ar Arabic
ar Arabicen Englishde German
Connect with us

أقلام وأراء

لماذا حركة فتح دون غيرها؟

بقلم:إبراهيم ابراش

أن تكون ذكرى انطلاقة حركة فتح هي نفسها ذكرى انطلاق الثورة الفلسطينية المعاصرة فهذا ‏يعني أن حركة فتح تمثل الثورة الفلسطينية أو أنها عمودها الفقري والعنوان الدال عليها، ‏وبدونها ما كانت هذه الثورة التي استنهضت الحالة الوطنية في منتصف الستينيات وفرضت ‏اسم فلسطين دوليا كقضية تحرر وطني وحافظت على الهوية والثقافة الوطنية.‏
بالرغم مما تعرضت له حركة التحرر الوطني الفلسطيني (فتح) من تحديات خارجية وداخلية: ‏تآمر دول عليها، استهداف إسرائيل لقياداتها ،حالات انشقاق داخلية، تراجع شعبيتها بعد توقيع ‏اتفاقية أوسلو والاعتراف بإسرائيل، تحميلها مسؤولية أخطاء السلطة، وما يُشاع عن فساد ‏فيها، و حالة الترهل في العمل التنظيمي، بالرغم من كل ذلك ما زالت حركة فتح تتبوأ مكان ‏الصدارة في النظام السياسي الفلسطيني كما تُشير استطلاعات الرأي، وما زال قطاع واسع ‏من الشعب يراهن عليها دون غيرها للخروج من المأزق الذي تعيشه القضية الوطنية. ‏
وفي المقابل فإن أحزاباً تزامَن ظهورها مع تأسيس حركة فتح وبعضها سابق في الوجود عليها ‏وكان لها دور نضالي ولا شك، وأخرى ظهرت لاحقاً منافساً للحركة، إلا أنها جميعاً لم تستطع ‏أن تجاري حركة فتح في استقطاب الشعب أو تحقيق انجازات كبيرة على المستوى الوطني ‏أو الدولي، بالرغم من كل المساندة والدعم التي كانت تجدها من دول وحركات سياسية عربية ‏وإسلامية كبيرة، وبالرغم من الشعارات الكبيرة التي ترفعها وتقديم نفسها ونهجها الثوري ‏والجهادي المتمسك كما تقول بالثوابت الوطنية والقيم الدينية كبديل عما تسميه النهج ‏‏(الاستسلامي) لحركة فتح .‏
‏ تفسير ذلك لا يعود بالضرورة لأن النهج السياسي لحركة فتح هو الأصوب وأن فتح حققت ‏الأهداف التي انطلقت من أجلها، أو لأنها في موقع السلطة والسلطة تستقطب مؤيدين طمعاً ‏في مغانمها أو خوفاً من سطوتها، فهذه الأسباب تعطي تفسيراً جزئياً وقد تكون محل جدل. ‏
إن سر فتح ومصدر قوتها تاريخيا يكمن في وطنيتها، بمعنى أنها فكرة وطنية خالصة انطلقت ‏من وسط معاناة الشعب وربطت نفسها به: هوية وثقافة وتجربة نضالية، ولم تُرهن وجودها ‏بأي طرف خارجي وحافظت على درجة من استقلالية القرار، والشعب الفلسطيني خَبَرَ ‏وجرب واكتوى كثيراً من تداعيات التبعية للخارج باسم هذه الأيديولوجيا أو تلك .‏
استمرت حركة فتح وتراجعت أحزاب ربطت وجودها بهذا النظام العربي أو ذاك كمنظمة ‏الصاعقة وجبهة التحرير العربية وغيرها، أو ربطت وجودها بأيديولوجيات ودول خارجية ‏كأحزاب اليسار التي ربطت وجودها بالشيوعية العالمية وبالاتحاد السوفيتي، او التي كانت وما ‏زالت تابعة للإسلام السياسي وللإخوان المسلمين كما هو الحال مع حركة حماس، أيضا ما آلت ‏إليه حالات الانشقاق على حركة فتح التي لم تُعمر ولم تنفعها الدول والجماعات التي حرضتها ‏واحتضنتها. ‏
انطلاقاً من ذلك فإن الخطر الحقيقي على وجود دولة إسرائيل ليست الأيديولوجيات الدينية أو ‏الأممية أو دول الجوار أو إيران أو الجماعات الإسلامية المتطرفة أو المعتدلة، وليس مصدره ‏حركة حماس وفصائل المقاومة في غزة، بل الأيديولوجيا الوطنية وتجسيدها الواقعي المشروع ‏الوطني كمشروع تحرر وطني ودولة وهوية وطنية، وإسرائيل تعرف ذلك، فهي قادرة على ‏التعامل مع كل الأيديولوجيات والتهديدات العسكرية اللفظية أو الفعلية التي مصدرها محور ‏وفصائل المقاومة وتحييدها بالقوة الرادعة أو بالمال والتدخلات الخارجية، ولكنها لا تستطيع ‏ردع واحتواء الوطنية الفلسطينية، فهذه الأخيرة هي النقيض الموضوعي والفعلي للمشروع ‏الصهيوني.‏
بل يمكن القول إن هدف الانقسام وحصار قطاع غزة وحملات العدوان عليه لم يكن بهدف ‏القضاء على المقاومة المسلحة في غزة بل لتكريس وتعزيز حالة الانقسام وتدمير المشروع ‏الوطني وإضعاف حركة فتح ومنظمة التحرير الفلسطينية، فاستمرار الانقسام أكبر خطر يهدد ‏المشروع الوطني والهوية الوطنية الفلسطينية الجامعة.‏
ما سبق لا يعني تجاهل الأخطاء والتجاوزات وما يُشاع عن وجود فساد في السلطة التي ‏أسستها فتح ولا يعني تجاهل حالة الترهل في تنظيم فتح ، كما أن حركة فتح ليست السلطة أو ‏رئيس الحركة أو لجنتها المركزية فقط، نحن نتحدث عن حركة فتح كفكرة وطنية وتاريخ ‏نضالي وامتداد شعبي وحضور دولي وكفاءات عديدة حتى وإن كانت خارج الأطر التنظيمية.‏
نمنح الأفضلية لحركة فتح في مجال المقارنة بغيرها من الأحزاب المتواجدة الآن على الساحة ‏دون أن ننتقص من قيمة ودور هذه الأحزاب حتى وإن كان بعضها أساء للشعب الفلسطيني ‏وشوه عدالة قضيته، أما الحكم على المستقبل وعلى قدرة فتح على تحقيق الأهداف الوطنية ‏فيحتاج إلى كثير من الجهد من أبناء الحركة وإلا فإن هذه الأفضلية قد تتآكل مع مرور الزمن. ‏
حركة فتح ستكون أمام مفترق طرق مصيري عند انعقاد المؤتمر الثامن المُقرر في آذار ‏القادم- هذا إن تم عقده في موعده- فإما أن تستعيد الحركة حيويتها وروحها الوطنية الأولى ‏وتجدد قانون المحبة بين أبنائها وتحرر نفسها من أوزار السلطة وتبعاتها الثقيلة، أو تفشل في ‏ذلك ويُعيد المؤتمر انتاج نفس القيادات والسياسات وبالتالي تكريس أزمة الحركة وأزمة النظام ‏السياسي، مما سيمنح شرعية لأي منافس جديد يسعى لقيادة الشعب وتمثيل الوطنية لأن ‏الوطنية ليست حكراً على أحد حتى وإن كانت حركة فتح.‏
في ذكرى انطلاق الحركة في الفاتح من كانون الثاني وهي نفس ذكرى انطلاق الثورة الفلسطينية ‏المعاصرة نتمنى القيام بمراجعة نقدية شاملة، لأن ما تم انجازه منذ تأسيسها لا يتناسب مع ‏أهدافها المُسطَّرة في أدبياتها ولا يساوي حجم التضحيات من شهداء وأسرى وجرحي الذين ‏ناضلوا تحت راية الحركة، كما أن طول عمر الحركة واستمرار وجودها على رأس النظام ‏السياسي الرسمي لا يمنحها أفضلية أو شرعية مطلقة.‏
كتبنا قُبيل المؤتمر السابع بأن حركة فتح أمام مفترق طرق وللأسف لم تكن مخرجات المؤتمر ‏السابع وحال فتح بعده أفضل بكثير من حالها قبله، فهل سيختلف الأمر في المؤتمر الثامن؟ ‏نأمل ذلك وغالبية الشعب تراهن على ذلك. ‏
Ibrahemibrach1@gmail.com

اكمل القراءة
Advertisement
اضغط للتعليق

أترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *