في السياسة، ليست المشكلة في إجراء الانتخابات بحد ذاتها، بل في السياق الذي تُجرى فيه، وفي الأهداف الحقيقية التي تقف خلفها، وفي النتائج المتوقعة منها. ومن هذه الزاوية تحديداً، تبدو الدعوات المتجددة لانتخابات المجلس الوطني الفلسطيني أقرب إلى محاولة لإعادة تدوير الأزمة الوطنية منها إلى مشروع إصلاح حقيقي للنظام السياسي الفلسطيني. إنها، وفق هذا المنظور النقدي، جعجعة بلا طحين، ومسرحية سياسية جديدة تأتي استكمالاً لمسار بدأ منذ سنوات طويلة، ومنذ المؤتمر الثامن لحركة فتح، حيث جرى تكريس معادلات القوة القائمة بدلاً من مراجعتها أو تجاوزها.
لقد تحوّل المجلس الوطني، الذي كان يفترض أن يكون برلمان الشعب الفلسطيني في الوطن والشتات، إلى ساحة للصراع على الشرعية أكثر منه إطاراً جامعاً لإعادة بناء المشروع الوطني. فبدلاً من أن تكون الانتخابات مدخلاً لتجديد المؤسسات وإعادة الاعتبار للإرادة الشعبية، يجري توظيفها لتثبيت موازين القوى القائمة وإضفاء غطاء سياسي وقانوني على واقع سياسي مأزوم يعاني من أزمة تمثيل وأزمة شرعية وأزمة برنامج وطني في آن واحد.
الأكثر خطورة أن هذه العملية تأتي في ظل تجاهل واضح لقرارات المؤسسات الفلسطينية نفسها. فالمجلس المركزي الفلسطيني اتخذ في أكثر من دورة قرارات واضحة بوقف التنسيق الأمني مع الاحتلال وإعادة النظر في مجمل العلاقة السياسية والاقتصادية معه. غير أن هذه القرارات بقيت حبراً على ورق، ولم تجد طريقها إلى التنفيذ. وهنا يبرز السؤال الجوهري: ما قيمة المؤسسات إذا كانت قراراتها لا تُحترم؟ وما معنى الحديث عن انتخابات جديدة إذا كانت مخرجات المؤسسات القائمة نفسها تُعطّل عندما تتعارض مع مصالح النخبة الحاكمة؟
المشهد يكشف عن مفارقة عميقة. فمن جهة، يجري الترويج لخطاب الإصلاح والتجديد الديمقراطي، ومن جهة أخرى يستمر النهج السياسي ذاته الذي أثبت عجزه عن تحقيق أي تقدم في مسار التحرر الوطني أو حماية الحقوق الفلسطينية. والنتيجة هي إعادة إنتاج الطبقة السياسية نفسها، بالأدوات نفسها، وبالتحالفات الاقتصادية نفسها، وبالرهانات السياسية ذاتها التي أوصلت الحالة الفلسطينية إلى هذا المستوى من التآكل والانقسام والضعف.
ولا يمكن فهم هذه الأزمة بمعزل عن البعد الاقتصادي. فثمة تشابك موضوعي بين مراكز النفوذ السياسي ومراكز القوة الاقتصادية، حيث نشأت خلال العقود الماضية طبقة مصالح ارتبطت استمراريتها ببقاء الوضع القائم. هذه الطبقة تستفيد من اقتصاد مقيد باتفاقيات سياسية وأمنية واقتصادية مع الاحتلال، وتستفيد من تدفقات التمويل الخارجي ومن البنية البيروقراطية التي نشأت حول السلطة الفلسطينية. ومن هنا يصبح الحفاظ على الاستقرار القائم أولوية لهذه النخب، حتى لو كان ذلك على حساب المشروع الوطني التحرري.
إن العلاقة بين رأس المال السياسي ورأس المال الاقتصادي لم تعد مجرد تداخل عابر، بل أصبحت جزءاً من بنية السلطة ذاتها. ولذلك فإن أي حديث عن إصلاح حقيقي يصطدم مباشرة بمصالح شبكات النفوذ التي ترى في استمرار الوضع الراهن ضمانة لبقائها واستمرار امتيازاتها. وفي مثل هذه الظروف تتحول المؤسسات التمثيلية، بما فيها المجلس الوطني والمجلس المركزي واللجنة التنفيذية، إلى أدوات ضمن منظومة إدارة الأزمة بدلاً من أن تكون أدوات لتغييرها.
من منظور استراتيجي، فإن أخطر ما تواجهه القضية الفلسطينية اليوم ليس فقط الاحتلال وسياساته الاستعمارية، بل أيضاً حالة العجز البنيوي داخل النظام السياسي الفلسطيني. فالاحتلال يدرك أن استمرار الانقسام الداخلي، واستمرار ارتهان القرار الوطني لحسابات السلطة والمصالح الاقتصادية، يشكلان أحد أهم مصادر قوته. ولذلك فإن أي عملية سياسية لا تبدأ بإعادة بناء العلاقة بين الشعب ومؤسساته على أسس ديمقراطية حقيقية ستبقى عاجزة عن إنتاج تحول وطني فعلي.
في ضوء ذلك، يبرز خيار العصيان المدني الشامل باعتباره أحد أشكال المقاومة الشعبية القادرة على إعادة المبادرة إلى المجتمع الفلسطيني نفسه. فالعصيان المدني لا يستهدف فقط الاحتلال، بل يهدف أيضاً إلى استعادة المجتمع لدوره التاريخي كمصدر للشرعية والضغط والتغيير. إنه أداة لإعادة التوازن بين السلطة والمجتمع، وبين القيادة والقاعدة الشعبية، وبين المصالح الخاصة والمصلحة الوطنية العامة.
غير أن نجاح أي عصيان مدني يتطلب شروطاً موضوعية، أهمها وجود قيادة وطنية موحدة، وبرنامج سياسي واضح، ورؤية استراتيجية تتجاوز ردود الأفعال الآنية. فالعصيان ليس شعاراً رومانسياً، بل عملية سياسية واجتماعية مركبة تستند إلى تنظيم جماهيري واسع وإلى قدرة على الصمود وتحمل التكاليف.
إن القضية الفلسطينية تقف اليوم عند مفترق طرق تاريخي. فإما الاستمرار في دوامة إعادة إنتاج المؤسسات والأشخاص والسياسات ذاتها، وإما الشروع في مراجعة وطنية شاملة تعيد تعريف الأولويات وتعيد بناء النظام السياسي على أسس المشاركة والمساءلة والمقاومة الشعبية. أما الاكتفاء بتغيير الواجهات مع بقاء البنية ذاتها، فلن يؤدي إلا إلى تعميق الأزمة وتأجيل الانفجار.
ولهذا فإن السؤال الحقيقي هو ليس هل ستُجرى انتخابات المجلس الوطني؟ بل: هل ستؤدي هذه الانتخابات إلى تغيير جوهري في طبيعة النظام السياسي ووظيفته الوطنية؟ إذا كان الجواب بالنفي، فإن ما يجري لن يكون أكثر من حلقة جديدة في مسلسل إدارة الأزمة، فيما تستمر القضية الوطنية في دفع الثمن، ويستمر الشعب الفلسطيني في انتظار لحظة الخروج من المأزق.
وفي السياسة، كما في التاريخ، لا توجد أزمات أبدية، لكن النهايات السعيدة لا تصنعها النخب المتشبثة بمصالحها، بل تصنعها الشعوب عندما تستعيد إرادتها وقدرتها على فرض التغيير.
اليوم يعيش ملايين الفلسطينيين في مخيمات لبنان وسوريا والأردن وفي الشتات البعيد تحت ظروف اقتصادية واجتماعية وإنسانية بالغة الصعوبة. أجيال كاملة وُلدت في المنافي وما زالت تحمل مفاتيح العودة وذاكرة القرى والمدن المهجرة، بينما تتراجع مكانتها تدريجياً في أولويات النظام السياسي الفلسطيني. لقد تحولت قضية اللاجئين، التي كانت في الماضي مركز المشروع الوطني الفلسطيني، إلى ملف مؤجل في الممارسة السياسية اليومية، رغم أنها تمثل جوهر الصراع مع المشروع الاستعماري الاستيطاني القائم على اقتلاع الشعب من أرضه.
إن المأساة لا تقتصر على التدهور المعيشي أو غياب الحماية السياسية والاجتماعية، بل تمتد إلى غياب المؤسسات القادرة على تمثيل جوع هؤلاء اللاجئين وآلامهم وتطلعاتهم الوطنية. فالكثير من تجمعات الشتات الفلسطينية تشعر اليوم بأنها خارج دائرة التأثير الحقيقي في صناعة القرار الوطني، وأن أصواتها لم تعد حاضرة بالوزن الذي يتناسب مع حجمها ودورها التاريخي وتضحياتها الممتدة عبر عقود طويلة.
ومن الناحية القانونية والسياسية، فإن أي حديث عن إعادة بناء الشرعية الفلسطينية يبقى ناقصاً ما لم يضمن مشاركة حقيقية وفاعلة لفلسطينيي الشتات في اختيار ممثليهم وصياغة مستقبلهم الوطني. فاللاجئون ليسوا مجرد ملف إنساني أو ديموغرافي، بل هم أصحاب حق سياسي وقانوني أصيل، وحقهم في العودة ليس شعاراً عاطفياً بل حقاً ثابتاً في القانون الدولي وفي الذاكرة الوطنية الفلسطينية.
إن إقصاء أصوات اللاجئين أو اختزال تمثيلهم في ترتيبات فوقية يهدد بتحويل المجلس الوطني من مؤسسة تمثيلية جامعة إلى إطار سياسي محدود التمثيل. فشرعية أي مؤسسة فلسطينية لا تُقاس فقط بعدد المشاركين فيها، بل بقدرتها على تمثيل المكونات كافة للشعب الفلسطيني أينما وجدت، من القدس إلى غزة، ومن الضفة الغربية إلى مخيمات لبنان وسوريا، ومن المنافي العربية إلى الشتات العالمي.
ولهذا فإن السؤال المركزي الذي يفرض نفسه اليوم هو: كيف يمكن الحديث عن انتخابات للمجلس الوطني في الوقت الذي يغيب فيه ملايين الفلسطينيين في الشتات عن عملية صنع القرار الوطني؟ وكيف يمكن لمؤسسة تدّعي تمثيل الشعب الفلسطيني أن تتجاهل الكتلة الأكبر من هذا الشعب، وهي الكتلة التي ما زالت تحمل قضية العودة باعتبارها جوهر الهوية الوطنية الفلسطينية؟
إن إعادة الاعتبار لفلسطينيي اللجوء والشتات ليست مسألة إجرائية مرتبطة بآليات التصويت فقط، بل هي معركة سياسية تتعلق بإعادة تعريف المشروع الوطني نفسه. فالشعب الفلسطيني ليس سكان سلطة أو جغرافيا محددة، بل شعب واحد موزع بين الوطن والمنفى، وأي مشروع سياسي يتجاهل هذه الحقيقة محكوم عليه بأن يفقد جزءاً أساسياً من شرعيته الوطنية والتاريخية.
وفي خضم هذا الجدل حول الانتخابات وإعادة تشكيل المؤسسات، تبدو غزة وكأنها الغائب الحاضر في المشهد الفلسطيني الرسمي. فبينما تنشغل النخب السياسية بترتيبات التمثيل وتقاسم المواقع وإعادة إنتاج الشرعيات، يعيش أكثر من مليوني فلسطيني في قطاع غزة واحدة من أكثر المآسي الإنسانية دموية في التاريخ الفلسطيني المعاصر. هناك، لا تدور المعركة حول مقاعد المجلس الوطني أو حصص الفصائل، بل حول البقاء على قيد الحياة، وحول لقمة الخبز وجرعة الماء وسقف يحمي الأطفال من القصف والموت.
إن غزة اليوم ليست مجرد جغرافيا محاصرة، بل عنوان لمأساة وطنية مفتوحة. آلاف الشهداء والجرحى والمفقودين، مدن وأحياء سويت بالأرض، بنية تحتية مدمرة، ومجتمع يتعرض يومياً لاستنزاف إنساني ونفسي غير مسبوق. وفي ظل هذه الظروف الاستثنائية، يبرز تساؤل مشروع حول مدى انسجام الحديث عن إعادة ترتيب المؤسسات السياسية مع حجم الكارثة التي يتعرض لها جزء أساسي من الشعب الفلسطيني.
ومن منظور وطني واستراتيجي، فإن أي عملية سياسية لا تضع معاناة غزة وصمود أهلها في مركز الاهتمام الوطني تبدو منفصلة عن الواقع. فالمشكلة لم تعد مجرد أزمة تمثيل أو شرعية، بل أزمة وجودية يعيشها الشعب الفلسطيني في القطاع. وأي مشروع لإعادة بناء النظام السياسي الفلسطيني ينبغي أن يبدأ من الإجابة عن أسئلة جوهرية: كيف نحمي شعبنا؟ كيف نوحد طاقاته؟ وكيف نحول تضحياته إلى قوة سياسية ووطنية قادرة على فرض حقوقه وإنهاء معاناته؟
إن أهل غزة الذين يدفعون يومياً أثماناً باهظة من دمائهم ومستقبل أبنائهم لا يحتاجون إلى مؤسسات تتحدث باسمهم فقط، بل إلى مؤسسات تستمد شرعيتها من تضحياتهم، وتعبر عن آلامهم، وتحول صمودهم إلى برنامج وطني جامع. فليس من المقبول أخلاقياً أو سياسياً أن يبقى الشعب في الميدان يواجه المجزرة والحصار والجوع، بينما تستمر النخب في إدارة خلافاتها وصراعاتها الداخلية وكأن الوطن يعيش ظروفاً طبيعية.
ولذلك فإن أي حديث عن انتخابات المجلس الوطني أو إعادة بناء الشرعية الفلسطينية يجب أن ينطلق أولاً من غزة، من دماء شهدائها، ومن حق أهلها في الحياة والكرامة والأمن الوطني، ومن ضرورة تحويل هذه المأساة إلى لحظة مراجعة شاملة للمسار السياسي الفلسطيني كله. فالأمم التي تتعرض لمثل هذه الكوارث لا تحتاج إلى إعادة تدوير الأزمات، بل إلى إعادة تأسيس مشروعها الوطني على أسس جديدة من الوحدة والمقاومة والتمثيل الحقيقي والإرادة الشعبية الحرة.
إن جوهر الأزمة الفلسطينية اليوم لا يكمن في غياب الانتخابات فحسب، بل في غياب المشروع الوطني الجامع القادر على توحيد الفلسطينيين أينما وجدوا، في غزة التي تنزف تحت النار، وفي الضفة الغربية التي تواجه الاستيطان والتفكيك الممنهج، وفي مخيمات اللجوء والشتات التي تعاني التهميش والإقصاء وتآكل الأمل بالعودة. فالقضية الفلسطينية لم تكن يوماً قضية سلطة أو مؤسسات إدارية، بل قضية شعب اقتُلع من أرضه وما زال يناضل من أجل حريته وكرامته وحقوقه الوطنية غير القابلة للتصرف.
وإذا كانت الانتخابات وسيلة ديمقراطية لإعادة بناء الشرعية، فإن الشرعية الحقيقية لا تُصنع عبر ترتيبات فوقية أو تفاهمات بين مراكز النفوذ، بل تنبع من الإرادة الشعبية الحرة ومن تمثيل جميع مكونات الشعب الفلسطيني دون استثناء. فلا يمكن الحديث عن مجلس وطني يمثل الفلسطينيين بينما يشعر ملايين اللاجئين بأن أصواتهم غائبة، ولا يمكن الحديث عن تجديد النظام السياسي بينما غزة تتعرض للقتل والتجويع والتدمير، ولا يمكن الحديث عن الوحدة الوطنية فيما تستمر الانقسامات والمصالح الفئوية في التحكم بمصير القضية.
لقد أثبتت التجارب أن الشعوب لا تتحرر بالمحاصصة، ولا تستعيد حقوقها بإعادة إنتاج الأزمات، ولا تبني مستقبلها عبر تدوير النخب ذاتها والسياسات ذاتها. وما يحتاجه الفلسطينيون اليوم ليس مجرد انتخابات جديدة، بل عقد وطني جديد يعيد الاعتبار للإنسان الفلسطيني، ولحق العودة، وللمقاومة الشعبية، وللمساءلة الديمقراطية، وللوحدة الوطنية باعتبارها شرطاً للتحرر لا شعاراً للاستهلاك السياسي.
إن التاريخ يقف اليوم أمام الفلسطينيين بسؤال مصيري: هل تستمر المؤسسات في إدارة الأزمة، أم ينتقل الشعب إلى مرحلة صناعة التغيير؟ ذلك أن الأوطان لا تُقاس بعمر السلطات، بل بقدرتها على تجديد نفسها واستعادة رسالتها التاريخية. وحين تصبح تضحيات غزة، ومعاناة اللاجئين، وصمود الفلسطينيين في كل أماكن وجودهم، هي البوصلة الحقيقية للقرار الوطني، عندها فقط يمكن الحديث عن شرعية جديدة، وعن مشروع وطني متجدد، وعن أمل حقيقي بأن تكون النهاية مختلفة عما يراد لها أن تكون.





شارك برأيك
انتخابات المجلس الوطني... جعجعة بلا طحين و إعادة إنتاج للأزمة