على أبواب المؤتمر الخامس لحزب الشعب
التجديد ليس وعدًا أخلاقيًا… بل نظامًا مُلزِمًا
كتب وليد العوض : في سياق التحضيرات الجارية لعقد المؤتمر العام الخامس لحزب الشعب الفلسطيني، تتواصل مساهمات الرفيقات والرفاق بالنقاش والحوار حول قضايا الحزب ومستقبله، انطلاقًا من الحرص على دوره الوطني والاجتماعي، وضرورة استعادة حضوره وتأثيره في الحياة السياسية الفلسطينية.
وفي هذا الإطار، قدّم الرفيق معتز السيد مساهمة ركّز فيها على قضية التجديد، بوصفها شرطًا أساسيًا لحيوية الحزب وقدرته على الانفتاح على المجتمع والأجيال الجديدة. ولأنني أشارك هذا الإدراك الكامل لأهمية التجديد وضرورته الغير قابلة للمناورة، رأيت أن أذهب مباشرة إلى جوهر المسألة، ليس فقط من زاوية الحاجة إلى التجديد، بل من زاوية توفر الآليات والضمانات الكفيلة بتحويله من رغبة عامة أو صحوة اخلاقية أو حتى شعار سياسي وانتخابي إلى عملية تنظيمية مستدامة وملزمة.
يتجه الحزب ، وفق ما هو معلن، نحو عقد مؤتمره العام الخامس أواخر تشرين الثاني/نوفمبر المقبل، بعد سنوات طويلة من التأجيل تجاوزت المدة التي ينص عليها النظام الداخلي للحزب وقد كان لهذا التأخير تداعيات كثيرة . ولا شك أن الإصرار على عقد المؤتمر في موعده يمثل خطوة مهمة وضرورية، ليس فقط لاستعادة الحياة الحزبية والالتزام بالنظام الداخلي، بل أيضًا لإعادة فتح النقاش حول مستقبل الحزب ودوره الوطني والاجتماعي في مرحلة شديدة التعقيد تمر بها القضية الفلسطينية والحركة الوطنية عمومًا.
خاصة أنه خلال الفترة الطويلة التي أعقبت المؤتمر السابق، جرى الحديث كثيرًا عن ضرورة التجديد وأهميته، والانفتاح، وتطوير الأدوات والخطاب، وتعزيز العلاقة بالمجتمع والأجيال الجديدة وهلمجرا . وهي كلها قضايا مشروعة وضرورية، لأن أي حزب سياسي يفقد قدرته على التجدد يفقد تدريجيًا قدرته على التأثير والحضور.
لكن التجربة العملية تكشف أن المشكلة لا تكمن غالبًا في غياب الحديث عن أهمية التجديد، بل في غياب الآليات التي تجعل هذا التجديد ممكنًا وملزمًا. فالنوايا وحدها، مهما كانت صادقة، لا تكفي لبناء حياة حزبية متجددة، كما أن التعويل على المبادرات الفردية أو “الرغبة الأخلاقية” في التغيير لا يضمن تداولًا حقيقيًا للمسؤولية، ولا يفتح الطريق تلقائيًا أمام أجيال جديدة.
من هنا، فإن النقاش المطلوب اليوم لا ينبغي أن يقتصر على التأكيد العام لأهمية التجديد، بل يجب أن يتجه نحو سؤال أكثر تحديدًا وعمقًا: كيف يتحول التجديد إلى قاعدة تنظيمية دائمة ملزمة، لا إلى استثناء موسمي يرتبط بالأزمات؟
إن أي عملية تجديد حقيقية تحتاج إلى بنية قانونية وتنظيمية واضحة تحميها وتضمن استمرارها. ولذلك، فإن تطوير النظام الداخلي للحزب ينبغي أن يحتل مكانة مركزية في أعمال المؤتمر القادم، بما يشمل وضع قواعد واضحة لتداول المسؤولية، وتحديد مدد إشغال المواقع القيادية، ومنع الجمع بين أكثر من موقع قيادي على. الصعيدين الحزبي والوطني ، وضمان انعقاد المؤتمرات الدورية في مواعيد ثابتة لا تخضع للاجتهاد أو التأجيل.
كما أن تعزيز الرقابة والمساءلة الداخلية يشكل عنصرًا أساسيًا في أي عملية إصلاح حقيقية. فغياب أدوات الرقابة المستقلة، أو تداخلها وانخراطها مع البنية التنفيذية، يحوّل حتى أفضل النصوص التنظيمية إلى مجرد مبادئ عامة بلا أثر فعلي.
وفي المقابل، فإن الحديث عن التجديد لا ينبغي أن يُفهم باعتباره انتقاصًا من تاريخ الحزب أو من دور أيٍّ من قياداته وتجربته النضالية. فالحفاظ على هذه التجربة لا يتحقق بالجمود، بل بقدرتها على الاستمرار والتطور وفتح المجال أمام طاقات جديدة للمشاركة وتحمل المسؤولية.
إن الحزب الذي يريد استعادة دوره وتأثيره يحتاج إلى بيئة داخلية تسمح بصعود الكفاءات الشابة، وتعزز حضور المرأة والعمال والمثقفين، وتفتح المجال أمام المبادرة والحوار والنقد، لا أن تبقى المواقع القيادية محكومة بالتوازنات التقليدية أو باستمرار الأمر الواقع وتكريسه بأعتباره قدرٌ لا فكاك منه .
فالتجديد الحقيقي لا يتحقق فقط عبر خطاب جديد أو أدوات إعلام حديثة، بل عبر بناء حياة داخلية ديمقراطية تتيح التغيير بصورة طبيعية ومنظمة، وتجعل تداول المسؤولية جزءًا من ثقافة الحزب، لا حدثًا استثنائيًا.
إن المؤتمر العام الخامس يمكن أن يشكل فرصة مهمة لاستعادة الحيوية التنظيمية والسياسية للحزب، شرط أن يُنظر إليه بوصفه محطة للمراجعة والمسائلة والتطوير، لا مجرد استحقاق تنظيمي مؤجل. فالأحزاب الحية لا تكتفي بالدفاع عن تاريخها، بل تواصل إعادة بناء نفسها بما ينسجم مع متغيرات المجتمع واحتياجاته.
ولهذا، فإن التجديد لا يجب أن يبقى شعارًا عامًا أو وعدًا مفتوحًا، بل ينبغي أن يتحول إلى نظام واضح وآليات ملزمة تضمن استمراره، وهو الأمر الذي يجب أن تلحظه التعديلات المقترحة على النظام الداخلي للحزب. لأن ما لا يُقنَّن يبقى رهينة المزاج والظروف، وما لا تحميه القواعد يتحول مع الوقت إلى أمنية أكثر منه خيارًا قابلًا للتحقق. ١٨-٥-٢٠٢٦
على ابواب المؤتمر الخامس لحزب الشعب : التحييد ليس وعداً اخلاقياً بل نظاماً ملزماً
93 مشاهدة
0 تعليق





شارك برأيك
على ابواب المؤتمر الخامس لحزب الشعب : التحييد ليس وعداً اخلاقياً بل نظاماً ملزماً