في الخامس من حزيران/يونيو 1967 شنت إسرائيل حرباً خاطفة غيّرت وجه المنطقة العربية وأعادت رسم خرائطها السياسية والعسكرية، وخلال ستة أيام فقط تمكنت من احتلال الضفة الغربية بما فيها القدس الشرقية وقطاع غزة وسيناء والجولان السوري المحتل، لتتحول تلك الحرب إلى نقطة مفصلية في تاريخ الصراع العربي الإسرائيلي، لكن السؤال الذي يفرض نفسه اليوم، مع استمرار الحرب الإسرائيلية على غزة وتوسعها إلى جبهات أخرى في لبنان وسوريا وإيران، هو: هل انتهت حرب حزيران فعلاً أم أنها ما زالت مستمرة بأشكال مختلفة حتى اليوم؟
عند النظر إلى المسار التاريخي للصراع، تبدو حرب 1967 أكثر من مجرد مواجهة عسكرية انتهت بتوقيع اتفاقيات سلام أو تثبيت خطوط وقف إطلاق النار، فقد أسست تلك الحرب لعقيدة إسرائيلية جديدة تقوم على التفوق العسكري المطلق والردع بالقوة وفرض الوقائع على الأرض، ومنذ ذلك التاريخ أصبحت إسرائيل تتعامل مع محيطها باعتباره فضاءً أمنياً مفتوحاً يحق لها التدخل فيه عسكرياً كلما رأت أن مصالحها أو هيمنتها مهددة.
وتكشف المقارنة بين حرب حزيران والحرب الراهنة على غزة عن تشابهات لافتة، ففي الحالتين سعت إسرائيل إلى تقديم نفسها باعتبارها القوة الإقليمية الأبرز في الشرق الأوسط والقادرة على إعادة تشكيل المنطقة وفق مصالحها، وفي الحالتين أيضاً ظهر الاعتماد الإسرائيلي المطلق على الولايات المتحدة سياسياً وعسكرياً ودبلوماسياً، سواء من خلال الدعم العسكري المباشر أو الحماية السياسية في المحافل الدولية.
لكن التشابه الأهم يتمثل في النظرة الإسرائيلية للأمن، فإسرائيل لم تتبنَّ يوماً مفهوم الأمن القائم على العدالة أو التسوية السياسية المتوازنة، بل اعتمدت مفهوم "الأمن المطلق"، أي أمنها هي فقط، حتى لو تحقق ذلك على حساب حقوق الشعوب الأخرى واستقرار المنطقة بأكملها، ولهذا فإن كل جولة حرب جديدة كانت تهدف إلى تكريس تفوقها وإضعاف خصومها ومنع ظهور أي قوة قادرة على تحدي هيمنتها.
وخلال ما يقارب ثمانية عقود من عمر الدولة العبرية، لم تكن الحروب استثناءً في تاريخها بل كانت القاعدة، فمنذ عام 1948 خاضت إسرائيل سلسلة طويلة من الحروب والصراعات العسكرية ضد الدول العربية وضد حركات المقاومة الفلسطينية واللبنانية، وقد تحولت القوة العسكرية إلى أداة مركزية في إدارة علاقاتها الإقليمية، بينما تراجع الخيار السياسي لصالح منطق الردع والاغتيال والتدمير والحصار.
واللافت أن معظم الحروب التي خاضتها إسرائيل بعد عام 1967 لم تكن منفصلة عن نتائج تلك الحرب، بل جاءت لتأكيدها وحمايتها وتوسيع آثارها، فالحروب على لبنان، والاعتداءات المتكررة على غزة، وقمع الانتفاضات الفلسطينية، والضربات العسكرية في سوريا، جميعها كانت تدور في إطار الحفاظ على موازين القوة التي أنتجتها حرب حزيران وترسيخ واقع الاحتلال والتفوق العسكري الإسرائيلي.
أما الحرب الحالية التي اندلعت في أعقاب أحداث السابع من أكتوبر، فقد أخذت هذا المنطق إلى مستوى غير مسبوق، فإسرائيل لا تخوض حرباً ضد قطاع غزة فحسب، بل تدير مواجهة متعددة الساحات تمتد من فلسطين إلى لبنان وسوريا وصولاً إلى إيران، وهي حرب ما زالت مفتوحة على احتمالات عديدة، في ظل غياب رؤية سياسية واضحة لمستقبل المنطقة أو حتى لمستقبل إسرائيل نفسها بعد انتهاء العمليات العسكرية.
ومن المفارقات أن إسرائيل، رغم تفوقها العسكري الهائل، تبدو اليوم أكثر انخراطاً في دوامة الصراعات من أي وقت مضى، فالحروب المتلاحقة لم تنتج استقراراً دائماً، ولم توفر الأمن المطلق الذي وعدت به الحكومات الإسرائيلية المتعاقبة، بل أسهمت في تعميق حالة العداء وعدم الاستقرار وإبقاء المنطقة في حالة اشتعال دائم.
لذلك يمكن القول إن حرب حزيران 1967 لم تنتهِ فعلياً، بل ما زالت حاضرة في سياسات الاحتلال وعقيدته الأمنية وسلوكه العسكري و السياسي، وما يجري اليوم في غزة ولبنان وسوريا ليس سوى امتداد لمسار بدأ قبل نحو ستة عقود، عندما اعتقدت إسرائيل أن القوة وحدها قادرة على حسم الصراع، غير أن التجربة التاريخية تثبت أن الحروب قد تصنع انتصارات عسكرية مؤقتة، لكنها لا تستطيع وحدها أن تصنع سلاماً دائماً أو استقراراً حقيقياً في منطقة ما زالت تعيش تداعيات حزيران حتى هذه اللحظة.
حزيران المستمر: لماذا لم تغادر إسرائيل منطق الحرب منذ تأسيسها؟
23 مشاهدة
0 تعليق





شارك برأيك
حزيران المستمر: لماذا لم تغادر إسرائيل منطق الحرب منذ تأسيسها؟