اليسار الفلسطيني، من مشروع تحرري شامل إلى أزمة بنيوية خانقة

لم يكن اليسار الفلسطيني يومًا مجرد تيار سياسي عابر، بل كان أحد الأعمدة الأساسية التي قامت عليها الحركة الوطنية الحديثة. منذ ستينيات القرن الماضي، ومع صعود المد القومي والاشتراكي في العالم العربي، تشكلت تنظيمات يسارية لعبت دورًا محوريًا في إعادة تعريف الصراع، ليس فقط بوصفه صراعًا وطنيًا مع الاحتلال، بل كجزء من مواجهة أوسع مع الاستعمار والإمبريالية. في هذا السياق، برزت قوى مثل الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين والجبهة الديمقراطية لتحرير فلسطين،والحزب الشيوعي الفلسطيني وغيرها من الحركات والجبهات التي استطاعت أن تفرض حضورها داخل منظمة التحرير الفلسطينية، ليس فقط عبر العمل العسكري، بل أيضًا من خلال مساهمتها في صياغة البرنامج الوطني، وبناء المؤسسات النقابية والطلابية، وإنتاج خطاب سياسي وثقافي نقدي.
في تلك المرحلة، تميز اليسار بوضوح الرؤية، والانضباط التنظيمي، والحضور الجماهيري، والاستعداد لدفع أثمان باهظة في سبيل مشروعه. لم يكن مجرد إطار سياسي، بل كان فضاءً لإنتاج الوعي، وتخريج الكوادر، وربط النضال الوطني بالبعد الاجتماعي. غير أن هذه المكانة بدأت بالتآكل تدريجيًا مع التحولات الكبرى التي شهدتها القضية الفلسطينية، خاصة بعد اتفاق أوسلو، التي شكلت نقطة انعطاف حاسمة أعادت ترتيب أولويات العمل السياسي وأدواته.
مع دخول مرحلة أوسلو، وجد اليسار نفسه أمام واقع لم يكن مهيأً له بالكامل. بدل أن يكون قوة مبادرة، بدأ يتحول إلى طرف يتكيف مع مسار لم يصنعه. هذا التكيف لم يكن دائمًا نتيجة مراجعة واعية، بل جاء في كثير من الأحيان كرد فعل، ما أفقده تدريجيًا القدرة على التأثير. ومع مرور الوقت، ترسخ هذا التحول، وأصبح اليسار يتحرك ضمن هامش ضيق، دون قدرة حقيقية على كسره أو إعادة تعريفه.
بالتوازي مع ذلك، شهد المجتمع الفلسطيني تحولات اقتصادية واجتماعية عميقة أثرت على بنية القوى السياسية. تراجعت القاعدة التقليدية لليسار، خاصة في أوساط العمال والطلبة، وهي الفئات التي شكلت تاريخيًا عموده الفقري. في المقابل، لم يتمكن من تطوير أدواته أو تحديث خطابه بما يتلاءم مع هذه التحولات، فبقي في كثير من الأحيان أسير مفردات تقليدية لم تعد قادرة على استقطاب الأجيال الجديدة أو التعبير عن همومها.
وفي داخل بنيته التنظيمية، بدأت تظهر أزمة من نوع مختلف. الصرامة التي كانت مصدر قوة تحولت تدريجيًا إلى حالة من الجمود. لم تعد المؤسسات التنظيمية فضاءً حقيقيًا للنقاش والتجديد، بل أصبحت في بعض الحالات هياكل مغلقة تعيد إنتاج نفسها. تراجعت الديمقراطية الداخلية، وضعفت آليات المحاسبة، وبقيت القيادات في مواقعها لفترات طويلة دون تداول فعلي. ومع تضييق دوائر القرار، تزايدت الفجوة بين القيادة والقاعدة، وفقد الكثير من الكوادر شعورهم بالمشاركة الحقيقية.
وفي ظل التطور التكنولوجي، لجأت هذه القوى، كما غيرها، إلى عقد اجتماعاتها ومؤتمراتها عبر الإنترنت، استجابة لضرورات الواقع الجغرافي والأمني. غير أن هذا التحول، رغم طابعه العملي، كشف عن إشكالية جديدة لم يتم التعامل معها بجدية كافية. ففي سياق صراع مفتوح، تصبح مسألة الأمن التنظيمي حساسة إلى أقصى حد، وعقد المؤتمرات عبر منصات مكشوفة نسبيًا، أو دون بنية حماية كافية، أثار مخاوف حقيقية لدى عدد كبير من الكوادر.
هذا الشعور بالانكشاف لم يكن تقنيًا فقط، بل مسّ جوهر الثقة داخل التنظيم. كثيرون، خاصة ممن لديهم تجارب سابقة مع الملاحقة، أصبحوا أكثر تحفظًا، بل إن بعضهم فضل عدم المشاركة في هذه الاجتماعات، ليس رفضًا للتكنولوجيا، بل لغياب الضمانات التي تحميهم وتحمي العمل التنظيمي. وهنا تظهر فجوة واضحة بين متطلبات العمل السياسي في العصر الرقمي، وخصوصية الحالة الفلسطينية التي لا تحتمل الاستسهال في قضايا الأمن والتنظيم.
إلى جانب ذلك، برزت أزمة متنامية في البرنامج السياسي نفسه. فالشعارات الكبرى التي شكلت هوية اليسار لم تعد كافية في ظل تعقيدات الواقع، ولم يتم تطويرها إلى سياسات ملموسة قابلة للتطبيق. كما أن المواقف من القضايا الأساسية اتسمت في كثير من الأحيان بالتردد أو الغموض، ما أضعف صورة اليسار كقوة قادرة على الحسم والمبادرة.
والمفارقة الأكثر إيلامًا أن بعض الممارسات التي ظهرت داخل اليسار باتت تشبه ما كان ينتقده تاريخيًا. من تركيز القرار في أيدي محدودة، إلى تجاوز الأنظمة الداخلية عند الحاجة، إلى ضعف الشفافية، كلها مؤشرات على تآكل النموذج الذي كان يفترض أن يقدمه. لم تعد المشكلة مجرد تراجع في التأثير، بل فقدان في التمايز نفسه.
بهذا المعنى، فإن أزمة اليسار الفلسطيني اليوم ليست مجرد أزمة أداء، بل أزمة معنى ودور. لم يعد واضحًا، لا لقاعدته ولا لجمهوره، ما الذي يمثله تحديدًا في هذه المرحلة، وما الذي يقدمه كبديل. هذا الغموض ينعكس على كل شيء، من الخطاب إلى التنظيم، ويجعله يدور في حلقة من التراجع المستمر.
ومع ذلك، فإن الحديث عن نهاية اليسار يبقى حكمًا متسرعًا. فما زال يمتلك إرثًا نضاليًا مهمًا، وكوادر ذات خبرة، وإمكانيات كامنة يمكن تفعيلها. لكن ذلك لن يكون ممكنًا دون مراجعة جذرية تبدأ بإعادة بناء التنظيم على أسس ديمقراطية حقيقية، وتطوير آليات آمنة وحديثة للعمل، وتجديد القيادة والخطاب، وإعادة الارتباط بالمجتمع.
في النهاية، يقف اليسار الفلسطيني أمام اختبار تاريخي حقيقي. إما أن ينجح في إعادة تعريف نفسه كقوة تغيير قادرة على التكيف دون أن تفقد جوهرها، أو يستمر في التراجع، ليتحول إلى ذكرى من زمن كان فيه فاعلًا ومؤثرًا. النقد القاسي قد يكون ضرورة، لكن قيمته الحقيقية تكمن في قدرته على فتح أفق جديد، لا في الاكتفاء بوصف الأزمة.

111 مشاهدة
0 تعليق
جمال عبيد

بقلم

جمال عبيد

اقرأ المزيد من مشاركات هذا الكاتب

عرض الملف

شارك برأيك

اليسار الفلسطيني، من مشروع تحرري شامل إلى أزمة بنيوية خانقة