فلسطين

الخميس 19 يناير 2023 9:16 مساءً - بتوقيت القدس

آلاء بواقنة.. لحظات الوداع الأخير لوالدها

جنين –"القدس" دوت كوم-علي سمودي- الرابعة من فجر الخميس، ستصبح ساعة الألم اللامتناهي والجرح الذي لن يضمد بعد اليوم، بل غدت بدقائقها وثوانيها لحظات وجع أبدية سترافق المعلمة آلاء ومحفورة في ذاكرتها ومعها والدتها وشقيقاتها الثلاثة وشقيقيها، بعد الفاجعة الكبرى التي سببها الاحتلال الإسرائيلي بحياتهم، إثر قتله والدها مربي الأجيال جواد فريد بواقنة (58 عاماً)، خلال تأديته واجب اغاثة وإسعاف المقاوم أدهم محمد باسم جبارين (28 عاماً)، الذي أصيب برصاص قناص إسرائيلي خلال العدوان على مخيم جنين فجر اليوم.


وسط مشاعر الحزن والدموع، روى الشاب فريد باكورة أبناء عائلته لــ"القدس" دوت كوم، أنه خلال اقتحام الاحتلال لعدة مناطق في أطراف المخيم لم يتوقف صوت الرصاص والانفجارات، وفجأة سمعت شقيقته آلاء، صوت صراخ واستغاثة قريبة من منزلها الواقع وسط الساحة الرئيسية في المخيم، والتي كان تسلل القناصة لمنازلها ونصبوا فرق الرصد والقتل على شرفاتها دون أن يتنبه لهم أحد، بسبب الهجمة الكبيرة على المخيم.


ويضيف: "شاهدت شقيقتي شاباً ممداً على الأرض ومضرجاً بالدماء، فبدأت تصرخ وتستغيث وأيقظت والدي، فخرجنا لإنقاذه ومساعدته وسحبه لمدخل منزلنا الذي لا يبعد عنه سوى مترين، لكن كان جسده ثقيل".


ويتابع: "تعاونت ووالدي بسحب الجريح جبارين، وفجأة وقع والدي أرضاً، بعدما أصيب بعيار ناري في الصدر كما يبدو من نفس القناص القاتل، ووقع لجانب الجريح الأول وهو ينزف بشدة، وقد اتصلنا بسيارات الإسعاف، لكن كانت الكارثة الكبرى أن الاحتلال منعها من التنقل والوصول للمصابين".


رغم الخطر، وانتشار الاحتلال ودورياته وقناصته، وأزيز الرصاص، خاطرت آلاء بحياتها، وصممت على نقل والدها للمشفى، بسرعة قفزت لمركبتها، ودون تردد أو تفكير أو خوف، حملت والدها مع شقيقها لداخل مركبة العائلة وطلبت منه النطق بالشهادتين، وقادتها بسرعة جنونية عبر الأزقة حتى وصلت لمشفى ابن سينا، وهي في حالة انهيار وصدمة شديدة.


ستتوقف عقارب الزمن في حياة كريمة الشهيد آلاء عند الساعة الرابعة، والتي ستكون أسوأ لحظة في عمرها، الذي لم تعرف فبه سوى الحنان والدلال والحب والوفاء، والتي ذهبت بلا رجعة بعدما سرق رصاص الاحتلال روح والدها الذي يرتبط بكريماته بعلاقة وطيدة ووثيقة، لكن حتى لحظة إعداد التقرير ما زالت آلاء لا تتذكر كيف قادت المركبة وسط زخات الرصاص، وتوالي الانفجارات ووصلت لغرفة الطوارئ.


وتقول: "إصابة والدي، قتلتني وصدمتني، لم أفكر سوى بإيصاله للمشفى مهما كانت المخاطر وإنقاذ حياته، فهو كل حياتنا وروحنا، ونفديه بدمنا، فقد نذر حياته لنا، ربانا أحسن تربية، وعملنا أفضل تعليمه، واخترت مهنة التدريس لحبي له وعشقي الذي تعلمته على يدية".


وتضيف: "شعرت في الطريق، أن كل شيء أمامي أسود، اسودت الدنيا بوجهي، لكن قاتلت وكافحت على أمل الوصول في الوقت المناسب وإنقاذ حياته".


مذعورة وباكية وحزينة، وصلت الآء للمشفى، وصرخات الاستغاثة تسبق خطواتها، وعندما بدأ الأطباء بمحاولاتهم لإنقاذ والدها، رفضت مغادرة غرفة الطوارئ ، أصرت على ملازمته، لكن صور الدماء التي غمرت جسده ووجهه، أدت لانهيارها، وفشلت كل المحاولات لإقناعها في الخروج من الغرفة، التي لو نطقت جدرانها، لبكت حزناً وألماً على الحالة التي وصلت إليها، الابنة التي لا ينام والدها دون تقبيلها وعناقها وشقيقتها كل ليلة.


من زاوية لأخرى، تنقلت الآء وهي تتابع محاولات الأطباء إنعاش قلب والدها، تارةً تصرخ حتى تقع أرضاً ثم تنهض، وتناشد الأطباء إنقاذ والدها وإعادته لها، وهي تصفه بالغالي والحبيب والأغلى من الروح، وتارةً أخرى تجلس تحت قدميه وهي تمسك بها بشدة، وتناجيه وتناديه: "انهض يابا، ما تتركنا، خليك قوي، طول عمرك قوي، ما تهدنا"، لكن الوالد لم يسمع صرخات كريمته، فقد كان يعاني سكرات الموت الأخيرة، فانتفضت بسرعة، وافترشت الأرض قبالة وجهه المضرج بالدماء، وتكرر النداء للأطباء حتى يعيدوه لها، حتى قضت أكثر من 30 دقيقة في حالة بكاء وانهيار، أثارت غضب ومشاعر كل من شاهدها، فأبكت الجميع الذين عجزوا عن تخفيف أوجاعها أو التأثير عليها، فكلما مر الوقت، تزداد غضباً وثورة، بينما لم تتمكن اسرتها من اللحاق بها، بسبب حصار الاحتلال للمخيم، وقطع الطرق للخروج منه.


بعدما لفظ الشهيد جواد أنفاسه الأخيرة، أخفت الطواقم الطبية الخبر عن آلاء التي كانت ترقب حركتهم، وما كاد يعلن الخبر، حتى ألقت بنفسها فوق جسد والدها وسط انهيار وصراخ ودموع، ازدادت، عندما وصلت أسرتها، فشقيقها البكر فريد وشقيقها الثاني، لم يحتملا هول الصدمة، وبكيا بحرقة ولوعة، بينما تعالت الصرخات في منزل الشهيد الذي غادره لإنقاذ جريح وسيعود إليه شهيداً.


ويقول: "فريد " لم ولن أصدق، حتى بعدما شاهدت جثمانه، والدي سيبقى حي وروحه تلازمنا ، لا يوجد له مثيل في كل العالم، تلك الرصاص الحاقدة قتلتنا جميعاً".


بعد إعلان استشهاد القائد في كتيبة جنين والمربي جواد بواقنة، عمت أجواء الحزن والغضب في مخيم جنين، وتوافد الأهالي للمستشفيات ومنزلي ذويهما لمؤازرتها والتخفيف عنها، لكن شكلت لحظات التشيع والوداع الأخيرة صور مؤلمة وصعبة، وبالدموع والزغاريد استقبل وودع المربي بواقنة لدى مغادرته الأخيرة لمنزله، ووقفت زوجته وكريماته على بوابة المنزل، تلوحان بشارات الوداع  وسط الدموع.


وقالت كريمته صمود: "مع السلامة وربي يتقبلك شهيداً، كيف سنعيش بدونك، لم يكن مجرد أب لنا، كان صديقنا ورفيقنا ومعلمنا وقدوتنا وعلاقته فينا مميزة وكبيرة، كل يوم يصيحنا على صلاة الفجر لنؤديها سوياً، ثم يجهز لنا الفطور، ويتابع أخبارنا".


وتضيف: "في أخر ليلة له بمنزلنا، قال لوالدتي أنه في هذه الليلة يشعر أنه مرتاح جداً وبشكل طبيعي، اتصل علي كوني أدرس في جامعة بيرزيت، وقال لي "تعالي شوفي دارنا صارت عالية أقرب للسماء، لأنه كان يبني بيتًا لشقيقي على سطح المنزل، ووعدته بالعودة بسرعة لنفرح معاً، ولم أتوقع أنني سأعود لأودعه".


وتكمل: "سنبقى نبكي طوال العمر على والدي"، وفي أخر كلمات الوداع لوالدها، قالت صمود: "يا رفيق العمر رحلت أنت وبقي العمر الذي لن يكون له معنى بعد فراقك".

دلالات

شارك برأيك على آلاء بواقنة.. لحظات الوداع الأخير لوالدها

شارك دون الحاجة الى التسجيل.

يرجى التعليق باللغة العربية.

فريق عمل القدس دوت كوم

مشاركات القراء

عبد الرحمن زكارنه

السّبت 21 يناير 2023 8:03 مساءً

مليون رحمة لروحه وأرواح جميع امواتنا وشهدائنا. بدون شك قصة مؤثرة جدا.

سونه سليمان

السّبت 21 يناير 2023 2:28 مساءً

رحمه الله واسكنه الفردوس الاعلى من الجنه مع الانبياء. الشهداء والصديقين عظم الله اجركم حبيبتي الاء وانا لله وانا اليه راجعون

محمد

السّبت 21 يناير 2023 10:41 صباحًا

انا لله وانا اليه راجعون هذه هي حالنا يامن تدعون الانسانية يا عالمنا العربي والاسلامي وياعالم الغرب المنحازون

نجود الاحمد

السّبت 21 يناير 2023 12:22 صباحًا

ياحبيبتي يا الاء ربنا يرحمه ويتقبله استاذ جواد استاذنا كلنا ومابستغرب انه يكون روحكم وحياتكم ونعم الاب لانه كان نعم الاستاذ والمعلم والصديق والاب لطلابه وكان يضفي احلى اجواء لاي مكان يتواجد فيه

ام نضال العمري

الجمعة 20 يناير 2023 11:21 مساءً

الله يرحمه ويغفر له ويجعل ماواه الجنه ويصبر عيلته

ام تامر علاجمه

الجمعة 20 يناير 2023 10:35 مساءً

الله يرحمه ويجعل مثواه الجنه الله يصبركم على فراقه انا لله وإنا إليه راجعون

شريف عندالله الغول

الجمعة 20 يناير 2023 2:09 مساءً

الله يرحمه ويتقبله من الشهداء والصديقين وعظم الله اجركم وربنا يصبركم على فراقه وانا لله وانا اليه راجعون

شيرين اللبدي

الجمعة 20 يناير 2023 12:08 مساءً

ربنا اختاره شهيدا بالفردوس الأعل أيوجد أكثر كرامه من هذا والدك فخور بك فما قمت به عجز عنه الرجال ...ربط الله على قلبك فوالدك أكيد فخور بك

رشا نصرالله

الجمعة 20 يناير 2023 11:29 صباحًا

لا حول ولاقوة الابالله العلي العظيم الله يرحمه ويغفرله ويسكنه فسيح جناته الله يصبركم ويكون معكم معلمتي

محمدجرادات

الجمعة 20 يناير 2023 9:14 صباحًا

رحم الله الشهيد البطل

نبيلة جعافرة

الجمعة 20 يناير 2023 8:09 صباحًا

رحم الله الشهيد البطل وغفر له وألهم أهله الصبر والسلوان ذاك البيت الذي اقترب من السماء أبدله الله بيتاً في الجنة هناك سيكون لقاؤكم الأبدي فصبر جميل ..كان الله بعونكم وربط على قلوبكم

عائشه الرواشده

الجمعة 20 يناير 2023 7:48 صباحًا

عظم الله أجركم اللهم تقبله شهيدا مع النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقا واربط على قلب أسرته وصبرهم واخلفهم في مصيبتهم خيرا وإنا لله وإنا إليه راجعون.

نوال عيسى

الجمعة 20 يناير 2023 6:53 صباحًا

الله يرحمه ويغفر له ويسكنه فسيح جناته يارب العالمين ويتقبله شهيدآ مع الشهداء والصديقين والصالحين وحسن أولئك رفيقا ربنا يصبر اهله وذويه اللهم اجعل عمله في ميزان حسناته يارب العالمين

محمد ابو العبد شلبي

الخميس 19 يناير 2023 11:13 مساءً

الشهيد المربي الفاضل جواد بوفاته رحمه الله واسكنه فسيح جناته كان من رواد المسجد وفي الفتره الأخيرة كان يجلب معه زجاجة عطر الفاخر ويبدأ يعطر المصلين وكان الشهيد جواد في شهر الخير والبركات

إشترك الآن النشرة البريدية آخر الأخبار من القدس دوت كوم
By signing up, you agree to our Privacy Policy
طقس القدس

الأربعاء

8- 16

الخميس

8- 16

الجمعة

9- 17
أسعار العملات
  • دولار أمريكي / شيكل شراء 3.39 بيع 3.41
  • دينار أردني / شيكل شراء 4.79 بيع 4.81
  • يورو / شيكل شراء 3.69 بيع 3.71

الجمعة 27 يناير 2023 7:47 صباحًا

الأكثر قراءة

الأكثر تعليقاً