبير الدكتور المسيري رحمه الله -، فإن ذلك يفترض دعم إسرائيل كدليل على صحة النبوءات، والأهم هو أن ترجمة هذا الفكر الأخروي في الولايات المتحدة تحول إلى سياسات ومؤسسات ودعم وتماثل، والمشاركة في حروبها.
هذا الفكر الأخروي المنتشر بقوة، على مستوى النخبة وعلى مستوى الجماهير، يتضمن ضمن أمور أخرى، ما يسمى "بخطة الله للدهر"، وهي خطة مأخوذة من التفسيرات الحرفية لنبوءات الكتاب المقدسة، وهي مقسمة إلى عدد من الفترات الزمنية، حيث تتميز كل فترة بأحداث جسام، ونحن نعيش حسب هذه "بالخطة بالمرحلة الرابعة" التي تتميز بعودة المشيح - ملك الملوك ورب الأرباب - فيُهزم الشر في معركة مجدو، ويجتمع حوله المؤمنون والمخلصون الذين نجوا من محنة المرحلة الثالثة والذين سيعمرون المملكة الألفية.
والحديث هنا لا يدور عن جدل أكاديمي نخبوي، بل يتحوّل إلى تيارات عريضة تدعم دون قيد أو شرط عودة اليهود إلى أرض الميعاد، وتأسيس دولة إسرائيل ... وكل من يعتقد بأن حق اليهود بهذه الأرض مدعوم بالكتاب المقدس هو صهيوني، وقد استطاعت هذه الأفكار تشكيل الرأى العام الأمريكى وربما سياسة أمريكا الخارجية.
وتتمثل هذه الأفكار والرؤى على النحو التالي:
• ربط التنبؤات حرفياً وتفصيلياً بما يجري من أحداث عالمية، وبصورة خاصة بما يجري في العالم العربي.
• وضع إسرائيل، الدولة السياسية، في بؤرة هذه الأحداث، على أنها موضوع النبوءات الرئيسي، والدعوة إلى دعم هذه الدولة سياسياً ومادياً وعسكرياً، لأن ذلك من علامات الساعة.
• العداء الرهيب الذي يُكنّه هؤلاء الدُعاة للإسلام والمسلمين، بل دعوتهم إلى إبادة الإسلام كشرط من شروط تحقيق النبوءات.
• اشتراك هؤلاء الدعاة بالنشاط التبشيري المحموم، وخاصة في العالم الإسلامي، لأن ذلك أيضاً يُعجّل بتحقيق هذه النبوءات.
لندسي غراهام – لأسباب علنية وخفية – يتحدث بوقاحة كبيرة، ويُعبّر عن هذا الفكر المنحرف للنصوص الدينية مستغلاً مرحلة الضعف والتفكك، وهو ليس وحده في هذا المجال، فهناك حملة ممنهجة، إعلامية وسياسية، ضد الوجود العربي والفلسطيني والإسلامي في الولايات المتحدة، في محاولة مكشوفة لحرف الأنظار وتغيير الاهتمامات.
الحرب الأخيرة توفِّر أرضية خصبة لاستثمار هذا الفكر المتطرف وترويجه والدعوة إليه، وهو فكر قد يقود – لأسباب أخرى – إلى حرب عالمية لا تُبقي ولا تذر.
أقلام وأراء
الإثنين 16 مارس 2026 10:14 صباحًا - بتوقيت القدس
رُب ضارة نافعة
الحلقة الثانية
تعرضت بلدان الخليج العربي لاعتداء وتطاول ومس بسيادتها من قبل إيران، ولكن لم يكن يتم ذلك، لولا وجود القواعد الأميركية، التي شكلت دوافع الاعتداء الإيراني، ولولاها لما أقدمت إيران على المس بالأمن والتطاول على سيادة بلدان الخليج العربي.
وبذلك بدلاً من أن تشكل القواعد الأميركية عنواناً للحماية وتوفير الأمن، فقدت هذا الدور، وفشلت حقاً في حماية بلدان الخليج العربي الذي يتطلب إعادة النظر من قبل بلدان الخليج كافة بوجود هذه القواعد التي شكلت دافعاً عدوانياً للجارة الإيرانية على جيرانها العرب.
بلدان الخليج العربي، بلدان ثرية، تملك القدرة على شراء السلاح من بلدان عديدة، مثلما تملك القدرة لبناء علاقات أمنية متعددة حماية لأمنها الوطني، عبر التعاون والاتفاق مع أوروبا والصين وروسيا ومع الولايات المتحدة على أساس الندية والتكافؤ بعيداً عن حاجتها لوجود قواعد أجنبية على أراضيها.
كما تستطيع بلدان الخليج العربي أن تتعامل مع جارتها إيران على أساس الندية وحُسن الجوار على قاعدة المصالح المشتركة والأمن المشترك بدون الانصياع أو الدونية أو التعامل معها من موقع الضعف وهذا يتطلب، أول ما يتطلب يتطلب وحدة بلدان الخليج العربي، سياسياً وأمنياً وفق المنظومة القائمة بينهم: مجلس التعاون الخليجي، حيث ثبت بالملموس أنهم جميعاً تعرضوا للاعتداء والتطاول، والمس بأمنهم الوطني والقومي، ولم يكن كذلك لولا وجود القواعد الأجنبية التي ثبت عجزها وفشلها عن حماية أمن الخليجيين وسببت لهم الأذى والمس بالسيادة على أراضيهم.
الاستخلاص الواعي المفيد الواثق هو أن تدرك بلدان الخليج كافة أن أمنها واستقلالها والحفاظ على سيادتها هو عبر تماسكهم مع بعضهم، ووحدة إرادتهم، وأن يكون لهم حقاً الأمن الواحد المشترك، وأن الاعتداء على أي منهم هو اعتداء عليهم جميعاً، ولذلك إذا توفرت حقاً المصداقية التي تجمعهم، سيكون ذلك رادعاً لمن يفكر بالمس بالأمن لبدان الخليج العربي مجتمعة.
كما تستطيع بلدان الخليج العربي أن تبني علاقات مفيدة تخدم مصالحهم مع كل من مصر والأردن التي تربطها علاقات الأخوة والاحترام المتبادل في إطار الاتفاق القومي المشترك، وانعكاس ذلك على الأطراف جميعاً.
تجربة التطاول والاعتداء الأميركي الإسرائيلي على إيران، وتداعياتها أثبت بوضوح بالغ أن الأولوية لسياسات الولايات المتحدة هي مصلحة المستعمرة الإسرائيلية، وليس الاتفاقات الظاهرة مع الولايات المتحدة التي لم توفر الأمن لبدان الخليج التي وقفت ضد الحرب، ولكن الولايات المتحدة لم تعطِ هذا الموقف ما يستحق، بل عملت على تلبية سياسة المستعمرة الإسرائيلية التوسعية العدوانية وشراكتها في الحرب على إيران، وسببت ما سببت من آثار وخراب وتدمير لشعوبنا العربية في الأردن والخليج العربي، وانعكاس ذلك على مجمل بلدان المشرق العربي، حيث تسعى المستعمرة للهيمنة والسيطرة على هذه المنطقة الحيوية من العالم العربي، وعملت على تمييع الاهتمام وإزالة التركيز عما فعلته من جرائم بحق الشعب الفلسطيني في قطاع غزة.
موقف العربية السعودية الحكيم العقلاني يجب أن يجد الصدى والاستجابة كما تفعل سلطنة عُمان، وموقف قطر الواعي الذاتي، المكمل لبعضهم البعض، مما يستوجب أن يستفيدوا مما جرى ويعملوا على وحدة مواقفهم وسياساتهم وإرادتهم وهي حصيلة ستوفر لهم الأمن والاستقرار والاحترام من قبل الجميع.
فلسطين
الإثنين 16 مارس 2026 10:13 صباحًا - بتوقيت القدس
القدس في العشر الأواخر: مدينة محاصرة.. وإيمان يتخطى الحواجز
د. أحمد الطيبي: الصلاة على عتبات السور وباب الساهرة أبلغ رد على محاولات التقييد.. إن المصلين يراقبون المسجد بقلوبهم ويحولون كل زقاق إلى "محراب"
سامي أبو شحادة: حصار المسجد الأقصى لا يمس فقط حرية العبادة والديانة بل يندرج ضمن مشروع سياسي إسرائيلي مستمر منذ فترة طويلة
زياد الحموري: هناك إدراك واسع بأن الخطوة التي اتخذها الاحتلال بإغلاق "الأقصى" ترتبط بترتيباتٍ ومخططاتٍ تتعلق بقضية بناء "الهيكل"
فخري أبو دياب: هذه الأيام ليست للعبادة فحسب بل أيضاً لتجديد العهد مع المسجد الأقصى والدعاء للعلي القدير بأن يرفع عنه الحصار والإغلاق
د. محمد ربعي: "الأقصى" يقف اليوم وحيداً يلفّه صمتٌ موجع وتطلّ العشرُ الأواخر على القدس هذا العام غريبة كأنها "عامُ الحزن" الذي لم ينتهِ بعد
خاص بـ القدس-
يواصل الاحتلال إغلاق المسجد الأقصى المبارك، ومنع المصلين من الوصول إليه، لليوم السادس عشر على التوالي، وهي المرة الأولى منذ عام 1967 التي يُمنع فيها المصلون من أداء الصلاة والاعتكاف في المسجد وإحياء ليلة القدر، إذ شهد محيط البلدة القديمة وأبواب المسجد إجراءات عسكرية مشددة، ما حال دون تمكن الكثيرين من أداء الصلاة.
واعتبر متحدثون وشخصيات مقدسية ودينية لـ"ے" أن إغلاق المسجد يأتي ضمن سلسلة من الإجراءات والتقييدات التي تُفرض على المصلين، الأمر الذي يثير استياء واسعاً بين المواطنين، خاصة في المناسبات الدينية التي تشهد عادة توافد آلاف المصلين إلى المسجد المبارك، محذرين من التصاعد الخطير في خطاب التحريض الذي تقوده ما تُسمّى "منظمات الهيكل" المتطرفة ضد الأقصى، في ظل استمرار إجراءات الإغلاق.
وأكدوا أن ما يجري لا يمكن اعتباره إجراءات أمنية مؤقتة كما تدّعي سلطات الاحتلال، بل يندرج ضمن مسار سياسي وأيديولوجي ومشروع سياسي مستمر منذ فترة طويلة يهدف إلى تغيير الواقع الديني والتاريخي والقانوني القائم في المسجد الأقصى.
أسوار المسجد الأقصى شاهدة على "مفارقة مؤلمة"
يقول رئيس كتلة الجبهة العربية للتغيير في الكنيست د. أحمد الطيبي: "في الوقت الذي تشرع فيه أبواب المصانع والمطاعم والمراكز التجارية في كل مكان، وتنبض فيه الأسواق بالحياة شبه الروتينية ، تقف أسوار المسجد الأقصى شاهدةً على "مفارقة مؤلمة" وقرار جارف يفتقر لأي منطق تنظيمي أو أمني مبرر".
ويتساءل الطيبي: كيف يمكن للعالم أن يفسر السماح بالتجمعات في "معابد الاستهلاك" ومنعها في "محراب الروح"؟ أو السماح باحتفالات البوريم في نحلؤوت لمئات اليهود ومنع المسلمين من الصلاة، خاصة في شهر رمضان والعشر الاواخر وليلة القدر قريبا.
ويقول: "إن هذا التساؤل ليس مجرد سؤال عابر، بل هو صرخة وجهناها في وجه هذا التمييز الصارخ تحت قبة الكنيست".
اختبار للإرادة
ويضيف الطيبي: "في هذه الليالي المباركة من العشر الأواخر، يرقب الصائمون مآذن الأقصى بعيون تحدق وقلوب يملأها الشوق. المشهد في القدس اليوم ليس مجرد مشهد مدينة محاصرة، بل هو اختبار للإرادة.
ويؤكد الطيبي ان العيون الشاخصة ترى المصلين يقفون على أقرب نقطة تسمح بها القيود، يفترشون الأرصفة، وتلتحف سجادة صلاتهم برد الشوارع، وعيونهم لا تغادر قبة الصخرة.
ويشير الى المفارقة الصارخة بانه لا يوجد تفسير منطقي يبرر منع المصلين كلياً من ممارسة حقهم الطبيعي في العبادة، بينما تستمر عجلة الاقتصاد والمرافق العامة بالدوران دون عوائق. إنها سياسة تهدف إلى تغييب الهوية الروحية للمدينة في أقدس أوقاتها.
حق أساسي تكفله كافة الشرائع الدولية
ويرى الطيبي أن صلاة المقدسيين وأهلنا من الداخل والضفة على عتبات السور وباب الساهرة هي أبلغ رد على محاولات التقييد. إنهم يراقبون المسجد بقلوبهم، ويحولون كل زقاق في القدس إلى "محراب".
ويقول الطيبي: "لقد طرحنا هذا التناقض بوضوح؛ فالحق في العبادة ليس منّة من أحد، بل هو حق أساسي تكفله كافة الشرائع الدولية، وما يحدث اليوم هو محاولة لفرض واقع جديد يكسر الروابط الوجدانية بين المسلم ومسجده في ذروة تعبده."
ويشدد الطيبي في ختام حديثه لـ"ے" على أن مآذن الأقصى ستبقى تصدح، وسيبقى الصائمون يرقبون فجر حريتهم من خلف الأسوار. إن منع الصلاة في المسجد بينما تفتح "المولات" أبوابها هو شهادة إدانة صارخة ضد منطق الكيل بمكيالين.
رمز ديني ووطني
ويؤكد سامي أبو شحادة، رئيس حزب التجمع الوطني الديمقراطي، أن المسجد الأقصى يشكّل رمزاً دينياً ووطنياً، وأن ما يجري حالياً من حصار للمسجد الأقصى ومنع المصلين من الوصول إليه لا يمس فقط بحرية العبادة والديانة، بل يندرج ضمن مشروع سياسي مستمر منذ فترة طويلة.
ويوضح أن هناك اعتداءات متواصلة على المسجد الأقصى تقوم بها سلطات الاحتلال، ويؤكد أن هذه الإجراءات غير قانونية ومرفوضة، لأن القانون الدولي لا يمنح دولة الاحتلال سيادة على القدس أو على المسجد الأقصى، وأن جميع هذه الخطوات تتناقض مع قواعد القانون الدولي.
ويضيف أبو شحادة: إن هذه الإجراءات تمس بشكل مباشر بحرية العبادة ومشاعر المصلين المسلمين، كما تؤثر على أدائهم لطقوسهم الدينية وتقاليدهم، خاصة في شهر رمضان، حيث يتوافد إلى المسجد الأقصى عشرات الآلاف وربما أكثر من مئة ألف مصلٍ يوميا في الظروف الطبيعية.
ويشير إلى أنه لولا القيود التي يفرضها الاحتلال، لكان ملايين المسلمين من مختلف أنحاء العالم قادرين على زيارة المسجد الأقصى والصلاة فيه، ويوضح أنه حتى أبناء الشعب الفلسطيني أنفسهم، سواء من قطاع غزة أو الضفة الغربية، محرومون من الوصول إلى المسجد.
ويؤكد أبو شحادة أن هذا الواقع يمس كرامة ومشاعر كل مسلم، بل وكل من يؤمن بحقوق الإنسان الأساسية وحرية العبادة.
اختبار لردود الفعل
ويعرب أبو شحادة عن خشيته من أن يكون ما جرى بمثابة اختبار لردود الفعل، ويحذر من احتمال أن تتكرر مثل هذه الإجراءات في المستقبل تحت ذرائع مختلفة تؤدي إلى إغلاق المسجد الأقصى مرة أخرى.
ويرى أبو شحادة أن شهر رمضان يشهد عادة أعداداً كبيرة من المصلين في الأقصى، إذ تجاوز عدد الزوار في العام الماضي ثلاثة ملايين مصلٍ خلال الشهر الفضيل، فيما تشهد ليلة القدر تحديدا حضورا واسعًا، حيث يحرص مئات الآلاف سنويا على أداء الصلاة في المسجد الأقصى في تلك الليلة المباركة.
تداعيات وآثار
ويقول مدير مركز القدس للحقوق الاقتصادية والاجتماعية زياد الحموري: إن شهر رمضان هذا العام كان من أسوأ الأعوام بالنسبة للمسلمين الذين اعتادوا أداء صلاة الجمعة أو قضاء العشر الأواخر من رمضان في المسجد الأقصى المبارك، إذ حُرم كثيرون من ذلك، الأمر الذي ترك أثراً كبيراً في نفوس الناس الذين ارتبطوا روحانياً بالأقصى عبر سنوات طويلة، ومن المتوقع أن تظل لهذه الإجراءات تداعيات وآثار حتى في المستقبل.
ويضيف الحموري أن هناك إدراكاً واسعاً بأن الخطوة التي اتخذها الاحتلال بإغلاق الأقصى ترتبط، في نظر كثيرين، بترتيبات ومخططات تتعلق بقضية بناء "الهيكل".
ويوضح الحموري أن هذا الإغلاق حرم أهالي القدس، والفلسطينيين من الداخل، وسكان الضفة الغربية من أداء عباداتهم في المسجد الأقصى خلال شهر رمضان، وهو ما يعد حرماناً كبيراً، ليس فقط من الصلاة في الأقصى، بل أيضا من الوصول إلى البلدة القديمة، حيث إن عددا من التجار لم يعد بإمكانهم الوصول إلى محالهم إذا لم يكونوا من سكان المنطقة.
ويشير الحموري إلى أن هذه الإجراءات تأتي في ظل انتشار مقاطع مصورة وتصريحات من قبل بعض المستوطنين تتحدث عن إقامة الهيكل مكان المسجد الأقصى، إضافة إلى ما وصفه بحالة التبجح لدى بعضهم باقتراب تنفيذ هذه الفكرة.
مؤشرات مقلقة
ويلفت إلى أنه قبل أحداث 7 أكتوبر كانت هناك مؤشرات مقلقة، من بينها الحديث عن تجهيزات مرتبطة بهذا المشروع، بما في ذلك إحضار ما يُعرف بـ"البقرات الحمراء"، إلى جانب الإعلان للمرة الأولى عن ميزانية حكومية مخصصة لموضوع بناء الهيكل، وهو أمر لم يكن يحدث سابقا، إذ كانت هذه القضية تُطرح غالباً من قبل جماعات استيطانية أو جمعيات دينية، وليس بشكل مباشر من الحكومة.
ويعتبر الحموري أن هذه التطورات قد تؤدي إلى تداعيات خطيرة وردود فعل واسعة، نظراً لحجم الحرمان الذي يشعر به الناس، خاصة أن الكثير من المسلمين يتهيؤون طوال العام لقضاء شهر رمضان والعشر الأواخر في رحاب المسجد الأقصى.
ويؤكد الحموري أن ما حدث هذا العام قد يكون الأول من نوعه منذ عام 1967 من حيث منع أعداد كبيرة من المسلمين من الوصول إلى المسجد الأقصى خلال شهر رمضان، ويشير إلى أن الإغلاقات كانت تحدث في سنوات سابقة، لكنها لم تكن بهذا الشكل الشامل وفي هذا التوقيت الحساس من الشهر الفضيل.
الاحتلال لن يستطيع إزالة قدسية المسجد الأقصى
ويقول الباحث في شؤون القدس فخري أبو دياب إنه في هذه الليالي المباركة، ومع الألم والحسرة والشوق إلى المسجد الأقصى، ورغم كل ما يقوم به الاحتلال من محاولات لإبعاد أجساد المقدسيين وتفريغ المسجد الأقصى من المصلين، فإنه لن يستطيع إزالة قدسية المسجد الأقصى أو محبته من قلوب المقدسيين.
ويضيف: كلما ازداد الاحتلال في منع أداء العبادات والصلاة والاعتكاف والرباط في المسجد الأقصى، ازدادت محبة الناس وشوقهم إليه. ويوضح أن هذه الأيام ليست مجرد ليالٍ للعبادة فحسب، بل هي أيضًا أيام لتجديد العهد مع المسجد الأقصى والدعاء بأن يرفع الله عنه الحصار والإغلاق.
ويشير أبو دياب إلى أن الاحتلال قد يظن أنه من خلال إغلاق المسجد الأقصى وإبعاد المصلين عنه يستطيع فرض سيطرته الكاملة عليه، إلا أن ذلك قد يتحول إلى شرارة قد تفجر الأوضاع في القدس.
ويلفت إلى أن الأشهر الماضية، منذ العدوان على الشعب الفلسطيني في غزة، شهدت تراجعاً نسبياً في مظاهر الوقوف مع المسجد الأقصى، لكن هذا الإغلاق قد يعيد الزخم ويعيد الشارع المقدسي إلى موقعه السابق.
محاولات لفرض وقائع جديدة
ويوضح أبو دياب أن الاحتلال يحاول خلق فجوة بين أهل القدس والمسجد الأقصى لتسهيل فرض وقائع جديدة عليه في المستقبل، غير أن تشديد الإجراءات والحصار والإغلاق لن يؤدي إلا إلى زيادة تعلق الناس بالأقصى.
ويضيف أبو دياب: إن المسجد الأقصى، خاصة في هذه الأيام من العشر الأواخر من رمضان، يمثل بالنسبة لأهل القدس مصدر الروح والسكينة، وكأنه الأكسجين الذي يتنفسون منه. لذلك فإن حرمانهم من هذا المصدر لن يخنقهم، بل قد يدفعهم إلى التحرك للدفاع عن هذا المكان الذي يمثل لهم القلب من الجسد.
ويتابع: إن ما يجري، رغم قسوته، قد يؤدي إلى إعادة تماسك الشارع المقدسي واستعادة دوره في الدفاع عن المسجد الأقصى، كما حدث في محطات سابقة شهدت هبات وانتفاضات شعبية ضد إجراءات الاحتلال.
ويختتم أبو دياب حديثه بالقول: إن هذا الإغلاق، رغم ما يحمله من ألم وحرمان من العبادة والاعتكاف والرباط في المسجد الأقصى، قد يتحول إلى شرارة لتغيير الأوضاع في القدس، وإلى رسالة واضحة للاحتلال بأن المسجد الأقصى لن يكون سهل التغيير أو السيطرة.
ويشير إلى أن بوادر التحرك بدأت بالفعل من خلال إقامة بعض الصلوات في محيط المسجد الأقصى.
الصائمون يرقبُون "الأقصى" من خلفِ الحواجز
يقول الخبير في مجال البناء المؤسسي و المختص بعالم القيادة والقيم د.محمد ربعي: "في أطهرِ بقاع الأرض، وحيث تلتقي تنهيداتُ الأرضِ بوعودِ السماء، تطلُّ العشرُ الأواخرُ على القدس هذا العام غريبةً، كأنها "عامُ الحزن" الذي لم ينتهِ بعد".
يضيف: "هناك، حيثُ كان ينبغي أن تزدحمَ المصاطبُ بدموعِ المتهجدين، وتقرعَ الخطواتُ أبوابَ الجنةِ الأرضية، يقفُ المسجدُ الأقصى اليوم وحيداً، يلفُّه صمتٌ موجع، وتُحاصرهُ قسوةُ الحديدِ التي منعتِ الجباهَ من ملامسةِ الثرى".
ويؤكد ربعي أن الصائمين يرقبُون الأقصى من خلفِ الحواجز، وتكادُ أرواحهم تسبقُ أجسادهم التي قيّدها الحصار.
ويضيف ربعي "هذا المشهدُ يُعيدُ للأذهانِ وجعَ الصحابةِ الذين حُبسوا عن "عمرة القضاء"، يومَ أن كان النبي ﷺ ينظرُ إلى مكةَ من بعيد ويقول: "واللهِ إنكِ لأحبُّ أرضِ اللهِ إليَّ". "
ويتابع القول: "اليوم، كل مقدسيٍّ يقفُ على عتبةِ الطريق، يرمقُ القبةَ الذهبيةَ بعينينِ دامعتين، يُرددُ بلسانِ حاله ما قاله كعبُ بن مالك حين تخلف عن الركب: "فكنتُ أطوفُ في الأسواق فلا يكلمني أحد". هي غربةُ الروحِ في وطنها، وصلاةُ القلبِ خلفَ قضبانِ الحرمان.
ويشير ربعي إلى قساوة رفع المؤذنُ نداءَ "حيَّ على الصلاة"، فلا يجدُ خلفه إلا صدى صوتهِ المبحوح، ورياحاً تمرُّ بين الأعمدةِ الرخاميةِ التي اشتاقت لزحامِ الأكتاف. في هذه الليالي، يرتسمُ كربُ النبي ﷺ في "ليلةِ الطائف"؛ حين نادَى ربه بضعفهِ وقلةِ حيلته.
قيمة "الاحتساب الـمُر"
ويؤكد ربعي أن الصائمين اليوم، الذين يفطرون على أرصفةِ الشوارع لأنهم مُنعوا من دخولِ ساحاتهم، يجسدون قيمة "الاحتساب الـمُر"؛ هم يعلمون أنَّ المحرابَ يبكي شوقاً لساجديه، وأنَّ المنبرَ يحنُّ لزفيرِ المؤمنين كما حنَّ "جذعُ النخلة" لرسول الله ﷺ حين فارقه.
ويقول: "لذا يرقبُ المقدسيون الأقصى في العشرِ الأواخرِ ليس كأثرٍ تاريخي، بل كقطعةٍ من عقيدتهم تُذبحُ كل ليلة. "
ويوضح ربعي انه ورغم الحزنِ الذي يلفُّ زقاق البلدة القديمة، ورغم دموعِ العجائزِ اللواتي منعن عن اعتكافهنَّ المعتاد، يبقى اليقينُ بأنَّ "الضيقَ لا يدوم".
ويضيف: "إنهم يستحضرون لحظة دخول النبي ﷺ مكةَ فاتحاً، مُنحنياً على ناقتهِ تواضعاً لله، بعد أن ذاقَ مرارةَ الإخراجِ والمنعِ لسنواتٍ طوال".
ويختتم ربعي حديثه بالقول: إنَّ الأقصى في هذه الليالي لا يبكي خذلانَ الحجر، بل يبكي غربةَ البشر. سيظلُّ الصائمون يرقبونهُ بقلوبٍ محترقة، يُصلّون بدموعهم حيثُ عجزت أقدامهم، مؤمنين أنَّ اللهَ الذي أسرى بنبيهِ ليلاً من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى، قادرٌ على أن يُسري بالفرجِ إلى تلك القبابِ الحزينة، ليصدحَ التكبيرُ مجدداً في ساحاتٍ غسلها دمعُ المحبين وانتظارُ الصابرين. فيا من تُصلّون على الأسفلتِ وتحتَ هراواتِ القسوة، أنتم اليوم "القدوةُ السلوكيةُ" للأمةِ بأسرها. أنتم تجسدون قيمة "الوفاء" في زمنِ التخاذل.
ويخاطب ربعي المصلين "اعلموا أنَّ منعكم من دخولِ الأقصى هو وسامُ شرفٍ، فأنتم تحرسونه بقلوبكم حيثُ غابت الأجساد. تذكروا قولَ النبي ﷺ لصحابتهِ حين اشتدَّ الكرب: "أبشروا، واستبشروا بما يسرُّكم".
فلسطين
الإثنين 16 مارس 2026 10:03 صباحًا - بتوقيت القدس
تقرير بريطاني: المسيّرات الإيرانية تضرب العمق الاقتصادي للإمارات وتكشف هشاشة الاستقرار الإقليمي
تواجه دول الخليج العربي تحديات أمنية واقتصادية غير مسبوقة مع تصاعد المواجهة بين الولايات المتحدة والاحتلال الإسرائيلي من جهة، وإيران من جهة أخرى. وأفادت مصادر صحفية بريطانية بأن هذا الصراع بدأ يلقي بظلاله الثقيلة على الاقتصادات الخليجية التي تعتمد بشكل أساسي على الاستقرار وحركة التجارة العالمية، مما أثار مخاوف جدية حول استدامة صورة المنطقة كملاذ آمن للاستثمارات الدولية.
وسلط تقرير لصحيفة 'صاندي تايمز' الضوء على مشهد استثنائي في مراكز التسوق الكبرى بأبوظبي، حيث خلت الأروقة من المتسوقين وسط دوي الألحان الوطنية وصافرات الإنذار. وجاء هذا الهدوء الحذر عقب ليلة من التهديدات الصاروخية التي دفعت آلاف السياح والمقيمين الأجانب لمغادرة البلاد، في إشارة واضحة إلى اهتزاز الثقة بالمنظومة الأمنية التي طالما تغنت بها المنطقة.
وأكد التقرير أن التهديدات الإيرانية انتقلت من مرحلة الوعيد إلى التنفيذ المباشر قبل نحو أسبوعين، حينما شنت طهران هجوماً واسعاً بطائرات مسيرة من طراز 'شاهد'. واستهدفت هذه المسيرات مواقع استراتيجية في قلب مدينة دبي، التي لا يفصلها عن السواحل الإيرانية سوى مسافة قصيرة تقدر بنحو 160 كيلومتراً، مما جعلها في مرمى النيران المباشرة.
وتسببت إحدى الضربات الجوية في اندلاع حريق هائل بفندق فاخر في منطقة نخلة جميرا الشهيرة، وهو ما اعتبره مراقبون ضربة قاصمة للصورة الذهنية التي عملت الإمارات على ترسيخها لعقود. ويرى خبراء أن وصول النيران إلى هذه الوجهات السياحية العالمية يبعث برسالة إيرانية مفادها أن المراكز الاقتصادية لم تعد محصنة ضد التداعيات الجيوسياسية.
وفي سياق متصل، أشارت مصادر إلى أن المركز المالي العالمي في دبي تعرض لهجمات مماثلة دفعت مؤسسات مالية كبرى لإخلاء مكاتبها بشكل مؤقت كإجراء احترازي. ولم تقتصر الأضرار على المباني، بل امتدت لتشمل هجمات سيبرانية وضربات لمراكز بيانات أدت إلى تعطل واسع في الخدمات المصرفية الرقمية، مما أربك حركة المعاملات اليومية.
ولم تسلم المنشآت الحيوية الأخرى من الاستهداف، حيث رُصدت أعمدة الدخان تتصاعد من منشأة نفطية في إمارة الفجيرة عقب هجوم بمسيرة انتحارية. كما طالت الهجمات محطة لتحلية المياه في البحرين وناطحات سحاب في مناطق مختلفة، فيما أحدث استهداف مطار دبي الدولي صدمة في أوساط الملاحة الجوية العالمية نظراً لمكانته كمحور ربط دولي.
وعلى الصعيد الاقتصادي، بدأت المؤسسات الدولية في مراجعة تقييماتها للمنطقة، حيث خفضت مؤسسة 'ستاندرد آند بورز' توقعات النمو الاقتصادي لدول الخليج لعام 2026 بشكل حاد. وتراجعت التوقعات من 4.3% إلى ما يزيد قليلاً عن 2%، في ظل إلغاء فعاليات كبرى مثل سباقات فورمولا 1 التي كانت مقررة في البحرين والسعودية.
هناك نظام حلفاء مزدوج في الشرق الأوسط؛ إسرائيل في القمة ودول الخليج في الأسفل.
ونقلت الصحيفة عن دانيا ظافر، مديرة منتدى الخليج الدولي، تحذيراتها من أن استمرار هذه الحالة الحربية سيؤدي إلى تآكل صورة 'واحة الاستقرار' التي سوق لها الخليج طويلاً. وأوضحت أن الضرر الاقتصادي قد يكون طويل الأمد إذا لم تنجح الجهود الدبلوماسية في احتواء التصعيد ومنع تحول الأراضي الخليجية إلى ساحة تصفية حسابات إقليمية.
من جانبها، حاولت السلطات الإماراتية التقليل من حجم التأثيرات، حيث صرحت وزيرة الدولة للشؤون الخارجية نورة الكعبي بأن سمعة الدولة الأمنية لم تتأثر بشكل جوهري. وأكدت الكعبي في تصريحات إعلامية أن قطاع السياحة يمتلك القدرة على التعافي السريع، مشددة على أن الإمارات تظل وجهة جاذبة للأعمال رغم الظروف الراهنة.
وفي محاولة للسيطرة على الرواية الإعلامية، شددت السلطات الرقابة على تداول صور ومقاطع الفيديو المتعلقة بالهجمات، حيث جرى اعتقال عشرات الأشخاص في أبوظبي ودبي والبحرين. ومن بين المعتقلين سائح بريطاني واجه تهمة تصوير ضربات صاروخية، وهي أفعال قد تؤدي للسجن لمدة تصل إلى عامين وفقاً للقوانين المحلية الصارمة.
وكشف التقرير عن حالة من الاستياء المكتوم في الأروقة السياسية الخليجية تجاه الحليف الأمريكي، رغم الاستثمارات الضخمة في صفقات الأسلحة التي تجاوزت 100 مليار دولار. وأشارت المصادر إلى أن امتلاك أحدث المنظومات الدفاعية مثل 'باتريوت' و'ثاد' لم يوفر الحماية الكافية ضد المسيرات الرخيصة التي تستنزف الصواريخ الاعتراضية باهظة الثمن.
وفي إطار العلاقات مع إدارة ترامب، لفت التقرير إلى استثمارات سياسية واقتصادية كبرى، من بينها استحواذ الشيخ طحنون بن زايد على حصة في شركة مرتبطة بعائلة الرئيس الأمريكي. ومع ذلك، يرى مسؤولون خليجيون أن هذه الاستثمارات لم تمنع واشنطن من جر المنطقة إلى دائرة خطر لم تكن مستعدة لها بشكل كامل.
وختمت الصحيفة تقريرها بالإشارة إلى أن الضغوط العسكرية الأمريكية، بما في ذلك استهداف جزيرة خرج الإيرانية ونشر آلاف الجنود الإضافيين، تزيد من احتمالات الانفجار الشامل. وتجد دول الخليج نفسها الآن أمام خيار صعب بين الاستمرار في ضبط النفس أو الانخراط في مواجهة عسكرية قد تدمر ما تبقى من مكتسبات اقتصادية.
عربي ودولي
الإثنين 16 مارس 2026 8:18 صباحًا - بتوقيت القدس
انقسام في إدارة ترامب: صراع بين فانس وروبيو حول التوجه العسكري ضد إيران
أفادت تقارير صحفية ألمانية بوجود حالة من الانقسام الحاد داخل أروقة الإدارة الأمريكية، نتيجة تباين وجهات النظر حول كيفية التعامل مع الملف الإيراني. وتتمحور هذه الخلافات بين تيار يقوده نائب الرئيس جي دي فانس، وتيار آخر يتصدره وزير الخارجية ماركو روبيو، مما يعكس شروخاً في الفريق الرئاسي رغم الحماسة التي يبديها الرئيس دونالد ترامب تجاه العمليات العسكرية الجارية.
وذكرت مصادر صحفية أن المواجهة الخفية بين روبيو وفانس تعود إلى اختلاف جذري في الرؤية الاستراتيجية تجاه طهران. فبينما يتبنى فانس موقفاً يميل إلى تغليب الحلول الدبلوماسية وتجنب التصعيد العسكري الشامل، يصر روبيو على انتهاج خطاب متشدد يدعم التحركات العسكرية المباشرة لتقويض النفوذ الإيراني في المنطقة.
وتشير المعطيات المسربة إلى أن هذا التنافس لا يقتصر على السياسة الخارجية فحسب، بل يمتد ليشمل طموحات سياسية مستقبلية تتعلق بانتخابات الرئاسة الأمريكية المقررة في عام 2028. حيث يسعى كل من فانس وروبيو لتعزيز مكانتهما داخل الحزب الجمهوري باعتبارهما الوريثين المحتملين للقاعدة الشعبية التي بناها دونالد ترامب خلال فترتيه الرئاسيتين.
وفي سياق هذا الصراع الداخلي، يبدو أن كفة وزير الخارجية ماركو روبيو هي الأرجح لدى الرئيس ترامب في الوقت الراهن. فقد أشارت التقارير إلى أن ترامب يميل بوضوح نحو التوجهات المتشددة التي يطرحها روبيو، في حين بدأ دور نائب الرئيس جي دي فانس يتقلص تدريجياً في دوائر صنع القرار المتعلقة بالأمن القومي بسبب اعتداله تجاه طهران.
يُنظر إلى التنافس بين روبيو وفانس على أنه مقدمة لانتخابات الرئاسة الأمريكية عام 2028، حيث يُعتبر كلاهما الأوفر حظًا لخلافة ترامب.
وكشفت المصادر عن واقعة وصفت بـ 'المرة' لنائب الرئيس، حين استطلع ترامب آراء مجموعة من كبار المانحين للحزب الجمهوري حول الشخصية الأنسب لخلافته في البيت الأبيض. وجاءت النتائج شبه إجماعية لصالح ماركو روبيو، مما عزز من فرضية تهميش فانس داخل المطبخ السياسي للإدارة الحالية.
ويأتي هذا الحراك المبكر نحو انتخابات 2028 في ظل القيود الدستورية التي تمنع دونالد ترامب من الترشح لولاية ثالثة، مما يفتح الباب على مصراعيه أمام أقطاب الإدارة للتنافس على كسب ثقة المانحين والقاعدة الانتخابية. ويعد ملف الحرب على إيران الاختبار الحقيقي الذي سيحدد ملامح الزعامة القادمة داخل المعسكر الجمهوري.
وعلى الرغم من الفخر الذي يبديه ترامب بالتقدم العسكري المحرز في العمليات ضد الأهداف الإيرانية، إلا أن التباين بين نائبه ووزير خارجيته يضع الإدارة أمام تحديات في توحيد الخطاب السياسي. فالتناقض بين الدبلوماسية التي ينادي بها فانس والقبضة الحديدية التي يفضلها روبيو قد يؤثر على وتيرة القرارات الاستراتيجية المتخذة في واشنطن.
ختاماً، يراقب المحللون السياسيون هذا الانقسام باهتمام بالغ، معتبرين أن ميزان القوى داخل البيت الأبيض قد يشهد تحولات إضافية بناءً على نتائج المواجهة مع إيران. ويبقى السؤال المطروح حول قدرة جي دي فانس على استعادة نفوذه، أو ما إذا كان ماركو روبيو سيحكم قبضته على السياسة الخارجية الأمريكية تمهيداً لسباق الرئاسة القادم.
فلسطين
الإثنين 16 مارس 2026 7:18 صباحًا - بتوقيت القدس
رحيل الإعلامي جمال ريان.. أول صوت أطل عبر شاشة 'الجزيرة'
نعت أوساط إعلامية عربية ودولية، اليوم، الإعلامي الفلسطيني الأردني جمال ريان، الذي وافته المنية عن عمر ناهز 73 عاماً. وقد أكدت مصادر إعلامية رحيل الفقيد الذي يعد واحداً من أبرز الوجوه الصحافية التي تركت بصمة واضحة في المشهد الإعلامي العربي على مدار عقود طويلة.
ويُعرف الراحل بكونه أول مذيع ظهر على شاشة القناة القطرية عند انطلاق بثها الرسمي في عام 1996، ليصبح منذ ذلك الحين علامة فارقة في مسيرة القناة. وقد ساهم ريان في تأسيس المدرسة الإخبارية للمحطة، حيث ارتبط صوته وصورته بأبرز الأحداث السياسية التي عصفت بالمنطقة العربية.
وُلد جمال ريان في مدينة طولكرم بالضفة الغربية عام 1953، ونشأ في أسرة فلسطينية متمسكة بهويتها الوطنية، وهو ما انعكس بوضوح على توجهاته المهنية لاحقاً. حمل الفقيد الجنسية الأردنية، وبدأ أولى خطواته في عالم الميكروفون من العاصمة عمان، حيث انطلق شغفه بالعمل الإذاعي والتلفزيوني.
استهل ريان مسيرته المهنية في عام 1974 من خلال العمل مذيعاً للأخبار والبرامج السياسية في الإذاعة والتلفزيون الأردني. كانت هذه المرحلة بمثابة الحجر الأساس الذي صقل موهبته، وأهله للانتقال إلى فضاءات إعلامية أوسع خارج حدود الوطن العربي في سنوات لاحقة.
تنوعت الخبرات المهنية للراحل بين محطات إقليمية ودولية مرموقة، حيث عمل في هيئة الإذاعة الكورية الجنوبية، وقدم محتوى إخبارياً متميزاً. كما كانت له محطة هامة في تلفزيون الإمارات، قبل أن ينتقل للعمل في هيئة الإذاعة البريطانية، مما منحه رؤية شمولية للعمل الصحفي العالمي.
خلال عمله في القناة القطرية، تخصص ريان في تقديم الفترات الإخبارية الرئيسية والبرامج الحوارية التي تناقش القضايا الاستراتيجية. وقد عُرف بأسلوبه الرصين وقدرته العالية على إدارة الحوارات الساخنة، خاصة تلك المتعلقة بالصراع العربي الإسرائيلي وتطورات القضية الفلسطينية.
يروي زملاء الراحل مواقف عديدة تجسد شجاعته المهنية، من أبرزها مواجهته للمسؤولين الإسرائيليين على الهواء مباشرة بوقائع تاريخية. وفي إحدى المقابلات الشهيرة، أحرج ريان مسؤولاً إسرائيلياً بإظهار وثائق ملكية عائلته لمنزل في فلسطين التاريخية، مؤكداً على حق العودة.
يعتبر ريان من جيل التأسيس، حيث كان أول من أطل على الشاشة عند انطلاقها عام 1996، وقدم خلال مسيرته أهم الفترات الإخبارية والسياسية المرتبطة بالقضية الفلسطينية.
وصفت مصادر صحفية رحيل ريان بأنه خسارة كبيرة للصحافة العربية، مشيرة إلى أنه رسخ مكانته كأحد أكثر المذيعين تأثيراً في جيله. لقد كان الفقيد نموذجاً للإعلامي الملتزم بقضايا أمته، والمتمسك بالمعايير المهنية في نقل الخبر وتحليل أبعاده السياسية المعقدة.
تفاعل ناشطون وإعلاميون بشكل واسع مع خبر الوفاة، مستذكرين اللحظات الأولى لانطلاق البث الإخباري العربي العابر للحدود الذي كان ريان بطل واجهته. وأشار مغردون إلى أن صوته سيبقى محفوراً في ذاكرة الأجيال التي تابعت التحولات الكبرى في المنطقة عبر شاشات التلفزة.
تميزت مسيرة جمال ريان بالثبات على المبادئ، حيث ظل طوال عقود يدافع عن الحقوق الفلسطينية من على منبره الإعلامي. ولم يكتفِ بنقل الأخبار، بل كان يسعى دائماً لتسليط الضوء على المعاناة الإنسانية للشعب الفلسطيني تحت الاحتلال، مستخدماً لغة عربية فصيحة وأداءً واثقاً.
أوضحت تقارير من الدوحة أن الراحل ترك إرثاً غنياً من العمل الصحفي الميداني والاستقصائي، حيث شارك في تغطية حروب وأزمات كبرى. وكان يُنظر إليه كمرجع للمذيعين الشباب، حيث تتلمذ على يديه الكثير من الكوادر التي تقود المشهد الإعلامي الحالي في عدة قنوات.
نعت مؤسسات صحفية قطرية وأردنية الفقيد، مؤكدة أن الساحة الإعلامية فقدت فارساً من فرسان الكلمة الصادقة. وأشارت هذه المؤسسات إلى أن مسيرة ريان الحافلة بالعطاء ستبقى مصدر إلهام لكل من يسعى للتميز في مجال الصحافة التلفزيونية والعمل السياسي.
من المقرر أن تتم مراسم التشييع والدفن وسط حضور من زملائه وعائلته، في وقت توالت فيه برقيات التعزية من مختلف أنحاء العالم العربي. سيبقى جمال ريان حاضراً في تاريخ الإعلام كأول من قال 'هنا الدوحة' في تجربة غيرت وجه الإعلام العربي المعاصر.
فلسطين
الإثنين 16 مارس 2026 6:18 صباحًا - بتوقيت القدس
سلطات الاحتلال تقرر إعادة فتح معبر رفح جزئياً الأربعاء المقبل
كشفت سلطات الاحتلال الإسرائيلي، اليوم الأحد، عن خطة لإعادة تشغيل معبر رفح الحدودي الفاصل بين قطاع غزة وجمهورية مصر العربية بصورة جزئية. ومن المقرر أن يبدأ العمل بهذا القرار اعتباراً من يوم الأربعاء الموافق 18 مارس/آذار الجاري، وذلك بعد فترة من الإغلاق التام الذي فرضه الاحتلال تزامناً مع التصعيد العسكري الأخير ضد إيران.
وأفادت مصادر رسمية تابعة لهيئة تنسيق أعمال الحكومة في الأراضي المحتلة بأن المعبر سيُخصص لحركة محدودة للأفراد في كلا الاتجاهين. وأوضح البيان الصادر عن الهيئة أن هذه الخطوة جاءت بعد إجراء مراجعة شاملة للظروف الميدانية وتقييمات أمنية أجرتها قيادة جيش الاحتلال، التي تسيطر حالياً على مساحات واسعة من القطاع تتجاوز نصف مساحته الإجمالية.
وفيما يخص الآلية التنفيذية، أكدت المصادر أن إدارة المعبر ستتم وفق بروتوكولات تنسيق مسبقة مع السلطات المصرية وبمراقبة مباشرة من بعثة الاتحاد الأوروبي. كما سيتم فرض إجراءات فحص وتفتيش إضافية في المناطق التي تخضع للسيطرة العسكرية الإسرائيلية المباشرة، لضمان ما وصفه الاحتلال بالمعايير الأمنية المشددة خلال فترة التشغيل الجزئي.
تشغيل المعبر سيخضع لآليات تنسيق مسبقة مع الجانب المصري، وتحت إشراف بعثة الاتحاد الأوروبي، مع إجراءات تدقيق إضافية.
على الصعيد السياسي، يتزامن هذا الإعلان مع وصول وفد قيادي من حركة المقاومة الإسلامية (حماس) إلى العاصمة المصرية القاهرة. ويهدف الوفد من خلال هذه الزيارة إلى عقد سلسلة من المباحثات مع المسؤولين المصريين، استكمالاً للقاءات سابقة جرت مع منسق مجلس السلام نيكولاي ملادينوف، لبحث ملفات التهدئة والأوضاع الإنسانية المتدهورة في غزة.
وتركزت النقاشات في القاهرة على ضرورة إيجاد آليات مستدامة لتثبيت اتفاق وقف إطلاق النار وضمان عدم انهياره في ظل الخروقات الميدانية المتكررة. وشدد وفد الحركة على ضرورة التزام الاحتلال الكامل ببنود التهدئة ووقف كافة أشكال الاعتداءات، محذراً من أن استمرار الاستفزازات العسكرية سيؤدي حتماً إلى تقويض الجهود الدبلوماسية الرامية لاستقرار الأوضاع.
يُذكر أن معبر رفح يمثل الشريان الوحيد لسكان قطاع غزة نحو العالم الخارجي بعيداً عن المعابر التي يتحكم بها الاحتلال بشكل مباشر. وكان المعبر قد شهد إغلاقاً طويلاً تخلله فتح جزئي لفترة وجيزة في مطلع فبراير الماضي، قبل أن يتم إيصاده مجدداً في أعقاب الهجوم المشترك الذي شنته إسرائيل والولايات المتحدة ضد الأراضي الإيرانية في الثامن والعشرين من الشهر ذاته.
أقلام وأراء
الإثنين 16 مارس 2026 4:33 صباحًا - بتوقيت القدس
أزمة الدراما التلفزيونية: بين بريق الماضي وتحديات التجديد
لطالما ارتبط شهر رمضان المبارك في الوجدان المصري والعربي بخصوصية فريدة، حيث تتلاقى الروحانيات مع الإبداع الفني الذي يقدم وجبات درامية دسمة. وقد شكلت هذه الفترة تاريخياً موسماً للتميز المصري الذي فرض ريادته على الشاشات العربية بلا منازع، مقدماً تنوعاً ثرياً بين الكوميديا والتاريخ والاجتماع.
إلا أن المشهد الراهن يشير إلى تحول مقلق، حيث بدأ هذا الكيف المتميز يتآكل تدريجياً ليحل محله ضعف فني وصل في بعض جوانبه إلى حد الهزال. ورغم الوفرة الإنتاجية، إلا أن القيمة الإبداعية باتت تفتقر إلى العمق الذي ميز الأعمال الكلاسيكية التي حفرت أسماءها في ذاكرة الأجيال.
وعند العودة بالذاكرة إلى العصر الذهبي، لا يمكن إغفال أعمال شكلت وجدان المشاهد العربي مثل مسلسل 'الدوامة' للمخرج نور الدمرداش. هذا العمل الذي تصدر بطولته الفنان محمود ياسين، كان نموذجاً للدراما التي تجمع بين الحبكة القوية والأداء التمثيلي الرفيع الذي يلامس قضايا المجتمع.
كما برزت الدراما التاريخية والدينية كأحد أعمدة الريادة المصرية، بفضل مخرجين كبار مثل أحمد طنطاوي في 'محمد رسول الله'. هذه الأعمال لم تكن مجرد سرد تاريخي، بل كانت رسائل فكرية وفنية عميقة ساهمت في تشكيل الهوية الثقافية العربية لسنوات طويلة.
وفي سياق متصل، يبرز مسلسل 'بوابة الحلواني' للمخرج إبراهيم الصحن كعلامة فارقة في تاريخ الدراما الاجتماعية والتاريخية. مثل هذه الأعمال كانت تعتمد على نصوص محكمة ورؤية إخراجية تضع القيمة الفنية فوق أي اعتبار تقني أو تجاري عابر.
لكن الواقع الحالي يفرض تساؤلات مؤلمة حول أسباب تراجع هذا العملاق الدرامي ووصوله إلى حالة تستدعي الحنين إلى الماضي. فقد طغت التقنيات الشكلية المبهرة على جوهر القصة والموضوع، مما أفقد العمل الدرامي روحه وقدرته على التأثير الحقيقي في الجمهور.
تراجع الموضوع الدرامي لصالح التقنيات الشكلية بلا مبرر، وكثر التقليد والسطو الذي يصل إلى حد المساءلة القانونية عبر اقتباسات لا تناسب مجتمعنا.
ومن أبرز مظاهر هذا التراجع هو تفشي ظاهرة الاقتباس والسطو على الأصول الأجنبية دون مراعاة لخصوصية المجتمع المصري. هذا التقليد الأعمى أدى إلى إنتاج أعمال غريبة عن بيئتنا، مما خلق فجوة بين ما يعرض على الشاشة وبين واقع المشاهد وتطلعاته.
إن التغيرات السياسية والاجتماعية المتلاحقة ألقت بظلالها على البنية الإنتاجية للدراما، مما أدى إلى تغييرات جذرية في معايير الاختيار. وقد نتج عن ذلك تهميش متعمد أو غير مقصود لعدد كبير من القامات الفنية من مؤلفين ومخرجين وممثلين كانوا يمثلون صمام أمان للجودة.
هذا الزلزال الإنتاجي أحدث هزة عنيفة في قيم المهنة نفسها، حيث فُتح الباب أمام الدخلاء وغير المتخصصين لتصدر المشهد الفني. وبات الفن في بعض حالاته مهنة لمن لا مهنة له، مما أدى إلى انحدار المستوى العام وغياب الرؤية الإبداعية المتكاملة.
ورغم هذه الصورة القاتمة، لا يمكن إنكار وجود محاولات جادة ومبشرة من بعض المخرجين الواعدين الذين يحاولون تقديم رؤى مختلفة. إلا أن هذه التجارب تظل فردية ومحدودة التأثير في ظل غياب استراتيجية شاملة لإعادة إحياء الصناعة الدرامية على أسس سليمة.
إن الحاجة باتت ملحة اليوم لإعادة النظر في المنظومة الدرامية برمتها، بدءاً من اختيار النصوص وصولاً إلى آليات الإنتاج والتوزيع. ويجب على القائمين على الشأن الثقافي والفني العمل بجدية لنفض الغبار عن هذه الجوهرة الفنية التي تمثل قوة مصر الناعمة.
في الختام، يبقى الأمل معقوداً على استعادة البريق المستحق للدراما المصرية من خلال العودة إلى الجذور مع الاستفادة من أدوات العصر. إن الحفاظ على الريادة يتطلب شجاعة في مواجهة الأخطاء وإرادة حقيقية لتقديم فن يحترم عقل المشاهد ويليق بتاريخ مصر العريق.
أقلام وأراء
الإثنين 16 مارس 2026 4:03 صباحًا - بتوقيت القدس
بين 'شرك القصور' وطموحات 'ترامبياهو': قراءة في جدلية الموقف من إيران والمنطقة
تتداخل المفاهيم الدعوية والسياسية في قراءة الواقع الراهن، حيث يبرز التمييز بين ما يمكن تسميته 'شرك القبور' المتمثل في التعلق بالأموات، و'شرك القصور' الذي يعني الارتهان لإرادة الحكام الجائرين والسعي لنيل حظوتهم بالباطل. إن التحذير من التبعية العمياء للسلطان يعد من أسمى مراتب الجهاد، استناداً إلى الإرث النبوي الذي جعل كلمة الحق عند الحاكم الجائر صفة لسيد الشهداء.
ولا يقتصر خطر التبعية على بلاط السلاطين فحسب، بل يمتد ليشمل الخضوع لرغبات الجماهير وضغوط المتابعين، وهو ما يقع فيه بعض الدعاة سعياً وراء 'الإعجاب' الرقمي. وقد حذر الشيخ محمد الغزالي سابقاً من مسايرة رغبات العوام دون ترشيد، مؤكداً أن الوعي الحقيقي يقتضي قيادة الناس نحو الحق لا الانقياد وراء أهوائهم المتقلبة.
وفي ظل المعارك المحتدمة في المنطقة، انقسم الشارع العربي حيال الدور الإيراني إلى تيارين متصادمين؛ الأول يرى في طهران القوة الوحيدة القادرة على مجابهة المشروع الصهيوني ودعم المقاومة الفلسطينية. هذا الفريق يعتبر أن مواقف إيران الراهنة في مواجهة 'الحملة الصهيو-صليبية' تجبُّ ما قبلها من عثرات سياسية أو صراعات إقليمية سابقة.
على الطرف الآخر، يقف فريق يرى في السياسات الإيرانية تهديداً وجودياً، مستحضراً التدخلات في سوريا والعراق وأفغانستان، ومعتبراً أن دماء السوريين لا تزال تلطخ هذا المشروع. يتبنى هذا التيار رؤية مفادها أن المنطقة تمر بمرحلة صراع بين ظالمين، آملاً في خروج الشعوب العربية من هذا الأتون بأقل الخسائر الممكنة.
بين هذين القطبين، يبرز طريق ثالث يرفض القسمة الثنائية الضيقة واتهامات التخوين المتبادلة بين 'المتأيرنين' و'المتأمركين'. هذا المنهج الوسطي يرى ضرورة الفصل بين دعم إيران في وجه المشاريع الاستعمارية وبين رفض سياساتها التوسعية التي تستهدف استقرار دول الجوار العربي والمنشآت المدنية فيها.
إن المنطقة تواجه اليوم مشروعاً أطلق عليه 'ترامبياهو'، وهو تحالف يجمع بين طموحات دونالد ترامب وأجندة بنيامين نتنياهو، يهدف إلى إعادة رسم الخرائط وتكريس سيادة إسرائيل. هذا المشروع يسعى لتجاوز حدود 'سايكس-بيكو' التاريخية نحو نموذج جديد يضع المنطقة بأكملها تحت راية 'إسرائيل الكبرى' وهيمنتها المطلقة.
وفي هذا السياق، لا يمكن القبول بالحياد عندما يتعلق الأمر بتهديد الأمن القومي للدول التي تتبنى مواقف عادلة وتستضيف قادة المقاومة الفلسطينية. إن استهداف المدنيين وترويع الآمنين في دول الجوار تحت أي ذريعة هو فعل مدان، والحياد في هذه الحالة قد يرقى إلى مرتبة الخيانة للقيم والمبادئ الأخلاقية.
في معركة الوعي كن صوت الضمير لا مطية الجماهير، وأخلص العمل فإن الناقد بصير.
تظهر المفارقة في أن بعض القوى الإقليمية التي تسعى لحماية المظلومين وتلعب دور الوسيط الصادق في ملفات التفاوض، تجد نفسها مستهدفة من قبل الاحتلال الصهيوني. هذا الاستهداف يؤكد أن المعركة ليست مجرد صراع نفوذ، بل هي محاولة لكسر كل من يقف في وجه تصفية القضية الفلسطينية أو يدعم صمود شعبها.
إن توصيف إيران بأنها 'مظلومة' أمام الاستعلاء الأمريكي والصهيوني لا يمنع من وصفها بـ 'الظالمة' عندما تنقل صراعاتها إلى العمق الخليجي وتستهدف جيرانها. هذا التمييز الأخلاقي والسياسي هو ما يحفظ توازن الرؤية ويمنع السقوط في فخ الانحيازات المطلقة التي تعمي عن الحقائق الميدانية.
يشبه الواقع الحالي قصة 'أبرهة الأشرم' الذي جاء لهدم الكعبة، لكن النسخة المعاصرة تتمثل في 'أبرهة الأشقر' الذي يسعى لهدم التاريخ وتغيير الجغرافيا لصالح ربيبته الصهيونية. إن التحالف الأمريكي الإسرائيلي يمثل كتيبة متقدمة في جيش إمبراطورية بدأت شمسها بالمغيب، مما ينبئ بأفول قريب لمشاريعها في المنطقة.
ستنتهي هذه الحروب لا محالة، لكن النصر الحقيقي يتجلى في مدى الاستفادة من الدروس القاسية وفهم طبيعة التحالفات الغادرة. إن من يراهن على الحماية الأمريكية لكف الأذى الإيراني كمن يستجير من الرمضاء بالنار، فالقوى الكبرى لا تتحرك إلا وفق مصالحها الضيقة وتطلعاتها الاستعمارية.
القرآن الكريم علمنا أن الألوان والخيارات تتعدد ولا تنحصر في الأبيض والأسود فقط، وهو درس بليغ لمن يحصرون المواقف السياسية في خندقين لا ثالث لهما. إن ضيق الأفق لدى أصحاب الاتجاهات الحادة يجعلهم ينكرون كل تاريخ من التوافق بمجرد حدوث اختلاف واحد في وجهات النظر.
إن معركة الوعي تتطلب شجاعة في التعبير عما يعتقده المرء بعيداً عن ضجيج الجماهير أو إملاءات القوى السياسية. الالتزام ببوصلة الضمير هو المنجي الوحيد في زمن الفتن، حيث تختلط الأوراق وتضيع الحقائق وسط سيل من الدعاية الموجهة من كافة الأطراف المتصارعة.
ختاماً، يبقى الرهان على وعي الشعوب وقدرتها على التمييز بين من يدعم قضاياها بصدق وبين من يتخذها ورقة للمساومة السياسية. إن زوال المشاريع اللقيطة في المنطقة هو حتمية تاريخية، شريطة أن تدرك الأمة مكامن قوتها وتتحرر من تبعية 'القصور' ومن أوهام الحماية الخارجية الزائفة.
عربي ودولي
الإثنين 16 مارس 2026 4:03 صباحًا - بتوقيت القدس
ترمب يهدد الناتو ويشترط على الصين حماية مضيق هرمز لضمان عقد القمة المرتقبة
صعّد الرئيس الأمريكي دونالد ترمب من لهجته تجاه حلفاء الولايات المتحدة في حلف شمال الأطلسي (الناتو) وجمهورية الصين الشعبية، مطالباً إياهم بالتحرك الفوري للمساهمة في تأمين إمدادات النفط العالمية التي تمر عبر مضيق هرمز. وتأتي هذه التحركات في ظل حالة من الشلل شبه التام التي أصابت حركة الملاحة في الممر المائي الاستراتيجي منذ اندلاع المواجهات العسكرية الأخيرة في المنطقة.
وفي تصريحات أدلى بها لصحيفة 'فايننشل تايمز'، حذر ترمب من أن حلف الناتو قد يواجه مستقبلاً مظلماً إذا لم يبادر أعضاؤه بتقديم الدعم اللازم لفتح المضيق وتأمين عبور الناقلات. وأشار الرئيس الأمريكي إلى أن استمرار حالة الجمود في الاستجابة للمطالب الأمريكية سيؤدي حتماً إلى مراجعة شاملة لطبيعة العلاقة مع الحلف وتأثير ذلك على استقراره المستقبلي.
وشدد ترمب على أن الدول المستفيدة من نفط الخليج، وفي مقدمتها دول أوروبا والصين، يجب أن تتحمل مسؤولياتها المباشرة في حماية هذه المصالح الحيوية. وأوضح أن الولايات المتحدة لم تعد تعتمد بشكل كبير على نفط المنطقة كما في السابق، مما يجعل العبء الأكبر يقع على عاتق القوى الدولية التي تعتمد اقتصادياتها بشكل كلي على استمرارية التدفقات عبر هرمز.
وفيما يخص العلاقات مع بكين، ربط ترمب بشكل مباشر بين عقد القمة المقررة مع نظيره الصيني شي جينبينغ وبين مدى تعاون الصين في ملف المضيق. وألمح إلى إمكانية تأجيل القمة التي كان من المفترض انطلاقها في الحادي والثلاثين من مارس الجاري، مؤكداً رغبته في رؤية خطوات ملموسة من الجانب الصيني قبل الجلوس على طاولة المفاوضات.
ولفت الرئيس الأمريكي إلى أن الصين تستورد نحو 90% من احتياجاتها النفطية عبر هذا الممر المائي، وهو ما يجعل صمتها أو عدم مشاركتها أمراً غير مقبول لدى الإدارة الأمريكية. وأضاف أن واشنطن تنتظر رداً واضحاً قبل موعد القمة، مشيراً إلى أن التبعات الاقتصادية والسياسية ستكون كبيرة في حال استمرار عرقلة الإمدادات.
وعلى صعيد التحركات الميدانية، كشف ترمب أن البحرية الأمريكية تستعد لبدء عمليات مرافقة ناقلات النفط عبر مضيق هرمز في وقت قريب جداً. ودعا دولاً عدة، من بينها فرنسا واليابان والمملكة المتحدة وكوريا الجنوبية، لإرسال قطع بحرية حربية للمشاركة في هذه المهمة الدولية الرامية لضمان استقرار أسواق الطاقة العالمية.
من الطبيعي تمامًا أن يساهم المستفيدون من هذا المضيق في ضمان عدم وقوع أي حادث مؤسف فيه، وإلا فإن التبعات ستكون وخيمة على مستقبل الناتو.
وفي سياق متصل بفرص الحل الدبلوماسي، أعرب ترمب عن شكوكه العميقة في رغبة طهران بالانخراط في مفاوضات جادة لإنهاء الصراع الحالي. ورغم تأكيده وجود قنوات اتصال قائمة بين واشنطن وطهران، إلا أنه اعتبر أن القيادة الإيرانية لا تبدو مستعدة حتى الآن لتقديم التنازلات الضرورية للتوصل إلى اتفاق شامل.
من جانبه، رد وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي بلهجة حازمة، مؤكداً أن طهران لا تجد سبباً يدعوها للتحدث مع الأمريكيين في الوقت الراهن. وأوضح عراقجي في مقابلة تلفزيونية أن بلاده في وضع مستقر وقوي، وأنها تمارس حقها المشروع في الدفاع عن شعبها ومصالحها في وجه ما وصفه بالاعتداءات الأمريكية.
وأشار عراقجي إلى أن إيران كانت منفتحة على الحوار قبل بدء الهجمات عليها، لكن الواقع الميداني الحالي يفرض أولويات مختلفة تتعلق بالدفاع والردع. وشدد على أن بلاده لن تخضع للضغوط التي تمارسها واشنطن عبر حشد القوى الدولية في المنطقة، معتبراً أن هذه التحركات تزيد من تعقيد المشهد الإقليمي.
وفي إطار التحركات الدبلوماسية الإيرانية، دعا عراقجي خلال اتصال مع نظيره الفرنسي دول العالم إلى ضبط النفس والامتناع عن أي خطوات قد تؤدي إلى توسيع رقعة النزاع. وحذرت الخارجية الإيرانية من أن إرسال سفن حربية إضافية إلى المنطقة قد يُفهم كخطوة تصعيدية تزيد من مخاطر المواجهة المباشرة.
حتى اللحظة، لم تعلن أي من الدول التي دعاها ترمب عن استجابة رسمية لإرسال قوات بحرية، باستثناء كوريا الجنوبية التي أكدت أنها تدرس الطلب بعناية. ويبقى الترقب سيد الموقف بانتظار ما ستسفر عنه الأيام القادمة من تحركات عسكرية أو دبلوماسية قد تغير مسار الأزمة في واحد من أهم الممرات المائية في العالم.
عربي ودولي
الإثنين 16 مارس 2026 3:33 صباحًا - بتوقيت القدس
تصعيد دامٍ في لبنان: 29 شهيداً في غارات مكثفة وحزب الله يضرب قواعد استراتيجية
شهدت الساحة اللبنانية تصعيداً عسكرياً دامياً مساء الأحد، حيث أعلنت وزارة الصحة اللبنانية عن استشهاد خمسة مواطنين وإصابة سبعة آخرين في غارات جوية إسرائيلية استهدفت بلدتي مجدل سلم وعيتيت في الجنوب. وتأتي هذه الهجمات في سياق حملة جوية واسعة يشنها الاحتلال، تزامناً مع محاولات التوغل البري التي بدأت مطلع شهر مارس الجاري.
وفي تفاصيل المجازر الميدانية، أوضحت المصادر الطبية أن الغارة على بلدة مجدل سلم التابعة لقضاء مرجعيون أسفرت عن ارتقاء شهيدين وإصابة أربعة آخرين. بينما أدت الضربة التي استهدفت بلدة عيتيت في قضاء صور إلى استشهاد ثلاثة مواطنين وإصابة ثلاثة بجروح متفاوتة، مما يرفع منسوب التوتر الإنساني في المناطق الحدودية.
وبحسب البيانات الرسمية الصادرة عن مركز عمليات الطوارئ، فقد ارتفعت حصيلة ضحايا الغارات الإسرائيلية المكثفة يوم الأحد وحده إلى 29 شهيداً و103 جرحى. وتوزعت هذه الإصابات والوفيات على مناطق متفرقة من البلاد، في ظل استمرار القصف الذي لم يستثنِ الأحياء السكنية والبنى التحتية المدنية.
وفي العاصمة بيروت، أفادت مصادر ميدانية بأن الطيران الحربي الإسرائيلي شن غارة عنيفة استهدفت الضاحية الجنوبية، مما أحدث دماراً واسعاً في المنطقة المستهدفة. وسبق هذا القصف تهديدات أطلقها جيش الاحتلال عبر منصات التواصل الاجتماعي، زاعماً نيته استهداف منشآت تابعة لحزب الله في تلك المنطقة المكتظة بالسكان.
من جانبه، أعلن حزب الله اللبناني عن تنفيذ 25 عملية عسكرية نوعية خلال الساعات الماضية، استخدم فيها الصواريخ النوعية والطائرات المسيرة الانقضاضية. وأكد الحزب في بياناته أن هذه العمليات استهدفت مواقع استراتيجية وتجمعات لجنود الاحتلال في شمال فلسطين المحتلة وفي عمق الأراضي اللبنانية التي تشهد محاولات توغل.
ومن أبرز العمليات التي نفذها الحزب، استهداف قاعدة 'بلماخيم' الجوية التي تقع جنوب مدينة تل أبيب وتبعد عن الحدود اللبنانية نحو 140 كيلومتراً. كما طالت الرشقات الصاروخية قاعدة 'ميرون' للمراقبة وإدارة العمليات الجوية، بالإضافة إلى استهداف مجمع الصناعات العسكرية التابع لشركة 'رفائيل' شمال منطقة الكريوت.
وعلى صعيد المواجهات البرية، أكد الحزب تدمير دبابة ميركافا بصاروخ موجه في منطقة شمال معتقل الخيام، مؤكداً تحقيق إصابة مباشرة أدت إلى تدميرها. كما رصد مقاتلو الحزب احتراق دبابة ميركافا أخرى في مشروع الطيبة، بالإضافة إلى استهداف جرافة عسكرية من طراز D9 كانت تقوم بأعمال تخريبية في ذات المنطقة.
العمليات العسكرية تأتي رداً على العدوان الإسرائيلي الذي طال عشرات المدن والبلدات اللبنانية، بما فيها الضاحية الجنوبية لبيروت.
وفي إطار استهداف منظومات الدفاع الجوي، أعلن الحزب عن قصف مرابض ومنظومات دفاعية في منطقة معالوت ترشيحا بصلية صاروخية مكثفة. وشملت الهجمات أيضاً قواعد عسكرية في الجولان السوري المحتل، منها قاعدة 'كتسافيا' وقاعدة 'تسنوبار' اللوجستية، بالإضافة إلى ثكنة 'كيلع' العسكرية.
تجمعات جنود الاحتلال كانت أيضاً هدفاً مباشراً لنيران الحزب، حيث تم استهداف تحركات عسكرية في ثكنة 'أفيفيم' وخلة المحافر في خراج بلدة العديسة الحدودية. واستخدم المقاتلون القذائف المدفعية والصواريخ الموجهة لضرب نقاط تجمع الآليات عند تلة الخزان ونقطة جيبيا المقابلة لبلدة ميس الجبل.
سلاح الجو التابع للحزب شارك بفعالية عبر أسراب من المسيّرات الانقضاضية، التي استهدفت تجمعات للآليات الإسرائيلية في خلة العقصى ببلدة العديسة. وأوضحت المصادر أن هذه المسيرات نجحت في الوصول إلى أهدافها بدقة، مما أعاق تحركات القوات البرية التي تحاول التثبيت في بعض النقاط الحدودية.
وتأتي هذه التطورات الميدانية المتسارعة بعد أن وسعت إسرائيل دائرة عدوانها لتشمل مناطق في شرق لبنان وضاحية بيروت الجنوبية. ويربط مراقبون هذا التصعيد بفشل الاحتلال في تحقيق خروقات برية جوهرية منذ بدء توغله المحدود في الثالث من مارس، وسط مقاومة شرسة من المقاتلين على الأرض.
وفي الجانب الإسرائيلي، أقرت المتحدثة باسم الجيش بتنفيذ هجمات واسعة على ما وصفته بـ 'بنى تحتية' في بيروت، في محاولة لتبرير القصف العنيف على المناطق المدنية. وتستمر صافرات الإنذار في الدوي داخل المستوطنات الشمالية، وصولاً إلى نهاريا وكريات شمونة، نتيجة الرشقات الصاروخية المتواصلة من لبنان.
يُذكر أن هذا التصعيد يأتي رداً على سلسلة من الاعتداءات الإسرائيلية التي لم تتوقف منذ إبرام اتفاق وقف إطلاق النار في نوفمبر 2024. وتؤكد المعطيات الميدانية أن المواجهة دخلت مرحلة جديدة من كسر العظم، حيث يسعى كل طرف لفرض معادلاته الميدانية قبل أي تحركات دبلوماسية محتملة.
فلسطين
الإثنين 16 مارس 2026 3:33 صباحًا - بتوقيت القدس
من غزة إلى أروقة واشنطن ومنصات الأوسكار.. قضية هند رجب تتحول إلى حراك عالمي للمساءلة
تداخلت خيوط السياسة والسينما والقانون الدولي في قضية واحدة هزت الضمير العالمي، مع عودة اسم الطفلة الفلسطينية هند رجب إلى واجهة النقاش في واشنطن. لم يكن هذا التقاطع وليد الصدفة، بل جاء ثمرة جهود متراكمة لتوثيق جريمة قتل وقعت في حي تل الهوا بمدينة غزة أوائل عام 2024، حين كانت الطفلة ذات الخمس سنوات عالقة داخل سيارة عائلتها تحت وابل من النيران المباشرة.
في خطوة تشريعية لافتة، تقدم عدد من أعضاء الكونغرس الديمقراطيين بمشروع قانون يحمل اسم 'قانون العدالة لهند رجب'، في محاولة لكسر الصمت الرسمي حول ملابسات الجريمة. وينص المشروع على مطالبة وزارة الخارجية الأمريكية بإعداد تقرير مفصل يرفع إلى الكونغرس حول الظروف التي أدت إلى استشهاد هند، وتقييم ما إذا كانت أسلحة أمريكية قد استخدمت في ذلك الهجوم.
ويسعى مشروع القانون المنشور على موقع مكتب السيناتور بيتر ويلش إلى تحديد ما إذا كانت الواقعة تمثل انتهاكاً صارخاً للقانون الدولي الإنساني أو لقوانين الحرب الأمريكية. وتعود جذور القضية إلى نهاية يناير 2024، عندما تعرضت سيارة تقل عائلة الطفلة لإطلاق نار مكثف أثناء محاولتهم الفرار من مناطق القتال، مما أسفر عن استشهاد أفراد عائلتها وبقائها وحيدة لفترة زمنية قاسية.
خلال تلك الساعات العصيبة، تمكنت هند من الاتصال بمسعفي الهلال الأحمر الفلسطيني في نداء استغاثة حبس أنفاس العالم قبل أن ينقطع الاتصال تماماً. وقد انتشرت تسجيلات تلك المكالمة على نطاق واسع في وسائل الإعلام الدولية، لتتحول منذ ذلك الحين إلى رمز صارخ لمعاناة المدنيين في قطاع غزة وتأثير الحرب على الطفولة.
صوت الطفلة الذي انقطع في مكالمة تحت أنقاض سيارة محترقة، يتردد صداه اليوم في قاعات التشريع ومنصات التتويج العالمية.
بالتوازي مع الحراك التشريعي في واشنطن، برز الفيلم الوثائقي الدرامي 'صوت هند رجب' للمخرجة كوثر بن هنية كقوة ناعمة مؤثرة في المحافل الدولية. الفيلم الذي نجح في الوصول إلى القائمة القصيرة لفئة 'أفضل فيلم وثائقي' ونال ترشيحاً رسمياً لجائزة 'أفضل فيلم دولي' في أوسكار 2026، أعاد تصوير مأساة تلك الليلة بأسلوب سينمائي يدمج الواقع بالدراما.
يقدم العمل السينمائي وثيقة بصرية تدخل المشاهد مباشرة إلى قلب غرفة عمليات الهلال الأحمر، مستخدماً التسجيلات الصوتية الحقيقية للطفلة المستغيثة. ومنذ عرضه الأول في مهرجان فينيسيا السينمائي الدولي وحصده للجائزة الكبرى للجنة التحكيم، نجح الفيلم في تحويل الجريمة من مجرد خبر عابر إلى قضية إنسانية تطارد صناع القرار في الغرب.
وقد حظي الفيلم بدعم واسع من أسماء عالمية انضمت كمنتجين تنفيذيين، مؤكدين على ضرورة ألا تدفن هذه المأساة تحت الركام دون محاسبة. هذا التلاقي بين المسار الفني في هوليوود والمسار التشريعي في البرلمانات يخلق حالة نادرة من الضغط الأخلاقي والسياسي، حيث توثق الجريمة بلسان الضحية وتعرض أمام أعين النقاد والسياسيين على حد سواء.
وفي نهاية المطاف، تبدو الحقيقة الأهم أن قصة هند رجب قد تجاوزت كافة محاولات الطمس والتغييب التي تعرضت لها في البداية. فصوت الطفلة الذي خنقته النيران داخل سيارة محترقة، بات اليوم يتردد صداه بقوة في قاعات التشريع ومنصات التتويج العالمية، مشكلاً حاجزاً أمام النسيان ومحاولات الإفلات من العقاب.
تحليل
الإثنين 16 مارس 2026 3:14 صباحًا - بتوقيت القدس
حرب أميركية بلا بوصلة تقود المنطقة نحو الكارثة
واشنطن – سعيد عريقات-16/3/2026
تحليل إخباري
مع دخول الحرب بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة وإيران من جهة أخرى أسبوعها الثالث، تتزايد المؤشرات على أن الصراع يتجه نحو مرحلة أكثر اتساعا وتعقيدا. فما بدأ بسلسلة ضربات عسكرية محدودة تحول بسرعة إلى مواجهة متعددة الجبهات تمتد من الخليج إلى لبنان وتلقي بظلال ثقيلة على أسواق الطاقة والاقتصاد العالمي. وفي المقابل تبدو الإستراتيجية الأميركية غامضة المعالم وسط تصريحات متباينة وتصعيد تدريجي يثير أسئلة جوهرية حول أهداف الحرب وحدودها وإمكانية احتوائها.
أحد أبرز التطورات الميدانية تمثل في الضربات الأميركية التي استهدفت جزيرة خرج الإيرانية وهي المركز الرئيسي لتصدير النفط الإيراني. ويعد استهداف هذه الجزيرة تصعيدا نوعيا لأنها تمثل شريانا اقتصاديا حيويا تمر عبره نسبة كبيرة من صادرات النفط الإيرانية. الرسالة الضمنية في هذه الضربات كانت واضحة ومباشرة وهي أن الضغط على طهران لن يقتصر على المجال العسكري بل سيمتد أيضا إلى المجال الاقتصادي ومحاولة تقليص موارد الدولة المالية.
وفي السياق نفسه صعد الرئيس الأميركي دونالد ترمب لهجته محذرا من أن بلاده قد تقدم على تدمير البنية التحتية في الجزيرة إذا استمرت إيران في تهديد الملاحة أو حاولت إغلاق مضيق هرمز الذي يمر عبره جزء كبير من تجارة النفط العالمية. كما ألمح إلى احتمال إرسال قوات إضافية إلى المنطقة وهو ما فسره بعض المراقبين على أنه تمهيد لاحتمال تصعيد عسكري أكبر خلال المرحلة المقبلة.
غير أن التوتر لم يبق محصورا في الخليج. فقد دخلت جبهة لبنان بصورة أوضح في مسار الحرب بعد أن كثف حزب الله هجماته الصاروخية والطائرات المسيرة باتجاه أهداف إسرائيلية. وردت إسرائيل بسلسلة غارات جوية مكثفة داخل الأراضي اللبنانية استهدفت مواقع عسكرية ومخازن أسلحة وبنى لوجستية مرتبطة بالحزب.
ومع تصاعد هذا التبادل في الضربات لوحت القيادة الإسرائيلية بإمكانية تنفيذ عملية اجتياح بري لجنوب لبنان إذا استمرت الهجمات الصاروخية بالوتيرة نفسها. ورغم أن هذا السيناريو لم يتحقق حتى الآن فإن مجرد طرحه يعكس مدى اتساع نطاق المواجهة واحتمال تحولها إلى حرب إقليمية مفتوحة.
في الوقت نفسه بدأت المعركة تأخذ بعدا جغرافيا أوسع. فقد تعرضت قواعد ومصالح للولايات المتحدة في عدد من دول الشرق الأوسط لهجمات صاروخية أو بطائرات مسيرة نفذتها جماعات حليفة لإيران. ويعزز هذا التطور المخاوف من تحول الصراع إلى شبكة من المواجهات المتزامنة في أكثر من ساحة.
وفي خضم هذا التصعيد أدلى وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي بتصريحات مثيرة للجدل قال فيها إن بعض الضربات التي استهدفت منشآت في دول الخليج ربما نفذت من قبل الولايات المتحدة أو إسرائيل بهدف توسيع نطاق الحرب وإلقاء المسؤولية على إيران. ورغم عدم وجود تأكيدات مستقلة لهذه الاتهامات فإنها تعكس عمق انعدام الثقة بين أطراف الصراع.
اقتصاديا بدأت تداعيات الحرب تظهر بوضوح. فقد أدت التوترات في الخليج والتهديدات المتكررة بإغلاق مضيق هرمز إلى ارتفاع أسعار النفط في الأسواق العالمية وهو ما انعكس مباشرة على أسعار الوقود داخل الولايات المتحدة. ومع ارتفاع أسعار البنزين في عدد من الولايات بدأت بوادر تذمر شعبي بالظهور.
ومع استمرار القتال بدأت الأهداف الكبرى التي رفعت في بداية الحرب تبدو بعيدة المنال وفي مقدمتها إضعاف النظام الإيراني أو تغييره. فرغم الضربات التي تعرضت لها البلاد ما زالت إيران تحتفظ ببنيتها السياسية والعسكرية الأساسية ولم تظهر مؤسسات الدولة مؤشرات واضحة على انهيار داخلي.
هذا الواقع دفع عددا متزايدا من المحللين إلى التشكيك في جدوى الحرب. فالتجارب السابقة في المنطقة أظهرت أن تغيير الأنظمة عبر الضغوط العسكرية الخارجية نادرا ما يحقق النتائج المعلنة بل قد يؤدي أحيانا إلى نتائج معاكسة تعزز تماسك النظام المستهدف.
وفي موازاة ذلك لم تنجح الجهود الرامية إلى دفع دول الخليج إلى الانخراط المباشر في الحرب. ففي الأيام الأولى للتصعيد سادت توقعات بأن تسمح بعض هذه الدول باستخدام أراضيها على نطاق أوسع في العمليات العسكرية. غير أن التطورات اللاحقة تشير إلى أن معظم الحكومات الخليجية تفضل البقاء خارج المواجهة المباشرة والتركيز على حماية استقرارها الداخلي ومصالحها الاقتصادية.
كل هذه التطورات تجري في ظل ما يصفه كثير من المراقبين بغياب إستراتيجية أميركية واضحة لإدارة الحرب. فالتصريحات الصادرة عن الرئيس دونالد ترمب ومسؤولي إدارته تتغير من وقت إلى آخر بين التهديد بتوسيع العمليات العسكرية والتلميح بإمكانية احتواء الصراع. هذا التباين في الرسائل السياسية يعكس على الأرجح غياب رؤية متماسكة لما ينبغي أن تكون عليه نهاية هذه الحرب.
فحتى الآن لا يبدو واضحا ما إذا كانت واشنطن تسعى إلى مجرد ردع إيران أم إلى إضعاف قدراتها العسكرية أم إلى دفعها نحو مفاوضات جديدة بشروط مختلفة. وفي ظل هذا الغموض تتزايد المخاوف من أن تتحول المواجهة إلى صراع استنزاف طويل يفرض كلفة متزايدة على جميع الأطراف.
وفي حال استمر التصعيد من دون مسار سياسي واضح فإن احتمال اتساع الحرب سيبقى قائما. فكلما طال أمد القتال ازدادت فرص انتقاله إلى ساحات جديدة في المنطقة وازدادت معه المخاطر الاقتصادية والأمنية. كما أن استمرار التوتر في محيط مضيق هرمز قد يدفع أسعار الطاقة إلى مستويات أعلى ويزيد الضغوط على الاقتصاد العالمي. وفي المحصلة يقف الشرق الأوسط أمام مرحلة جديدة من عدم الاستقرار حيث تتداخل الحسابات العسكرية مع التوازنات السياسية والمصالح الاقتصادية. ومع غياب أفق دبلوماسي واضح تبقى المنطقة معرضة لدورات متتالية من التصعيد قد تمتد آثارها لسنوات طويلة.
ويرى بعض المراقبين أن أخطر ما في هذه المرحلة ليس حجم الضربات العسكرية بقدر ما هو غياب تصور واضح لنهاية الصراع. فالحروب التي تبدأ من دون أهداف سياسية محددة غالبا ما تتحول إلى مواجهات مفتوحة يصعب إنهاؤها بسرعة. وإذا لم يظهر مسار تفاوضي جدي فقد تجد المنطقة نفسها أمام نزاع طويل يستنزف موارد الدول ويزيد من حالة عدم اليقين. ويجعل احتمالات التهدئة في المدى القريب محدودة وغير مضمونة في الظروف الإقليمية الراهنة المعقدة.
عربي ودولي
الإثنين 16 مارس 2026 2:18 صباحًا - بتوقيت القدس
تحدياً لترمب.. إسبانيا تغلق قواعدها أمام الطائرات الأميركية وترفض الحرب على إيران
في ظل تسارع وتيرة التصعيد العسكري في منطقة الشرق الأوسط، برز موقف إسباني لافت يكسر حالة الإجماع الغربي التقليدية تجاه النزاعات المسلحة. فقد أعلن رئيس الوزراء الإسباني بيدرو سانشيز صراحة أن بلاده لن تنخرط في أي مغامرة عسكرية تستهدف إيران، مشدداً على ضرورة الالتزام بالقانون الدولي والشرعية الأممية.
يأتي هذا الموقف في أعقاب الهجمات الواسعة التي شنتها الولايات المتحدة وإسرائيل ضد أهداف إيرانية، وما تبعها من ردود انتقامية طالت منشآت في عدة دول. وقد وضعت هذه التطورات مدريد في مواجهة مباشرة مع إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترمب، التي كانت تتوقع دعماً لوجستياً وسياسياً كاملاً من حلفائها في الناتو.
وأكد سانشيز خلال خطاب جماهيري في مدينة بلد الوليد أن الذاكرة الإسبانية لا تزال تستحضر دروس غزو العراق عام 2003، وما خلفه من كوارث نتيجة القفز فوق قرارات مجلس الأمن. وأوضح أن رفض الأنظمة الاستبدادية لا يمكن أن يكون مبرراً لخرق القوانين الدولية أو إشعال فتيل حروب إقليمية مدمرة.
ولم تكتفِ الحكومة الإسبانية بالتصريحات السياسية، بل انتقلت إلى خطوات إجرائية حازمة عبر منع القوات الأميركية من استخدام القواعد العسكرية على أراضيها. وشمل القرار قاعدتي 'روتا' و'مورون' الاستراتيجيتين، حيث رُفض تقديم أي تسهيلات لوجستية للعمليات الموجهة ضد طهران.
وأفادت مصادر مطلعة بأن هذا القرار السيادي أجبر 15 طائرة عسكرية أميركية على تغيير مسارها ومغادرة الأجواء الإسبانية بشكل فوري. واضطرت تلك الطائرات للتوجه نحو قاعدة 'رامشتاين' في ألمانيا وقواعد أخرى في أوروبا، مما أربك الخطط اللوجستية الأميركية في المنطقة.
وفي واشنطن، حاولت المتحدثة باسم البيت الأبيض كارولين ليفيت التخفيف من حدة الموقف بالادعاء أن هناك تعاوناً إسبانياً في اللحظات الأخيرة. إلا أن وزير الخارجية الإسباني خوسيه مانويل ألباريس سارع لنفي هذه الادعاءات، مؤكداً أن موقف بلاده ثابت ولم يتغير 'قيد أنملة' تجاه رفض الحرب.
رد الفعل الأميركي جاء غاضباً وحاداً، حيث وصف الرئيس دونالد ترمب إسبانيا بأنها 'حليف فظيع' لا يمكن الاعتماد عليه في الأزمات الكبرى. ولوح ترمب بفرض عقوبات اقتصادية وقطع علاقات تجارية مع مدريد، في محاولة للضغط على حكومة سانشيز للتراجع عن قراراتها الأخيرة.
إسبانيا لن تدعم حرباً خارج إطار الشرعية الدولية، والقادة الحقيقيون لا يمارسون الطاعة العمياء خوفاً من الانتقام.
من جانبه، رد سانشيز بتحدٍ واضح، معتبراً أن القيادة الحقيقية تقتضي حماية مصالح الشعب والالتزام بالمبادئ، وليس ممارسة 'الطاعة العمياء'. وأشار مراقبون إلى أن تهديدات ترمب قد تصطدم بحائط الصد الأوروبي، كون إسبانيا عضواً في السوق الموحدة، وأي استهداف لها هو استهداف للاتحاد الأوروبي.
ويرتبط الموقف الإسباني من إيران بشكل وثيق بسياستها تجاه القضية الفلسطينية والعدوان المستمر على قطاع غزة. فقد اتخذت مدريد خطوات دبلوماسية غير مسبوقة بسحب سفيرتها من تل أبيب، احتجاجاً على ما وصفته بحرب الإبادة الجماعية والمشاركة الإسرائيلية في التصعيد الإقليمي.
كما أقر البرلمان الإسباني تشريعاً تاريخياً يفرض حظراً دائماً وشاملاً على تصدير كافة أنواع الأسلحة والتكنولوجيا العسكرية إلى إسرائيل. وتعكس هذه الخطوة رغبة إسبانية في ممارسة ضغوط فعلية لوقف نزيف الدماء في المنطقة، بعيداً عن لغة البيانات الدبلوماسية التقليدية.
داخلياً، يحظى توجه سانشيز بدعم شعبي واسع، حيث أظهرت استطلاعات الرأي أن نحو 68% من المواطنين الإسبان يعارضون أي تدخل عسكري خارجي. هذا الالتفاف الشعبي يمنح الحكومة الائتلافية القوة اللازمة لمواجهة الضغوط الخارجية والابتزاز السياسي الذي قد تمارسه القوى الكبرى.
وعلى صعيد التفاعلات الدولية، حذر سانشيز من خطورة 'اقتصاد الحروب' وتأثير المجمعات الصناعية العسكرية في دفع العالم نحو الهاوية. ودعا القوى الكبرى إلى التوقف عن 'اللعب بالروليت الروسي' بمصائر ملايين البشر، مؤكداً أن الخيار الوحيد لإنقاذ الأرواح هو قول 'لا' للحرب.
أثارت هذه المواقف انقساماً حاداً على منصات التواصل الاجتماعي بين مؤيد يرى في سانشيز 'قائداً أخلاقياً' نادراً، ومعارض يتهمه بالضعف. ويرى بعض المحللين أن إسبانيا تحاول رسم مسار جديد للسياسة الخارجية الأوروبية، يعتمد على الاستقلالية الاستراتيجية وتغليب لغة الحوار على لغة السلاح.
ختاماً، تظل المواجهة بين مدريد وواشنطن مفتوحة على كافة الاحتمالات، في ظل إصرار إسبانيا على موقفها المبدئي. ومع استمرار التوتر في الشرق الأوسط، يبدو أن إسبانيا قررت أن تكون صوتاً للتهدئة والشرعية الدولية، حتى لو كلفها ذلك صداماً مباشراً مع أقوى دولة في العالم.
اقتصاد
الإثنين 16 مارس 2026 2:03 صباحًا - بتوقيت القدس
تقرير دولي: مصر ثالث أكثر الاقتصادات الناشئة تضرراً من الحرب الإقليمية
صنفت مؤسسة فيتش سوليوشنز مصر في المرتبة الثالثة ضمن قائمة تضم 24 اقتصاداً ناشئاً تأثرت سلباً بالحرب الجارية في المنطقة. وأشار التقرير إلى أن مصر جاءت مباشرة بعد باكستان والهند من حيث الضرر الاقتصادي الكلي، إلا أنها تصدرت القائمة في مؤشر تأثر السياسة المالية نتيجة الارتفاع الحاد في تكاليف الطاقة.
ويعود هذا التصنيف المتقدم إلى الضغوط الهائلة التي يفرضها ارتفاع أسعار النفط والغاز على الموازنة العامة المصرية التي تعاني أصلاً من عجز مزمن. ومع وصول سعر خام برنت إلى حاجز 103 دولارات للبرميل بزيادة شهرية بلغت 50%، تجد الحكومة نفسها مضطرة لتحمل أعباء مالية إضافية لم تكن مدرجة في خططها المالية.
ولا تقتصر الأزمة على النفط وحده، فقد سجلت أسعار الغاز الطبيعي في الأسواق الأوروبية قفزة بنسبة 62% خلال الشهر الماضي، بينما ارتفع الفحم بنسبة 28%. وتعتمد مصر بشكل كبير على استيراد هذه المشتقات لتلبية احتياجاتها المحلية، مما يضع ميزان المدفوعات تحت ضغط مستمر وغير مسبوق.
وتشير بيانات التجارة الخارجية الرسمية إلى أن فاتورة استيراد الوقود في العام الماضي بلغت نحو 21.4 مليار دولار، وهو ما يمثل خمس إجمالي الواردات المصرية. وتتوزع هذه المبالغ بين المشتقات البترولية والغاز الطبيعي والنفط الخام، مما يعني أن أي زيادة سعرية عالمية تترجم فوراً إلى زيادة في العجز التجاري.
وإلى جانب الطاقة، تبرز أزمة الأمن الغذائي كعامل ضغط إضافي، حيث ارتفعت أسعار القمح عالمياً بنسبة 21% منذ مطلع العام الحالي. وتستورد مصر كميات ضخمة من الحبوب والزيوت النباتية واللحوم، حيث بلغت قيمة واردات القمح والذرة وفول الصويا وحدها أكثر من 8 مليارات دولار في العام المنصرم.
وأفادت مصادر اقتصادية بأن إغلاق مضيق هرمز حال دون استفادة مصر من شحنات غاز قطرية بأسعار تفضيلية، مما دفعها للجوء إلى السوق الفورية بأسعار مرتفعة. وتزامن ذلك مع تراجع إمدادات الغاز الواردة من الجانب الإسرائيلي نتيجة الاستهداف المتبادل لمنشآت الطاقة بين إيران وإسرائيل، مما فاقم من أزمة الوقود المحلية.
وعلى صعيد السياسة النقدية، توقع محللون أن يضطر البنك المركزي المصري لوقف نهج خفض أسعار الفائدة والعودة لرفعها لمواجهة التضخم المستورد. هذا التحول من شأنه أن يزيد من تكلفة خدمة الدين العام، ويقلل من فرص التوسع الائتماني للشركات، مما يؤدي في النهاية إلى تباطؤ النمو الاقتصادي المتعثر أصلاً.
إن تداعيات الحرب الحالية كشفت مدى هشاشة الاقتصاد المصري أمام الأزمات الدولية، وأخفقت برامج الإصلاح المتتالية في علاج المشكلات المزمنة.
وشهد الجنيه المصري تراجعاً ملحوظاً أمام الدولار الأمريكي بنسبة وصلت إلى 9.4% خلال الأسبوعين الأولين من اندلاع المواجهات العسكرية. ويأتي هذا التراجع رغم محاولات البنك المركزي للسيطرة على سعر الصرف، إلا أن فجوة العجز التجاري السلعي تظل هي المحرك الأكبر للضغط على العملة المحلية.
وتواجه الموارد الدولارية أزمة مزدوجة، حيث تأثرت إيرادات قناة السويس بشكل مباشر نتيجة تغيير شركات الملاحة الدولية لمساراتها نحو طريق رأس الرجاء الصالح. هذا الهروب من البحر الأحمر جاء بسبب زيادة مخاطر التأمين وارتفاع تكاليف الشحن، بالإضافة إلى الاضطرابات الناتجة عن التواجد العسكري المكثف في المنطقة.
قطاع السياحة لم يكن بمنأى عن هذه التداعيات، إذ سجلت الفنادق موجة من إلغاء الحجوزات، خاصة من السياح الخليجيين الذين يمثلون 20% من إجمالي القادمين. وتعتبر السياحة الخليجية مصدراً حيوياً للعملة الصعبة نظراً لارتفاع معدلات إنفاقها مقارنة بالجنسيات الأخرى، مما يعني خسارة مورد مالي سريع التأثير.
كما تزايدت المخاوف بشأن تحويلات المصريين العاملين في الخارج، خاصة في دول الخليج، مع اضطراب الأوضاع الإقليمية وتسهيل عودة أعداد منهم عبر مسارات برية. وتعد هذه التحويلات الركيزة الأساسية لتوفير السيولة الدولارية في السوق المصرية، وأي اهتزاز فيها يهدد الاستقرار النقدي بشكل مباشر.
وفيما يخص الاستثمارات، شهدت الأسواق خروجاً سريعاً لما يعرف بـ 'الأموال الساخنة' بقيمة تجاوزت 6 مليارات دولار في غضون أسبوعين فقط. كما تراجع مؤشر البورصة المصرية بنسبة 5%، رغم التدخلات الحكومية عبر المؤسسات الرسمية لدعم الأسعار ومنع الانهيار الكامل للسوق المالي.
ويرى مراقبون أن الحرب الحالية كشفت عن 'هشاشة بنيوية' في الاقتصاد المصري، وأثبتت عدم فاعلية برامج الإصلاح المتتالية مع صندوق النقد الدولي. فرغم سنوات من تطبيق هذه البرامج، لا تزال الفجوة بين الصادرات والواردات تتسع، ولا يزال الاعتماد على الاستدانة الخارجية هو الحل الوحيد لسد العجز.
وفي ظل هذه المعطيات، تلاشت الوعود الحكومية بشأن استقرار أسعار الوقود وتحسن الأحوال المعيشية للمواطنين خلال العام الحالي. ومع استمرار التصعيد العسكري، يجد المواطن المصري نفسه أمام موجات غلاء جديدة تزيد من معدلات الفقر وتضعف الثقة في القدرة على تجاوز الأزمة الاقتصادية الراهنة.
اسرائيليات
الإثنين 16 مارس 2026 1:48 صباحًا - بتوقيت القدس
كواليس 'الضربة القاضية': كيف اغتالت إسرائيل خامنئي و40 قيادياً في 40 ثانية؟
كشفت مصادر صحفية عبرية عن تفاصيل معقدة لعملية عسكرية واسعة استهدفت رأس الهرم القيادي في إيران، حيث تم تنفيذ الهجوم في وقت قياسي لم يتجاوز 40 ثانية. العملية التي صُممت لتكون 'الضربة الافتتاحية' في مواجهة كبرى، اعتمدت على معلومات استخباراتية ذهبية وصلت في اللحظات الأخيرة قبل إقلاع الطائرات، مما أدى لتعديل بنك الأهداف ليشمل المرشد الأعلى علي خامنئي بشكل مباشر.
بدأت القصة بتنسيق عالي المستوى بين الجيش الإسرائيلي والقيادة المركزية الأمريكية (سنتكوم)، حيث كان من المقرر تنفيذ الهجوم مساء السبت تزامناً مع اجتماع المجلس الأعلى للدفاع. إلا أن اختراقاً استخباراتياً كشف عن تقديم موعد الاجتماع إلى الصباح، مما استدعى استنفاراً شاملاً لتقديم موعد إقلاع الأسراب الجوية بنحو 12 ساعة للحفاظ على عنصر المفاجأة وشل قدرة النظام على الرد.
استخدمت القوات الجوية في هذه العملية صواريخ 'روكس' الباليستية المتطورة، وهي أسلحة سرية تُطلق من طائرات F-15 من مسافات بعيدة لتجنب منظومات الدفاع الجوي الإيرانية. وقد أصابت هذه الصواريخ أهدافها بدقة متناهية في مجمع 'باستور' شديد الحراسة جنوب طهران، مستهدفة قاعة الاجتماعات ومقر إقامة المرشد والمكتب العسكري التابع له في آن واحد.
المعلومات الاستخباراتية أكدت أن علي خامنئي لم يكن متواجداً في المخبأ الحصين الموجود تحت الأرض، بل كان في منزله فوق سطح الأرض لحظة وقوع الانفجارات. ويرجح المحللون أن بقاء المرشد في منزله كان ناتجاً عن رغبة في تجنب الانتقادات الداخلية التي وصفته بـ'المختبئ' خلال جولات تصعيد سابقة، وهو ما شكل فرصة تاريخية للمهاجمين.
لم تقتصر الضربة على مجمع باستور، بل شملت أيضاً مبنى وزارة الاستخبارات الذي كان يشهد اجتماعاً رفيع المستوى لكبار المسؤولين الأمنيين. هذا التزامن الجغرافي والزمني بين الاجتماعات مكن المهاجمين من توجيه ضربة قاصمة للهيكل القيادي الإيراني، مما تسبب في حالة من الفوضى العارمة داخل أروقة النظام الذي فقد بوصلته القيادية في لحظات.
قائمة الاغتيالات التي تم الكشف عنها ضمت أسماء وازنة، على رأسها علي خامنئي، وعلي شمخاني أمين مجلس الأمن القومي، ومحمد فاخبور قائد الحرس الثوري. كما شملت القائمة وزير الدفاع بالوكالة عزيز ناصر زاده، وقائد القوات المسلحة عبد الرحيم موسوي، بالإضافة إلى رؤساء دوائر الاستخبارات والمسؤولين عن المشاريع النووية والصاروخية الحساسة.
وتشير التقارير إلى أن إسرائيل استخدمت تكنولوجيا مبتكرة لتتبع القادة، متجاوزة الإجراءات الأمنية المشددة التي فرضها الإيرانيون بمنع استخدام الهواتف المحمولة. ويبدو أن أجهزة الاستخبارات نجحت في اختراق دوائر ضيقة جداً مكنتها من معرفة التحركات الدقيقة للمسؤولين، رغم محاولات التمويه ونشر تقارير متضاربة حول أماكن تواجد المرشد الأعلى.
الغطرسة الإيرانية مكنت إسرائيل من إحباط خامنئي ونحو 40 مسؤولاً رفيع المستوى في غضون 40 ثانية فقط.
العملية أثارت توتراً مكتوماً بين تل أبيب وواشنطن، خاصة بعد تصريحات الرئيس الأمريكي دونالد ترامب التي أشار فيها إلى مقتل شخصيات كانت تعتبرها واشنطن 'بدائل محتملة' لقيادة إيران. ووفقاً للمصادر، فإن الغارة قضت على ثلاثة مرشحين كانت الولايات المتحدة تعول عليهم لإدارة المرحلة الانتقالية في حال سقوط النظام، مما يعقد الحسابات السياسية لما بعد الضربة.
في الجانب التقني، أوضحت المصادر أن الصواريخ المستخدمة تمتلك قدرات خارقة للتحصينات، لكن التواجد المكثف للقادة فوق الأرض جعل استخدام القنابل الزلزالية الثقيلة غير ضروري في الموجة الأولى. وقد تم إطلاق نحو 30 صاروخاً دمرت المجمع بالكامل، بما في ذلك المكاتب العسكرية وسكرتارية المرشد، مما أدى لمقتل كل من كان يتواجد في الطوابق العليا للمباني المستهدفة.
التحقيقات الإيرانية الأولية، بحسب تسريبات، تشير إلى وجود 'خطيئة غرور' أدت لهذه الكارثة الأمنية، حيث استهان القادة بالتحذيرات العلنية والتحركات العسكرية الأمريكية في المنطقة. وبدلاً من اللجوء إلى الأنفاق الخرسانية المحصنة التي بُنيت على مدار عقود، فضل القادة ممارسة مهامهم من المكاتب التقليدية، مما جعلهم أهدافاً سهلة للصواريخ الموجهة.
ويرى مراقبون أن هذه الضربة تمثل ذروة جهد استخباراتي استمر لأكثر من عقدين من الزمن، حيث تم بناء قدرات تكنولوجية وبشرية داخل إيران قادرة على العمل حتى في حال انكشاف بعضها. هذا الاختراق العميق مكن من رسم خرائط دقيقة للمنشآت الحساسة وتحديد نقاط الضعف في شبكة الاتصالات والقيادة والسيطرة التابعة للحرس الثوري.
على الصعيد السياسي، حاول رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو تسويق العملية كإزالة نهائية للتهديد النووي والصاروخي الإيراني، رغم تشكيك بعض المسؤولين الأمنيين في هذه الادعاءات. ويرى هؤلاء المسؤولون أن تدمير القيادة لا يعني بالضرورة تدمير المشروع النووي بالكامل، محذرين من أن غياب 'رأس النظام' قد يؤدي لردود فعل غير منضبطة من أطراف متعددة.
الأسواق العالمية بدأت بالفعل في استشعار تداعيات هذه الضربة، حيث سجلت أسعار النفط ارتفاعات ملحوظة وسط مخاوف من اندلاع حرب إقليمية شاملة. وفي حين تستمر العمليات العسكرية الجوية، يبقى الغموض سيد الموقف بشأن مستقبل الحكم في طهران، في ظل غياب أي قيادة قادرة على لم شمل المؤسسات العسكرية والأمنية المنهارة.
وختاماً، تظل هذه العملية نموذجاً يدرسه الخبراء العسكريون حول العالم في كيفية دمج الاستخبارات البشرية مع التكنولوجيا المتطورة لتحقيق أهداف استراتيجية في وقت قياسي. ومع استمرار الهجمات، تترقب المنطقة طبيعة الرد الإيراني المتبقي، وما إذا كانت هناك جيوب قيادية قادرة على تنظيم هجوم مضاد أو الدخول في مفاوضات لإنهاء الصراع.
فلسطين
الإثنين 16 مارس 2026 1:48 صباحًا - بتوقيت القدس
إعلان عن فتح جزئي لمعبر رفح الأربعاء ومجزرة إسرائيلية تستهدف الشرطة وسط غزة
تواصل قوات الاحتلال الإسرائيلي خروقاتها المستمرة لاتفاق وقف الحرب في قطاع غزة، حيث شهدت الساعات الأخيرة تصعيداً ميدانياً دامياً استهدف الكوادر الأمنية والخدمية. وأسفرت غارة جوية نفذتها طائرة مسيرة عن وقوع مجزرة في بلدة الزوايدة، مما يعمق الأزمة الإنسانية والأمنية التي يعيشها سكان القطاع المحاصر.
وأفادت مصادر طبية وميدانية بارتفاع حصيلة الشهداء جراء استهداف مركبة تابعة للشرطة الفلسطينية في شارع صلاح الدين بمدخل بلدة الزوايدة إلى تسعة شهداء. وأوضحت المصادر أن من بين الضحايا مسؤول التدخل وحفظ النظام في المنطقة الوسطى، بالإضافة إلى عدد من العناصر الذين كانوا يؤدون مهامهم في ضبط الحالة الأمنية.
وأكد المتحدث باسم الدفاع المدني، محمود بصل أن الطائرات المسيرة استهدفت المركبة الشرطية بصاروخين مباشرين رغم أنها كانت تحمل علامات رسمية واضحة. وأشار إلى أن هذا الهجوم أدى أيضاً إلى إصابة عدد من المواطنين المارين في المنطقة، مما زاد من حالة الذعر والارتباك في صفوف المدنيين.
واعتبر بصل أن هذا الاستهداف الممنهج يندرج ضمن سياسة إسرائيلية واضحة تهدف إلى نشر الفوضى الأمنية وتفكيك المنظومة الخدمية داخل غزة. وشدد على أن غياب الأجهزة الأمنية في ظل هذه الظروف القاسية سيؤدي حتماً إلى اتساع رقعة الانفلات، وهو ما يسعى إليه الاحتلال من خلال ضرب مراكز القوة التنظيمية.
ولفت المتحدث إلى أن هذه ليست المرة الأولى التي يتم فيها استهداف عناصر الأجهزة الأمنية، حيث سبق وأن تعرض حاجز أمني لهجوم مماثل أسفر عن استشهاد ثلاثة عناصر. وتأتي هذه الهجمات لتضعف قدرة المؤسسات المحلية على تقديم الخدمات الأساسية وحماية الممتلكات العامة والخاصة في ظل الانهيار الواسع للمنظومة الخدمية.
وفي سياق متصل، أعلنت هيئة تنسيق أعمال الحكومة الإسرائيلية في الأراضي الفلسطينية (كوغات) عن قرار بإعادة فتح معبر رفح البري بشكل جزئي. ومن المقرر أن يبدأ العمل بهذا القرار اعتباراً من يوم الأربعاء المقبل، حيث سيسمح بحركة محدودة للأفراد في كلا الاتجاهين بعد أسابيع من الإغلاق التام.
استهداف مركبة الشرطة يأتي ضمن سياسة إسرائيلية تهدف إلى إبقاء القطاع في حالة فوضى أمنية.
ويعد معبر رفح الشريان الوحيد والمنفذ البري الذي يربط سكان قطاع غزة بالعالم الخارجي بعيداً عن السيطرة المباشرة للاحتلال على المعابر الأخرى. وكان المعبر قد شهد إغلاقاً مشدداً منذ نهاية فبراير الماضي، تزامناً مع التصعيد العسكري الواسع الذي شهده القطاع والمنطقة المحيطة.
وينتظر آلاف الفلسطينيين، وبشكل خاص المرضى والجرحى والعالقين، تفعيل هذا القرار بفارغ الصبر لإنهاء معاناتهم المستمرة منذ أسابيع. ويأمل المواطنون أن يكون هذا الفتح الجزئي مقدمة لانفراجة أكبر تنهي حالة العزلة القسرية المفروضة عليهم وتسمح بدخول المساعدات الإنسانية والطبية الضرورية.
ميدانياً، تواجه فرق الدفاع المدني تحديات هائلة في عمليات الإنقاذ والانتشال بسبب النقص الحاد في المعدات وتهالك الإمكانات نتيجة الحصار الطويل. وأكدت المصادر أن استمرار استهداف الطواقم والآليات يعيق الوصول إلى الضحايا في الوقت المناسب، مما يرفع من أعداد الشهداء المتأثرين بجراحهم.
وتشير التقارير إلى أن الحالة الإنسانية في غزة وصلت إلى مستويات غير مسبوقة من التدهور، حيث تتداخل العمليات العسكرية مع سياسة التجويع والترهيب. ويبقى الرهان الشعبي معلقاً على أي تحرك دولي أو إقليمي يضمن وقف هذه الانتهاكات وتأمين ممرات إنسانية دائمة وغير مشروطة.
ختاماً، يرى مراقبون أن الإعلان عن فتح المعبر قد يكون محاولة لامتصاص الغضب الدولي المتصاعد جراء استمرار حرب الإبادة واستهداف المدنيين. ومع ذلك، تظل الشكوك قائمة حول مدى التزام الاحتلال بتسهيل حركة المرور دون وضع عراقيل أمنية جديدة تفرغ القرار من محتواه الإنساني.
اسرائيليات
الإثنين 16 مارس 2026 1:48 صباحًا - بتوقيت القدس
أزمة مالية غير مسبوقة تضرب إسرائيل مع تصاعد تكاليف المواجهة مع إيران ولبنان
تصارع الحكومة الإسرائيلية لمواجهة تحديات مالية متفاقمة ناتجة عن التكاليف الباهظة للعمليات العسكرية المستمرة ضد إيران وتعزيز الحشود على الجبهة اللبنانية. وصادقت الحكومة في اجتماع ليلي متأخر على تخصيص نحو 900 مليون دولار لوزارة الأمن تحت بند 'الصفقة الأمنية الطارئة'، في محاولة لتغطية الاحتياجات العاجلة للجيش.
تزامن هذا القرار مع إقرار تخفيضات قاسية وشاملة في ميزانيات الوزارات المدنية بلغت قيمتها الإجمالية 320 مليون دولار، حيث طالت هذه الاقتطاعات قطاعات حيوية مثل التعليم الذي خسر 61 مليون دولار، والصحة بواقع 44 مليون دولار، بالإضافة إلى قطاع الرعاية الاجتماعية.
ولم تتوقف الإجراءات عند هذا الحد، بل وافقت الحكومة على زيادة ميزانية وزارة الدفاع عبر استقطاع نسبة 3% من ميزانيات كافة الوزارات الأخرى، وهو ما ضخ نحو 8.4 مليار دولار إضافية في خزينة الجيش. وتهدف هذه الخطوات لتعويض النقص الحاد في الموارد المالية المخصصة للعمليات القتالية المستمرة على جبهات متعددة.
وأفادت مصادر اقتصادية دولية بأن تل أبيب رصدت غلافاً مالياً أولياً بقيمة 13 مليار دولار لتمويل المواجهة المباشرة مع إيران، ويشمل هذا المبلغ تكاليف تعويض المخزونات العسكرية المستنزفة. كما يغطي التمويل رواتب جنود الاحتياط بعد أن استدعى الجيش أكثر من 100 ألف جندي إضافي منذ اندلاع التصعيد الأخير الشهر الماضي.
وفي سياق متصل، كشفت تقارير إعلامية أمريكية عن نقص حاد تعاني منه إسرائيل في أنظمة اعتراض الصواريخ البالستية، محذرة من الكلفة المالية الهائلة لعمليات التصدي. وأشارت المصادر إلى أن تكلفة اعتراض دفعة صاروخية واحدة من إيران قد تصل إلى 280 مليون دولار، مما يشكل استنزافاً سريعاً للموارد المالية والدفاعية.
إذا توقفت الولايات المتحدة عن دعمها المالي والعسكري، لن تستطيع إسرائيل الاستمرار في الحرب لأكثر من ستة أسابيع تقريباً.
ويرى خبراء اقتصاديون أن تمويل هذه الحروب يعتمد بشكل أساسي على الاقتراض الخارجي، مما أدى لقفزة في الدين العام الإسرائيلي ليتجاوز 12% من الناتج المحلي الإجمالي منذ نهاية عام 2023. وتقدر القيمة الإجمالية لهذا الدين بنحو 100 مليار دولار، وهو ما يضع ضغوطاً طويلة الأمد على الأجيال القادمة والاقتصاد الكلي.
وتلعب المساعدات الأمريكية دوراً محورياً في استمرار العمليات العسكرية، حيث تغطي واشنطن نحو ثلث تكاليف العدوان على قطاع غزة بسقف يصل إلى 20 مليار دولار. كما تساهم مؤسسات صهيونية عالمية في ضخ سيولة مالية لدعم الاقتصاد الإسرائيلي، مما يساعد في الحفاظ على استقرار العملة وبورصة تل أبيب رغم ظروف الحرب.
وحذر محللون من أن السياسات التقشفية المتبعة، مثل تقليص ميزانيات الخدمات العامة لصالح الدفاع، ستؤدي إلى ضغوط اجتماعية وانخفاض في معدلات النمو الاقتصادي. ومن المتوقع أن يتراجع النمو لعام 2026 إلى مستويات تتراوح بين 2% و2.5% في حال استمرار العمليات العسكرية لفترة تتجاوز ستة أسابيع إضافية.
ويقف التضخم في إسرائيل حالياً عند مستويات تفوق مستهدفات البنك المركزي، مما يعقد من إمكانية تخفيض أسعار الفائدة لتنشيط الأسواق. ويبقى الرهان الإسرائيلي معلقاً على استمرار الدعم الغربي، إذ يرى مراقبون أن غياب الغطاء المالي الأمريكي سيجعل من المستحيل على تل أبيب مواصلة الحرب لفترة طويلة.
عربي ودولي
الإثنين 16 مارس 2026 1:04 صباحًا - بتوقيت القدس
إيران تعلن اعتقال 500 شخص بتهمة التجسس منذ بدء المواجهة العسكرية
أعلن قائد قوات الأمن الإيرانية، أحمد رضا رادان، اليوم الأحد، عن تنفيذ حملة اعتقالات واسعة شملت 500 شخص في مختلف أنحاء البلاد منذ انطلاق العمليات العسكرية الأمريكية والإسرائيلية الأخيرة. ووجهت السلطات للموقوفين تهم التجسس لصالح جهات معادية ونقل معلومات حساسة لوسائل إعلام خارجية تهدف لزعزعة الاستقرار الداخلي في ظل الظروف الراهنة.
وأوضح رادان في تصريحات صحفية أن التحقيقات الأولية كشفت أن نحو نصف هذه الحالات ترتبط بجرائم أمنية جسيمة، حيث قام بعض المتهمين بتقديم إحداثيات دقيقة لمواقع استراتيجية تم استهدافها لاحقاً. كما شملت التهم قيام أفراد برصد وتصوير مواقع الغارات الجوية فور وقوعها وإرسال تلك المواد لجهات استخباراتية أجنبية لتقييم الأضرار.
وتأتي هذه التطورات في وقت تشهد فيه إيران مواجهة عسكرية مباشرة بدأت في الثامن والعشرين من فبراير الماضي، أسفرت عن سقوط مئات الضحايا، من بينهم المرشد الأعلى علي خامنئي وعدد من كبار القادة الأمنيين. وترد طهران على هذه الهجمات عبر إطلاق موجات من الصواريخ والطائرات المسيرة باتجاه أهداف إسرائيلية، بالإضافة إلى استهداف ما تصفه بالمصالح الأمريكية في المنطقة.
وفي تفاصيل العمليات الميدانية، أفادت مصادر إعلامية باعتقال 20 شخصاً في مناطق شمال غرب البلاد بناءً على أوامر من الادعاء العام الإقليمي. وتواجه هذه المجموعة اتهامات صريحة بتسريب تفاصيل دقيقة حول مواقع الأصول العسكرية والأمنية الإيرانية الحساسة لصالح الاستخبارات الإسرائيلية خلال الأسابيع الماضية.
نصف قضايا المعتقلين تتعلق بحوادث خطيرة، تشمل تقديم معلومات دقيقة لاستهداف مواقع حيوية وتصوير نتائج الغارات الجوية.
أما في شمال شرق إيران، فقد طالت الاعتقالات عشرة أشخاص بتهمة جمع بيانات استخباراتية عن البنية التحتية الاقتصادية والمواقع الحيوية التي بقيت بعيدة عن القصف الجوي حتى الآن. وأكدت تقارير محلية أن هذه التحركات تهدف لإحباط محاولات العدو لتوسيع دائرة الأهداف لتشمل القطاعات الحيوية والخدمية في البلاد.
من جانبه، حذر جهاز مخابرات الحرس الثوري من أن القوى الخارجية تعمل بالتوازي مع العمليات العسكرية على تحريك شبكات من المرتزقة والجواسيس داخل المدن الإيرانية. وأشار الجهاز في بيان له إلى أن الهدف من هذه التحركات هو إثارة أعمال شغب وفوضى داخلية كخطوة تكميلية للغزو العسكري الذي تتعرض له البلاد.
وفي سياق متصل، ذكرت مصادر مطلعة أن إسرائيل انتقلت إلى مرحلة جديدة في هجومها تعتمد بشكل مكثف على المعلومات المستقاة من مخبرين على الأرض لاستهداف نقاط التفتيش الأمنية. وتزامن ذلك مع اعتقال ثلاثة أشخاص في إقليم لورستان بتهمة السعي لإثارة الرأي العام والقيام بأعمال تخريبية استهدفت رموزاً وطنية ودينية خلال فترة الحداد.
عربي ودولي
الإثنين 16 مارس 2026 1:04 صباحًا - بتوقيت القدس
تحرك خليجي بريطاني مشترك لمواجهة التهديدات الإيرانية للملاحة الدولية
أصدر مجلس التعاون الخليجي والمملكة المتحدة بياناً مشتركاً شددا فيه على الأهمية القصوى لحماية المجال الجوي الإقليمي وضمان حرية الملاحة البحرية. وجاء هذا الموقف في ظل تصاعد التحديات الأمنية التي تهدف إلى عرقلة حركة التجارة الدولية في مضيق هرمز أو تهديد سلامة السفن في مضيق باب المندب، مما يستوجب تنسيقاً دولياً واسعاً.
البيان الذي صدر عقب مباحثات مكثفة ضمت وزراء خارجية دول المجلس ونظيرتهم البريطانية إيفيت كوبر، ركز على تداعيات الهجمات التي تنسب لإيران وتستهدف استقرار المنطقة. وأشار الوزراء إلى أن أي مساس بأمن الخليج سينعكس مباشرة على استقرار الاقتصاد العالمي، نظراً للموقع الاستراتيجي للممرات المائية التي تمر عبرها إمدادات الطاقة العالمية.
وأكدت الأطراف المجتمعة على الحق المشروع لدول مجلس التعاون في اتخاذ كافة التدابير اللازمة للدفاع عن سيادتها وأمنها القومي. وأوضح الوزراء أن هذا الحق يشمل التحركات الفردية والجماعية لردع أي اعتداءات تطال الأراضي الخليجية أو المنشآت الحيوية، معتبرين أن حماية الحدود والمجالات الجوية أولوية لا تقبل المساومة.
وفي مسار موازٍ، جدد الوزراء التزامهم بالحلول الدبلوماسية وفتح قنوات الحوار كسبيل وحيد لإنهاء الأزمات الراهنة واستعادة الاستقرار الإقليمي. وأثنى البيان على الجهود المستمرة التي تبذلها سلطنة عمان في تقريب وجهات النظر وتفعيل الوساطات السياسية، مؤكداً الحاجة الملحة لخفض التصعيد العسكري الذي يهدد السلم والأمن الدوليين.
من جانب آخر، برزت اتهامات إيرانية على لسان المتحدث باسم مقر خاتم الأنبياء التابع للحرس الثوري، إبراهيم ذو الفقاري، وجهها نحو الولايات المتحدة وإسرائيل. وزعم ذو الفقاري أن هجمات نُفذت ضد أهداف في المنطقة باستخدام طائرات مسيرة تحاكي طراز 'شاهد-136' الإيراني، بهدف إلقاء اللائمة على طهران وإثارة الفتنة بينها وبين جيرانها.
أمن واستقرار منطقة الخليج يمثلان ركائز أساسية لاستقرار الاقتصاد العالمي، ويرتبطان ارتباطًا وثيقًا بالأمن الدولي.
وسارعت القيادة المركزية الأمريكية 'سنتكوم' إلى نفي هذه الادعاءات جملة وتفصيلاً، واصفة إياها بالمعلومات المضللة. وأكدت المصادر العسكرية الأمريكية أن طهران هي المسؤول الأول عن الهجمات التي تستخدم الطائرات المسيرة الانتحارية، مشددة على التزام واشنطن بحماية شركائها في الخليج من أي تهديدات عدائية تستهدف أمنهم.
وتأتي هذه التطورات في سياق مواجهة عسكرية مفتوحة بدأت منذ أواخر فبراير الماضي، حيث تشن قوى دولية وإقليمية ضربات تستهدف البنية التحتية العسكرية الإيرانية. وقد أسفرت هذه العمليات عن خسائر بشرية كبيرة شملت قيادات عليا في الهرم السياسي والأمني الإيراني، مما أدى إلى موجات من الردود الصاروخية المتبادلة.
وتشهد المنطقة حالة من الاستنفار القصوى بعد استهداف إيران لما تصفه بمصالح معادية داخل أراضي دول عربية، وهو ما أدى إلى سقوط ضحايا مدنيين وأضرار مادية جسيمة. وقد قوبلت هذه الهجمات بإدانات واسعة من الدول المتضررة التي اعتبرت استهداف الأعيان المدنية تصعيداً خطيراً يخرق القوانين الدولية والأعراف الدبلوماسية.
وخلص الاجتماع الخليجي البريطاني إلى ضرورة تعزيز التعاون العسكري والاستخباراتي لمراقبة التحركات المشبوهة في المياه الإقليمية. واتفق المشاركون على استمرار التشاور الوثيق لضمان بقاء الممرات المائية مفتوحة أمام التجارة العالمية، ومنع أي طرف من فرض سيطرته أو تهديداته على الملاحة الدولية التي تعد شريان الحياة للعالم.
عربي ودولي
الإثنين 16 مارس 2026 12:33 صباحًا - بتوقيت القدس
من طموحات العقارات إلى البيت الأبيض.. كيف تحولت 'هواجس' ترمب تجاه جزيرة خرج الإيرانية إلى واقع عسكري؟
لم تكن جزيرة خرج، التي تمثل الشريان الحيوي للاقتصاد الإيراني، مجرد إحداثية عسكرية عابرة في بنك أهداف الإدارة الأمريكية الحالية، بل تبدو وكأنها هواجس قديمة استقرت في مخيلة الرئيس دونالد ترمب قبل عقود من وصوله للسلطة. ففي خضم التصعيد العسكري المحتدم في الشرق الأوسط، أدلى ترمب بتصريحات لافتة تجاوزت الأعراف العسكرية المعهودة.
وخلال مقابلة هاتفية مطولة مع قناة 'إن بي سي' الأمريكية، أعلن ترمب عن تدمير الجزيرة بشكل كامل عبر ضربات وصفها بأنها الأقوى في تاريخ المنطقة. وأثارت لغة الرئيس ذهول المراقبين حين وضع هذه العمليات في إطار 'المتعة الشخصية'، مما فجر موجة واسعة من الجدل حول آليات إدارة الصراعات الكبرى.
هذا السجال انتقل سريعاً إلى المنصات الرقمية، حيث تساءل ناشطون ومحللون عما إذا كانت الاستراتيجيات العسكرية الأمريكية تُبنى على أسس مدروسة أم أنها تخضع لمزاج شخصي يبحث عن الإثارة وسط حطام الدول. واعتبر البعض أن هذه التصريحات تعكس نهجاً غير تقليدي في التعامل مع الأزمات الدولية المعقدة.
وفي مفاجأة تاريخية أعاد باحثون نبشها، تبين أن اهتمام ترمب بجزيرة خرج ليس وليد اللحظة أو مرتبطاً بالصراع الحالي فقط. فقد كشفت أرشيفات صحيفة 'ذا غارديان' البريطانية عن مقابلة أجريت معه في عام 1988، حين كان مجرد رجل أعمال شاب يعمل في قطاع العقارات.
في تلك المقابلة القديمة، حدد ترمب بوضوح جزيرة خرج كهدف استراتيجي لا بد من ضربه في حال تصاعد التوترات مع طهران. وقلل ترمب آنذاك من القدرات الدفاعية الإيرانية، معتبراً أن المواجهة المباشرة مع النظام الإيراني ستكون أمراً إيجابياً للعالم بأسره، وهو ما يراه البعض اليوم تنفيذاً لنبوءة قديمة.
وبعيداً عن الجوانب الشخصية والتصريحات المثيرة، تبرز الأهمية الجيوسياسية للجزيرة كونها 'المضخة الكبرى' للاقتصاد الإيراني. حيث تشير البيانات الاقتصادية إلى أن ما نسبته 85% إلى 95% من إجمالي صادرات النفط الخام الإيراني تمر عبر هذه المنشأة الحيوية المطلة على الخليج.
تدمير جزيرة خرج تم بضربات هي الأقوى في تاريخ المنطقة، والأمر يحمل نوعاً من المتعة الشخصية.
وتمتلك الجزيرة بنية تحتية ضخمة تشمل قدرة تخزينية تتجاوز 30 مليون برميل، بالإضافة إلى أرصفة عملاقة قادرة على استقبال عشر ناقلات نفط في وقت واحد. هذا الثقل الاقتصادي يجعل من استهدافها ضربة قاضية للقدرات المالية الإيرانية، ويضع الأسواق العالمية في حالة استنفار قصوى.
وحذر خبراء اقتصاد من أن شلل هذا الشريان النفطي قد يؤدي إلى قفزات غير مسبوقة في أسعار الوقود عالمياً. وتوقعت تقارير فنية وصول سعر برميل النفط إلى حاجز 200 دولار، مما يهدد باستقرار الاقتصاد العالمي ويدفع نحو أزمة طاقة قد لا تستطيع الدول الكبرى احتواءها بسهولة.
وعلى صعيد ردود الفعل، ضجت مواقع التواصل الاجتماعي بتعليقات تنتقد ما وصفته بـ 'جنون العظمة' لدى الرئيس الأمريكي. وأعاد مدونون نشر آراء سابقة لكتاب ومحللين وصفوا شخصية ترمب بأنها مهووسة بالذات ومنفصلة عن الواقع، خاصة في تعامله مع الملفات الحربية الحساسة.
وتساءل مغردون عن غياب الخطط البديلة لمواجهة الكارثة الاقتصادية القادمة نتيجة ارتفاع أسعار الوقود. وأشار البعض بسخرية مريرة إلى أن التركيز على تدمير البنية التحتية النفطية لا يرافقه أي تصور لحماية المستهلكين في الولايات المتحدة والعالم من تبعات هذا الانهيار.
من جانب آخر، اعتبر مؤيدون للنهج المتشدد أن قصف جزيرة خرج كان جزءاً لا يتجزأ من خطة أوسع لتقويض النفوذ الإيراني في المنطقة. ويرى هؤلاء أن تدمير القدرات البحرية وكاسحات الألغام الإيرانية كان يمهد الطريق لهذه الضربة الاستراتيجية التي استهدفت 'درة التاج' في طهران.
ويبقى السؤال المعلق في سماء الشرق الأوسط حول ما إذا كانت أهداف ترمب قد انتهت عند ركام جزيرة خرج. فبين هوس التسلية وحسابات الأرقام المعقدة، يترقب العالم الفصول القادمة من مفاجآت 'الرئيس التاجر' التي قد تعيد رسم خارطة القوى في المنطقة برمتها.
عربي ودولي
الإثنين 16 مارس 2026 12:03 صباحًا - بتوقيت القدس
احتجاجات أمام البيت الأبيض تنديداً بمجزرة مدرسة 'ميناب' وتواطؤ واشنطن
شهد محيط البيت الأبيض في العاصمة الأمريكية واشنطن وقفة احتجاجية غاضبة تزامناً مع مسيرة يوم القدس، حيث رفع المشاركون شعارات تندد بالسياسات الأمريكية الداعمة للعمليات العسكرية التي تستهدف المدنيين. وركز المحتجون في فعاليتهم على مجزرة مدرسة 'ميناب' الإيرانية، التي أسفرت عن استشهاد أكثر من 165 فتاة، معتبرين أن الإدارة الأمريكية شريكة مباشرة في هذه الدماء عبر تمويل الصواريخ والعتاد العسكري.
واستخدم المتظاهرون أساليب تعبيرية مؤثرة لتجسيد حجم المأساة، حيث قاموا بوضع حقائب مدرسية وورود على الأرض بجانب مجسم يمثل جثمان طفلة ملطخة بالدماء لمحاكاة مسرح الجريمة في المدرسة المنكوبة. وأكد المشاركون في كلماتهم أن دافعي الضرائب الأمريكيين يتحملون مسؤولية أخلاقية تجاه وقف هذا النزيف، مشيرين إلى أن الصواريخ التي تقتل الأطفال يتم دفع ثمنها من الخزينة الأمريكية تحت غطاء التحالفات العسكرية.
وفي سياق متصل، خرج المدير العام لمنظمة الصحة العالمية، تيدروس أدهانوم غيبريسوس، بتصريحات حادة عبر منصة 'إكس'، شدد فيها على أن استهداف المنشآت التعليمية والطبية لا يمكن تصنيفه ضمن الأخطاء التقنية أو الحسابية. وأوضح غيبريسوس أن القانون الدولي واضح في هذا الشأن، وأن قصف مدرسة أو مستشفى يمثل جريمة حرب مكتملة الأركان تتطلب محاسبة مرتكبيها دون مواربة.
هذه جرائم حرب.. فلنسمّ الأشياء بمسمياتها؛ فقصف المستشفيات والمدارس ليس مجرد خطأ في الحسابات.
كما انتقد مدير منظمة الصحة العالمية بشدة السياسات التي تستخدم التجويع وسيلة للضغط، مؤكداً أن حرمان المدنيين من الغذاء ليس 'تكتيكاً تفاوضياً' بل هو انتهاك صارخ للقيم الإنسانية. وأضاف أن استهداف الكوادر الطبية أثناء أداء واجبهم لا يمكن اعتباره 'ضرراً غير مقصود'، داعياً المجتمع الدولي إلى تسمية الأشياء بمسمياتها الحقيقية والاعتراف بوقوع جرائم حرب ممنهجة.
تأتي هذه التحركات الشعبية والدولية في وقت تتصاعد فيه الضغوط على واشنطن لمراجعة دعمها العسكري المطلق، خاصة مع توثيق مجازر بحق الأطفال والنساء في المؤسسات التعليمية. وتعكس التظاهرة أمام البيت الأبيض اتساع رقعة الرفض الداخلي للسياسات الخارجية الأمريكية، ومطالبات متزايدة بوقف التواطؤ في استهداف المدنيين العزل في المنطقة.
اسرائيليات
الأحد 15 مارس 2026 11:49 مساءً - بتوقيت القدس
تنسيق إسرائيلي أمريكي للمصادقة على خطط عسكرية جديدة في إيران وسط إقرار بصعوبة إسقاط النظام
كشفت مصادر إعلامية عبرية عن تحولات جوهرية في الاستراتيجية الإسرائيلية تجاه إيران، حيث أقرّت الدوائر الأمنية في تل أبيب بأن العمليات العسكرية الحالية لا تسير وفق الجداول الزمنية أو الأهداف المرسومة مسبقاً. وبناءً على ذلك، بدأت القيادة العسكرية عملية إعادة تقييم شاملة لأهداف الحرب، في ظل الصمود الذي يبديه النظام الإيراني أمام الضربات المتتالية.
وفي سياق التنسيق الميداني، أفادت مصادر بأن الولايات المتحدة وإسرائيل قد صدّقتا رسمياً على حزمة من الخطط العسكرية التي سيتم تنفيذها داخل الأراضي الإيرانية خلال الأسابيع الثلاثة المقبلة. وتهدف هذه الخطط إلى تنفيذ عمليات نوعية وصفت بأنها 'كبيرة وإضافية'، ومن شأنها أن تحدث تغييراً ملموساً في مسار المواجهة المباشرة بين الطرفين.
وتشير التقديرات الأمنية إلى أن إسرائيل تستعد لخوض معركة طويلة الأمد مع طهران، حيث من المتوقع أن تستمر المواجهة المكثفة لعدة أسابيع إضافية على أقل تقدير. وفي الوقت ذاته، تتوقع الأوساط العسكرية أن تمتد الحرب على الجبهة الشمالية مع حزب الله لعدة أشهر، مما يضع ضغوطاً لوجستية وعسكرية كبيرة على جيش الاحتلال.
وأوضحت مصادر مطلعة أن هناك أهدافاً إيرانية لا تزال مدرجة على بنك الأهداف الإسرائيلي، ولم يتم استهدافها بعد، بانتظار التوقيت العملياتي المناسب. ومع ذلك، تسود حالة من الإحباط في الأوساط السياسية الإسرائيلية والأمريكية بسبب فشل الرهان على خروج مظاهرات شعبية واسعة ضد النظام الإيراني، وهو ما كان يمثل ركيزة أساسية في استراتيجية الضغط.
وتركز الضربات الإسرائيلية الأخيرة بشكل مكثف على مقار قوات 'البسيج' وأجهزة الأمن الداخلي الإيرانية، في محاولة لزعزعة الاستقرار الداخلي وتهيئة الظروف لاندلاع احتجاجات. إلا أن التقارير الاستخباراتية تؤكد صعوبة دفع الشعب الإيراني للنزول إلى الشوارع بأعداد كبيرة، مما يمثل تحدياً كبيراً أمام صانع القرار في تل أبيب وواشنطن.
وفي إحاطة أمنية لافتة، أشار مسؤول عسكري رفيع إلى أن إسرائيل نجحت في ضرب أجزاء واسعة من القدرات الصاروخية الإيرانية، لكنه حذر من قدرة طهران العالية على الترميم. وأوضح المسؤول أن المفاجأة الكبرى كانت في سرعة استعادة إيران لقدراتها الصاروخية بعد جولات التصعيد السابقة، مما بات يشكل تهديداً مباشراً ومستمراً للأمن الإسرائيلي.
القضاء الكامل على منصات الإطلاق أو البرنامج الصاروخي الإيراني أمر مستحيل، وهذا يثير قلقاً عميقاً داخل المؤسسة العسكرية.
وتتصاعد المخاوف في تل أبيب من احتمالية نقل إيران لأجزاء حيوية من برنامجها النووي إلى منشآت محصنة في أعماق المناطق الجبلية. وتؤكد المصادر أن هذه المنشآت تحت الأرض يصعب الوصول إليها أو تدميرها بواسطة سلاح الجو الإسرائيلي أو حتى الأمريكي، مما قد يمنح طهران حصانة نووية بعيدة عن الاستهداف الجوي التقليدي.
وعلى الرغم من المزاعم الإسرائيلية بأن تراجع وتيرة إطلاق الصواريخ الإيرانية يعود لنجاح الغارات الجوية، إلا أن الجيش الإسرائيلي لا يستبعد قدرة طهران على تنفيذ هجمات مفاجئة. وأقر المسؤول العسكري بأن القضاء التام على منصات الإطلاق أو البرنامج الصاروخي الإيراني يعد أمراً مستحيلاً من الناحية العسكرية، وهو اعتراف يعكس حجم التحدي الميداني.
وفي انتقاد مبطن للقيادة السياسية، حذر المسؤول العسكري من حالة 'الغرور' التي قد تصيب بعض القادة، مشيراً إلى وجود أزمة مصداقية داخلية. وتأتي هذه التحذيرات بعد تصريحات سابقة لرئيس الوزراء بنيامين نتنياهو ادعى فيها تحقيق 'انتصار تاريخي' وتدمير القدرات الإيرانية، ليتبين لاحقاً أن طهران استعادت جزءاً كبيراً من قوتها في وقت قياسي.
وخلصت التقييمات الإسرائيلية إلى أن فكرة إسقاط النظام الإيراني من الداخل ليست وشيكة كما كان يروج البعض، وأن هذه العملية قد تستغرق وقتاً أطول بكثير مما كان متوقعاً. ويؤكد هذا التوجه أن الرهانات الإسرائيلية على حدوث انهيار سريع في بنية النظام الإيراني كانت تفتقر إلى الدقة الواقعية، مما يفرض واقعاً جديداً على طاولة المفاوضات العسكرية.
ختاماً، يبدو أن المرحلة المقبلة ستشهد تصعيداً مدروساً يهدف إلى استنزاف القدرات الإيرانية دون الوصول إلى حافة الحرب الشاملة التي قد لا تضمن نتائجها. ويبقى التنسيق مع واشنطن هو المظلة الأساسية التي تتحرك تحتها إسرائيل، في محاولة لتقليص الفجوة بين الأهداف الطموحة والواقع الميداني المعقد الذي تفرضه القوة العسكرية الإيرانية.
فلسطين
الأحد 15 مارس 2026 11:49 مساءً - بتوقيت القدس
لأول مرة منذ عقود.. الاحتلال يحرم المصلين من إحياء ليلة القدر في المسجد الأقصى
شهدت مدينة القدس المحتلة تطوراً خطيراً وغير مسبوق، حيث واصلت سلطات الاحتلال الإسرائيلي إغلاق المسجد الأقصى المبارك لليوم السادس عشر على التوالي. وقد تسبب هذا الإجراء في حرمان آلاف المصلين من الوصول إلى المسجد لإحياء ليلة السابع والعشرين من شهر رمضان المبارك، والمعروفة بليلة القدر.
وتعد هذه المرة الأولى منذ احتلال مدينة القدس في عام 1967 التي يخلو فيها المسجد الأقصى من المصلين في هذه الليلة المباركة. وبررت سلطات الاحتلال هذه الخطوة التصعيدية بالظروف الأمنية الراهنة، وربطتها بتداعيات المواجهة العسكرية المستمرة مع إيران والولايات المتحدة.
وحولت قوات الاحتلال محيط المسجد الأقصى والبلدة القديمة إلى ما يشبه الثكنة العسكرية، حيث انتشر المئات من الجنود المدججين بالسلاح. كما تم نصب الحواجز الحديدية في كافة الطرق المؤدية للمسجد، مما حال دون وصول المصلين الراغبين في الاعتكاف والصلاة.
وأفادت مصادر ميدانية بأن الانتشار العسكري المكثف امتد من منطقة وادي الجوز مروراً بباب العامود وصولاً إلى باب الأسباط. وقد منعت هذه القوات الشبان والنساء وكبار السن من الاقتراب من أبواب المسجد، وفرقت التجمعات التي حاولت الوصول إلى الساحات الخارجية.
وأمام هذا المنع القسري، اضطر المئات من المقدسيين لأداء صلاتي العشاء والتراويح في الشوارع المحيطة بالبلدة القديمة. وتركزت صفوف المصلين في منطقتي باب الساهرة وباب العامود تحت مراقبة مشددة من طائرات الاستطلاع وقوات المشاة التي هددت بقمع أي محاولة للدخول.
لا سيادة للاحتلال على الأرض الفلسطينية المحتلة عام 1967، بما فيها مدينة القدس ومقدساتها الإسلامية والمسيحية.
وعقب انتهاء الصلاة، تعالت تكبيرات الشبان في منطقة باب الساهرة تعبيراً عن الغضب والاحتجاج على استمرار الحصار المفروض على القبلة الأولى. وجاءت هذه التحركات استجابة لدعوات واسعة انطلقت عبر منصات التواصل الاجتماعي لكسر الحصار وإحياء الليلة في أقرب نقطة ممكنة.
من جانبها، أصدرت جامعة الدول العربية بياناً شديد اللهجة أدانت فيه استمرار إغلاق أبواب المسجد الأقصى ومنع إقامة الشعائر الدينية. واعتبرت الجامعة هذه الإجراءات انتهاكاً صارخاً للقانون الدولي الإنساني وللوضع التاريخي والقانوني القائم في المسجد المبارك.
وأكدت الجامعة في بيانها أن هذه الممارسات تمثل استفزازاً لمشاعر نحو ملياري مسلم حول العالم، وتقوض بشكل كامل حرية العبادة. وطالبت المجتمع الدولي بالتدخل الفوري لإلزام القوة القائمة بالاحتلال بوقف انتهاكاتها ورفع القيود المفروضة على وصول الفلسطينيين لمقدساتهم.
وفي سياق التحريض المستمر، نشر الحاخام المتطرف باروخ مارزل صورة مفبركة عبر تقنيات الذكاء الاصطناعي تظهر وجود قاعدة جوية عسكرية أسفل المسجد الأقصى. ورافق الصورة تعليق ساخر يدعي وجود منشآت سرية لسلاح الجو في قلب القدس، في خطوة تهدف لتبرير استهداف المسجد.
ويأتي هذا التحريض تزامناً مع تصريحات سابقة لرجال دين متطرفين دعوا فيها صراحة إلى قصف المسجد الأقصى وتدميره. وتخشى الأوساط الفلسطينية أن تكون هذه الإجراءات العسكرية والتحريضية مقدمة لفرض واقع جديد يهدف إلى تقسيم المسجد زمانياً ومكانياً بشكل نهائي.
أقلام وأراء
الأحد 15 مارس 2026 11:31 مساءً - بتوقيت القدس
الحرب على إيران: دفاعاً عن "إسرائيل الصغرى" لا سعياً إلى "إسرائيل الكبرى"
في قلب الشرق الأوسط المشتعل، تتصارع القوى الكبرى على النفوذ والأمن، بينما يسقط الكثير من الكلام عن «إسرائيل الكبرى» في فخ الأساطير السياسية. الحقيقة، كما تشير الأحداث الأخيرة، أن الصراع مع إيران لا يدور حول مشاريع توسّع جغرافية بعيدة، بل حول صراع على البقاء وضمان أمن «إسرائيل الصغرى» في مواجهة تحديات إقليمية متصاعدة.
في خضم التحولات المتسارعة التي يشهدها الشرق الأوسط، يتجدد النقاش حول طبيعة الصراع بين إيران وإسرائيل، وحول الأهداف الحقيقية لأي مواجهة محتملة بين الطرفين. وبين التحليلات المتعددة التي تحاول تفسير هذا الصراع المعقد، يبرز طرح سياسي مهم يرى أن الحرب على إيران – إن وقعت أو توسعت – لن تكون من أجل تحقيق مشروع «إسرائيل الكبرى»، بقدر ما ستكون مرتبطة بحماية «إسرائيل الصغرى»، أي الدولة القائمة بحدودها الحالية وضمان أمنها الاستراتيجي.
هذا الطرح ينطلق من قراءة تعتبر أن إسرائيل، منذ تأسيسها، تركز أساساً على الحفاظ على تفوقها العسكري وترسيخ قدرتها على الردع، بما يضمن منع ظهور قوة إقليمية قادرة على تهديد توازن القوى القائم. وفي هذا السياق تبرز إيران بوصفها أحد أبرز التحديات الاستراتيجية التي تواجه إسرائيل اليوم، خصوصاً مع تطور برنامجها النووي واتساع نفوذها الإقليمي عبر شبكة من الحلفاء والقوى المتحالفة معها في عدد من دول المنطقة.
وخلال السنوات الماضية، لم يقتصر الصراع بين إيران وإسرائيل على التصريحات السياسية أو التوترات الدبلوماسية، بل اتخذ أشكالاً متعددة من المواجهة غير المباشرة. فقد دعمت إيران قوى حليفة في أكثر من ساحة إقليمية، بينما سعت إسرائيل في المقابل إلى الحد من هذا النفوذ عبر عمليات عسكرية واستخباراتية استهدفت البنية العسكرية المرتبطة بطهران. وبهذا المعنى، لم يعد الصراع بين الطرفين مجرد خلاف سياسي، بل أصبح جزءاً من منافسة أوسع على النفوذ والهيمنة في الشرق الأوسط.
وفي خضم هذا الجدل، كثيراً ما يُستحضر مفهوم «إسرائيل الكبرى». غير أن النظر إلى مدى واقعية هذا المشروع يثير تساؤلات جدية حول إمكانية تحققه على أرض الواقع. فالمشروع، في صيغته النظرية، يفترض توسعاً جغرافياً واسعاً يتجاوز الحدود الحالية لإسرائيل ليشمل مناطق شاسعة من محيطها الإقليمي. غير أن الواقع السياسي والديموغرافي والعسكري في المنطقة يجعل تحقيق مثل هذا السيناريو بالغ التعقيد.
فالشرق الأوسط اليوم ليس فراغاً جغرافياً يمكن إعادة رسم حدوده بسهولة، بل هو فضاء مكتظ بالدول والكيانات السياسية والشعوب التي تمتلك هويات وطنية راسخة ومصالح متشابكة – بل ومتعارضة أحياناً. كما أن أي محاولة لتوسّع جغرافي واسع النطاق ستصطدم بمعارضة إقليمية ودولية كبيرة، فضلاً عن الكلفة العسكرية والاقتصادية الهائلة التي قد تترتب على مثل هذا المشروع.
لهذا يرى عدد من الباحثين أن فكرة «إسرائيل الكبرى» تبقى، في كثير من الأحيان، ضمن نطاق الخطاب الأيديولوجي أو الرمزي أكثر من كونها خطة سياسية قابلة للتنفيذ. وفي المقابل، يذهب آخرون إلى أن طرح مثل هذه الأفكار قد يُستخدم أحياناً لرفع سقف الخطاب السياسي أو التفاوضي، بحيث تبدو الأهداف الأقل – مثل تثبيت السيطرة أو توسيع النفوذ داخل حدود فلسطين التاريخية – أكثر واقعية أو قابلية للقبول مقارنة بالطرح الأقصى.
من هنا يصبح النقاش حول «إسرائيل الكبرى» جزءاً من جدل أوسع يتعلق بطبيعة الصراع في المنطقة وحدود الممكن في السياسة. فبين الطموحات الأيديولوجية والقيود الجيوسياسية الصارمة، يبقى الشرق الأوسط ساحة معقدة تتداخل فيها الحسابات الأمنية مع التوازنات الإقليمية والمصالح الدولية، وهو ما يجعل أي مشروع توسعي واسع النطاق يواجه تحديات هائلة في طريق تحوله من فكرة نظرية إلى واقع سياسي.
في هذا السياق، قد يكون من الأدق القول إن الصراع الدائر اليوم لا يتعلق بمشاريع جغرافية كبرى بقدر ما يتعلق بالحفاظ على ميزان القوى القائم. فالحرب – إن حدثت – لن تكون من أجل «إسرائيل الكبرى»، بل من أجل ضمان بقاء «إسرائيل الصغرى» وأمنها الاستراتيجي في بيئة إقليمية شديدة الاضطراب.
ومع ذلك، لا يمكن تجاهل أن كثيراً من الجدل السياسي والإعلامي في المنطقة قد انشغل طويلاً بفكرة «إسرائيل الكبرى». فقد سال الكثير من الحبر في ترويج هذه التصورات التي تحمل طابعاً أسطورياً أو رمزياً أكثر مما تعكس واقع السياسات الفعلية. وفي أحيان كثيرة، ساهم هذا التركيز في تضخيم سرديات سياسية قد تخدم بعض الأطراف في تعبئة الرأي العام أو تفسير الصراع من زاوية أيديولوجية، بدلاً من قراءة التوازنات الجيوسياسية الفعلية التي تحكم سلوك الدول.
وبينما تستمر هذه السجالات، يبقى الواقع السياسي أكثر تعقيداً من الشعارات الكبرى. فالدول، في نهاية المطاف، تتحرك وفق حسابات القوة والأمن والمصالح، لا وفق التصورات الأسطورية أو المشاريع الرمزية. ولهذا، قد يكون من الضروري إعادة النظر في كثير من المسلّمات التي هيمنت طويلاً على تفسير الصراع في الشرق الأوسط. فجوهر المواجهة الجارية بين إيران وإسرائيل لا يدور حول تحقيق «إسرائيل الكبرى»، بقدر ما يدور حول صراع على الردع والتوازن وبقاء الدولة القائمة في بيئة إقليمية شديدة التقلب.
وفي النهاية، قد تكون الحقيقة أبسط مما تبدو عليه الشعارات: فالحروب في الشرق الأوسط تُخاض غالباً من أجل موازين القوة، لا من أجل الأساطير.
عربي ودولي
الأحد 15 مارس 2026 11:18 مساءً - بتوقيت القدس
تفاؤل أمريكي بقرب انتهاء الحرب مع إيران وتحذيرات من 'كابوس لوجستي' في مضيق هرمز
أعلن وزير الطاقة الأمريكي، كريس رايت، عن توقعات متفائلة بشأن الجدول الزمني للعمليات العسكرية الجارية، مشيراً إلى أن العدوان الأمريكي الإسرائيلي على إيران قد يضع أوزاره خلال الأسابيع القليلة القادمة. وأكد رايت في تصريحات إعلامية أن هذا الصراع يقترب من نهايته الحتمية، مرجحاً أن يحدث ذلك في وقت أقرب مما يتوقعه الكثيرون.
وفيما يتعلق بالتبعات الاقتصادية، شدد الوزير الأمريكي على أن توقف العمليات القتالية سينعكس بشكل إيجابي ومباشر على سوق الطاقة العالمي. وأوضح أن الأسواق ستشهد انتعاشاً ملحوظاً في إمدادات النفط، مما سيؤدي بالضرورة إلى انخفاض الأسعار التي شهدت ارتفاعات قياسية نتيجة التوترات الجيوسياسية الأخيرة.
في المقابل، قوبلت هذه التصريحات بتشكيك من قبل أوساط سياسية في واشنطن، حيث وصف عضو مجلس النواب السابق جيم موران رؤية الوزير بأنها مفرطة في التفاؤل. ورأى موران أن المعطيات على الأرض تشير إلى أن الصراع قد يمتد لشهرين أو ثلاثة أشهر إضافية، مؤكداً أن إنهاء الأزمات المعقدة لا يتم بلمسة سحرية.
وحذر موران من وجود 'كابوس لوجستي' حقيقي في مضيق هرمز، الذي يعد الشريان الأهم لتجارة الطاقة العالمية، حيث لا تزال 46 ناقلة نفط عالقة هناك دون قدرة على الحركة. وأشار إلى أن المخاوف من وجود ألغام بحرية تجعل من مهمة تأمين السفن التجارية في الوقت الراهن أمراً يقترب من المستحيل، مما يفاقم الأزمة.
وتطرق البرلماني السابق إلى التفاوت في التأثر بالأزمة، مبيناً أن الولايات المتحدة وأوروبا تواجهان تهديداً حقيقياً بضربة قوية لأمن الطاقة لديهما. وفي حين تعاني العواصم الغربية، تبدو روسيا والصين في وضع أكثر استقراراً وأماناً نسبياً من تداعيات هذا الصراع الذي أربك حسابات الطاقة الدولية.
الصراع مع إيران سينتهي بالتأكيد خلال الأسابيع القليلة المقبلة، وربما قبل ذلك، وسنشهد بعدها انتعاشاً في الإمدادات.
وعلى الصعيد الداخلي الأمريكي، لفت موران إلى أن إدارة ترمب وضعت نفسها في مأزق سياسي يصعب الخروج منه، خاصة مع اقتراب انتخابات التجديد النصفي في نوفمبر القادم. وأوضح أن الخيارات المتاحة للتعامل مع الصراع محدودة للغاية، عكس ما تروج له الإدارة في خطاباتها الرسمية الموجهة للجمهور.
كما أشار التقرير إلى حالة من الاستياء الشعبي، حيث يجهل قطاع واسع من الأمريكيين الأسباب الحقيقية للانخراط في حرب مباشرة مع إيران، ويرفضون استمرار تمويلها من أموال الضرائب. وتتزامن هذه الضغوط مع أزمات معيشية داخلية تجعل من استمرار الحرب عبئاً لا يطيقه المواطن الأمريكي العادي.
وحذر مراقبون من أن استمرار الصراع سيؤدي إلى قفزات جديدة في أسعار الغاز بمحطات الوقود الأمريكية، حيث تجاوز سعر الغالون بالفعل حاجز الأربعة دولارات. ويرى خبراء أن أزمة الطاقة لن تنتهي بمجرد توقف المدافع، بل قد تمتد آثارها لتجر الاقتصاد العالمي نحو ركود شامل بسبب الاعتماد الكلي على الوقود في الإنتاج.
وخلصت التحليلات إلى أن الكلفة الاقتصادية الباهظة للحرب قد تمثل بداية النهاية لسياسات 'ماغا' المرتبطة بإدارة ترمب، نظراً لتأثيرها المباشر على تكاليف الغذاء والنقل والتدفئة لكل أسرة. ومع تقليص الكادر الوظيفي الحكومي، يبدو أن الإدارة تواجه عاصفة متكاملة الأركان قد تخلف أضراراً هيكلية واسعة في المجتمع الأمريكي.
تحليل
الأحد 15 مارس 2026 10:48 مساءً - بتوقيت القدس
نيران الشرق الأوسط ونبوءة هنتنغتون: هل نعيش فصول 'صراع الحضارات'؟
في مطلع التسعينيات، وبينما كان العالم يحتفي بسقوط جدار برلين معتقداً بوهم 'نهاية التاريخ'، كان صموئيل هنتنغتون يرسم مساراً مغايراً تماماً. رأى هنتنغتون أن غياب الشيوعية لن ينهي الصراعات، بل سيؤدي إلى انزياح في الصفائح التكتيكية للتاريخ لتصبح المواجهات مبنية على الهويات والجذور الثقافية العميقة.
اليوم، ومع انفجار المشهد في الشرق الأوسط، يبدو أن المواجهة بين المثلث الإيراني والأمريكي والإسرائيلي قد تجاوزت حدود السياسة التقليدية لتصبح صراعاً وجودياً عابراً للحدود. هذا التحول يعيد الاعتبار لرؤية هنتنغتون التي وضعت العالم على حافة مواجهة كبرى تتخذ طابعاً حضارياً بامتياز، حيث تتصادم الرؤى الكونية المختلفة.
تشهد المنطقة حالياً عملية تفكيك قسرية لمفهوم الدولة الوطنية التي فُرضت بعد الحرب العالمية الأولى، لصالح ما يمكن تسميته بـ'الأحواض الحضارية'. الصراع الدائر بين طهران وتل أبيب، ومن خلفهما واشنطن، لم يعد محكوماً بالحدود الجغرافية للدول، بل بات يمثل صداماً عند 'خطوط الصدع' التي تفصل بين الحضارات الكبرى.
تمثل إسرائيل في هذا السياق 'الجيب الحضاري الغربي' الذي يتماس مع الحضارة الإسلامية بأقطابها المتعددة، مما يجعل المنطقة بؤرة الصراع الأكثر التهاباً في العالم. الولايات المتحدة لا تتحرك هنا كدولة تبحث عن النفط فحسب، بل كقائد للحضارة الغربية يسعى لحماية تخومه الأمامية في مواجهة محاولات ترميم الحوض الإسلامي.
تتجلى نبوءة هنتنغتون أيضاً في نشوء تحالف استراتيجي بين الحضارة 'الكنفوشيوسية' المتمثلة في الصين والحضارة الإسلامية لمواجهة التحدي الغربي. هذا المحور لم يعد مجرد فرضية أكاديمية، بل واقعاً تترجمه الشراكات العسكرية والاقتصادية العميقة والدعم الدبلوماسي في المحافل الدولية لكسر الأحادية القطبية.
إن الحرب المستترة التي تتخذ من الساحات اللبنانية واليمنية ميادين لها، هي في جوهرها محاولة من 'البقية' لتحدي الهيمنة الغربية المطلقة. تدرك الصين وروسيا أن انكسار الأقطاب الإقليمية المناهضة للغرب يعني تأبيد الهيمنة الغربية، بينما يعني صمودها نجاح أول عملية اختراق كبرى لمنظومة 'الكونية الغربية'.
تُعد إسرائيل في الفكر الهنتنغتوني نموذجاً للدولة التي تمثل رأس حربة لحضارة غريبة في بيئة حضارية مغايرة تماماً. هذا الوضع يجعل الصراع الحالي يعيد تشكيل الوعي الجمعي الشعبي في المنطقة، متجاوزاً الخلافات السياسية البسيطة نحو حالة من العداء الحضاري المتجذر الذي يصعب تجاوزه بالحلول الدبلوماسية التقليدية.
إن ما يعتبره الغرب قيماً عالمية، تعتبره الحضارات الأخرى إمبريالية ثقافية.
تسببت الحرب الحالية في إنهاء أسطورة 'الاندماج الإقليمي' أو مشروع 'الشرق الأوسط الجديد' القائم على المصالح الاقتصادية البحتة. لقد عادت الجغرافيا السياسية الدينية لتتصدر المشهد، حيث يتم فرز المواقف بناءً على الانتماءات الهوياتية الكبرى التي تتجاوز حدود المصالح المادية الضيقة للدول.
انتقلت خطوط الصدع الحضاري من حدود الدول لتصل إلى قلب المدن الغربية نفسها، وهو ما يظهر في الانقسامات الحادة داخل المجتمعات الغربية حول أحداث غزة ولبنان. هذا التصادم الفكري والثقافي يعكس تحذيرات هنتنغتون بشأن المهاجرين الذين يحملون انتماءاتهم الحضارية ولا يندمجون بالكامل في المنظومة الغربية.
يرى المحللون أن الحرب العالمية الثالثة قد لا تكون جيوشاً كلاسيكية تكتسح القارات، بل سلسلة من الحروب الإقليمية على خطوط الصدع تنجذب إليها القوى العظمى. في الصراع الحالي، تنجذب واشنطن لحماية تابعها الحضاري، بينما تسعى إيران لقيادة محور يمتد من المتوسط إلى الخليج لمواجهة هذا النفوذ.
دخول أقطاب مثل الصين وروسيا في هذا الصراع لن يكون من باب التحالف العسكري التقليدي فقط، بل لمنع الحسم الحضاري لصالح الغرب. هذا السيناريو يمثل 'المواجهة العالمية الكبرى' التي تولد من رحم صراعات محلية تكتسب صفة القداسة الثقافية والروحية لدى أطرافها.
ارتكب الغرب خطأً استراتيجياً بمحاولة فرض قيمه كقيم 'عالمية' صالحة لكل زمان ومكان، متجاهلاً خصوصيات الحضارات الأخرى. الصدام الحالي هو تعبير عن رفض قوى إقليمية ودولية لهذا 'السيستم' العالمي الذي صيغ بعد عام 1945، والمطالبة بنظام يقوم على التعددية الحضارية الحقيقية.
إيران في هذا الصراع لا تمثل نفسها كدولة فحسب، بل تقدم نموذجاً هوياتياً يرفض التبعية المطلقة للنموذج الغربي السائد. هذا المحرك الهوياتي هو ما يجعل الصراع يتجاوز القضايا التقنية مثل السلاح النووي أو النفوذ المليشياوي، ليصل إلى جوهر الوجود الثقافي والسياسي.
في الختام، يبدو أن العالم يتجه إما نحو اعتراف متبادل بالمجالات الحيوية الثقافية أو نحو فوضى شاملة لا تبقي ولا تذر. الرهان الحالي على القوة الصلبة لفرض القيم الغربية قد يفتح أبواب الجحيم على صراع لا يحركه البحث عن الأرض، بل الدفاع عن الروح والهوية والانتماء.




