هي سنةٌ إلهيةٌ أن يتغير البشر، ويتغير معهم الاستخلاف من جيلٍ إلى آخر. وهذا لا يعني أن الأجيال القادمة أضعف وأوهن كما يعتقد كبار السن؛ فالواقع والتاريخ يشهدان أن الكثير من المجتمعات انتقلت إلى مراحل قوة من بعد ضعفٍ ويأس قد يكون استمر لأجيالٍ وقرون. وقد يكون للأمم الماضية الفضل في تقدم من جاء بعدهم، ولكن شريطة أن يكون الأسلاف واعين بمعنى المستقبل، وعلى استعدادٍ لأن يؤسسوا لحضارةٍ كبرى لأحفادهم، حتى ولو لم يروا ثمارها في زمنهم.
وبالنسبة لنا -نحن العرب- فإننا ورثنا الهزائم والنكبات السياسية، وضياع الأوطان، وتمزق الأمة إلى جماعاتٍ متناحرة وجغرافياتٍ لا تعترف ببعضها البعض، بخلاف ما كان عليه الحال قبل قرنٍ ونصفٍ تقريباً؛ يوم كانت البلاد كلها أرضاً واحدة، يعيش فيها الناس ويتنقلون بلا قيود، وبلا نزعاتٍ شعبوية كالتي نراها شائعةً اليوم فيما بين الأمة الواحدة.
أي أن الواقع الراهن والمرير للشعوب العربية هو نتاجٌ طبيعي لتفريط الأجيال السابقة، ولكن هذا لا يعني نهاية العالم؛ فأمام كل جيل فرصة أن يعيد تعريف الصراع من الصفر، وأن يرسم للأمة مساراً قابلاً للنصر ولو بعد حين. وكفانا أن نبقى في صف الحق والعدالة حتى ولو متنا وهلكنا قبل أن نرى النصر الذي عملنا وجاهدنا من أجل الوصول إليه؛ فالحياة مبدأ وليست مادة، والأشرف أن نبقى أوفياء لمبادئنا الإلهية السامية التي تضمن خلاصنا من الشر، وتحرير الأجيال القادمة -وحتى البشرية جمعاء- من الكابوس الصهيوني الجاثم على سياسة الشعوب واقتصادها، والذي نجح إلى حدٍ كبير في إعادة تعريف العالم وفق منهجية شيطانية بحتة، تقوم على الرأسمالية المتوحشة على حساب الإنسان والدين.
ولنا في غزة عبرة كبيرة؛ فالشعب الفلسطيني اليوم أشرس بكثير من جيلي النكبة والنكسة، وعلى استعدادٍ لأن يقدم التضحيات، وأن يدخل في صراع أبدي لاستنزاف العدو. ورغم أن هذا الجيل لم يعايش الهزائم السابقة، ومولود كلياً في زمن الاحتلال، إلا أنه لم يستسلم للعبودية، وتجاوز كل قيودها النفسية والميدانية؛ ليعيش حراً، ويدفع ثمن هذه الحرية من دمه ولقمة عيشه. ولو كان أسلاف العرب القريبون بهذه القوة، لما سقطت فلسطين ولما عرفنا أي احتلالٍ غربي على أرضنا.
إن مسألة تحرير فلسطين باتت مسألة إمكانيات وظروف جيوسياسية مواتية؛ فقد تتبدل الأوضاع بين يوم وليلة، فتتغير المعادلة ونرى رجال فلسطين من جديد فوق دبابات العدو رغم فارق الإمكانيات والسلاح. ولو قيل لنا قبل "طوفان الأقصى" بأن قلة من صبية غزة سيكسرون شوكة العدو، ويتجاوزون الخط الأخضر، ويأسرون المئات من الصهاينة، لجزمنا باستحالة الأمر. وهكذا هي الحياة؛ أجيال تأتي لكسر القيود التي فرضها العدو، وعدو يراهن على بقاء القيود ليستمر في استعباده لنا، إلا أن التغيير سنة إلهية ثابتة، والأقوياء اليوم هم ضعفاء في الغد، والتاريخ يشهد لنا بذلك. وفي اليهود أنفسهم عبرة لنا، فقد كانوا أضعف الأمم على الإطلاق قبل أن يتحولوا إلى أمةٍ تقهر العالم بفعل التخطيط ووسائل القوة والمال، بالإضافة إلى ثقافة الأحقاد التي ورثوها من أسلافهم، وهكذا ستكون نهاية مشروعهم التدميري.
السياسية || محمد محسن الجوهري
https://www.alsyasiah.ye/466140
https://t.me/AljawharyM/2363





شارك برأيك
قواعد الصراع تتغير مع الأجيال