مقابلات اختيار "قادة المدارس": بين ميزان الكفاءة وتحديات الواقع
بقلم: الأستاذ أمين نمروطي
تُعد المدرسة الخلية الأولى في بناء المجتمع، ومديرها هو "المايسترو" الذي يقود هذه الخلية نحو النجاح أو الفشل. ومع انطلاق موسم مقابلات توظيف مديري المدارس في وزارة التربية والتعليم للعام الدراسي 2026/2025، يعود التساؤل القديم الجديد إلى الواجهة: هل تعكس هذه المقابلات القدرات القيادية الحقيقية للمرشحين، أم أنها مجرد إجراء روتيني يغلب عليه الطابع النظري؟
المعايير المعلنة: طموح مهني عالي
تؤكد وزارة التربية والتعليم في أدبياتها أن اختيار المدير يستند إلى معايير صارمة؛ تبدأ باجتياز اختبار تحريري (بحد أدنى 60%)، ثم الانتقال للمقابلة الشخصية التي تقيس السمات القيادية، القدرة على التخطيط الاستراتيجي، وحل المشكلات. الوزارة تسعى من خلال هذه اللجان -التي تضم خبراء من المعهد الوطني للتدريب التربوي وديوان الموظفين- إلى ضمان "عدالة الاختيار" وتثبيت مبدأ الجدارة.
الواقع في غرف المقابلات: هل تكفي "نصف ساعة"؟
بينما تصر الوزارة على شفافية العملية، تبرز في الميدان التربوي أصوات تشير إلى وجود فجوة بين "النموذج المثالي" و"الممارسة الواقعية". فالمرشح الذي قضى سنوات في الغرف الصفية يجد نفسه أمام لجنة في مقابلة لا تتجاوز مدتها ثلاثين دقيقة، مطلوب منه فيها إثبات قدراته القيادية.
ويرى تربويون أن الإشكالية تكمن في تركيز بعض اللجان على "الذاكرة المعرفية" (حفظ القوانين والأنظمة) أكثر من "الكفايات السلوكية". فالقيادة ليست مجرد استظهار للمواد القانونية، بل هي قدرة على إدارة الأزمات، والذكاء العاطفي في التعامل مع المعلمين والطلبة، والقدرة على التشبيك مع المجتمع المحلي.
هواجس "الواسطة" والشفافية
لا يمكن عزل أي عملية توظيف حكومي عن هواجس "المحاصصة" أو "التدخلات"، وهي مخاوف تطل برأسها رغم كل إجراءات الحوكمة. الواقع يقول إن المعيار الرقمي (علامة الاختبار + الأقدمية) يعطي حماية للمرشح، لكن "علامة المقابلة" تظل هي المتغير الذي يثير الجدل، لقدرتها على رفع مرشح أو خفض آخر، مما يضع أعضاء اللجان تحت مسؤولية أخلاقية ووطنية كبرى.
الحلول المقترحة: من "المقابلة" إلى "المحاكاة"
لتجاوز القصور في النظام الحالي، يقترح خبراء تطوير نظام الاختيار ليشمل:
اختبارات المحاكاة (Simulation): وضع المرشح في مواقف إدارية حقيقية وقياس ردة فعله العملية.
التقييم المتعدد: إشراك معلمين وزملاء (بسرية) لتقييم السلوك القيادي للمرشح في موقعه الحالي.
تفعيل "السنة التجريبية": التشدد في التقييم خلال السنة الأولى من التكليف، بحيث لا يتم التثبيت إلا بعد إثبات أثر ملموس في المدرسة.
خلاصة القول: إن تطوير منظومة اختيار مديري المدارس في فلسطين ليس ترفاً إدارياً، بل هو استثمار في مستقبل الأجيال. فالمقابلة ليست "نهاية المطاف"، بل هي بوابة العبور لشخص سيؤتمن على تشكيل وعي آلاف الطلبة. الشفافية ليست في إعلان النتائج فقط، بل في قناعة الميدان التربوي بأن "الرجل المناسب" قد وصل فعلاً إلى "المكان المناسب".





شارك برأيك
مقابلات اختيار "قادة المدارس": بين ميزان الكفاءة وتحديات الواقع