ar Arabic
ar Arabicen Englishde German
Connect with us

أقلام وأراء

فشل إطلاق قطار المصالحة الفلسطينية

بقلم:د.عقل صلاح*

في الخامس عشر من كانون الأول/ ديسمبر2021، قدم مسؤول الجبهة الشعبية في قطاع غزة جميل مزهر “رؤية الشعبية” لإنهاء الانقسام وإتمام المصالحة الفلسطينية-الفلسطينية، والتي تضمنت رؤية وطنية شاملة لإنهاء الانقسام، واستعادة الوحدة الوطنية، واحتوت الرؤية على خمسة بنود أساسية تمثلت في الآتي:
البند الأول، أن المدخل الوطني الأساس هو إعادة بناء المنظمة على أسس وطنية ديمقراطية تحقق عدالة التمثيل وشموليته، وتحرر المنظمة ومؤسساتها من سياسات الهيمنة والتفرد، وهو ما يتطلب تفعيل صيغة الأمناء العامين باعتبارها إطارًا قياديًا مؤقتًا، ومرجعيةً سياسية لشعبنا، وتشكيل مجلس وطني انتقالي لمدة عام يحضر لانتخابات مجلس وطني تشارك به القوى الوطنية والإسلامية وفق مبدأ التمثيل النسبي الكامل.
وينصب البند الثاني، في الإفراج عن قرار إلغاء الانتخابات الشاملة باعتبارها مدخلاً لإنهاء الانقسام وبناء الوحدة، وتجديد شرعية النظام السياسي استنادًا لإرادة الجماهير وحقها الديمقراطي بانتخاب ممثليها، ودون ذلك ستبقى تلك المؤسسات منقوصة الشرعية لا تعبر عن الإرادة الشعبية.
ويتمثل البند الثالث، في تشكيل حكومة فلسطينية موحدة محررة من اشتراطات الرباعية الدولية، تستند لبرنامج وطني وقرارات المجلسين الوطني والمركزي بشأن اتفاقية أوسلو، وتتحدد مهامها في إدارة الشأن الداخلي الفلسطيني، وهيكلة المؤسسات الفلسطينية المدنية والأمنية وتوحيدها بعيدًا عن الفئوية والحزبية، مع التأكيد على الفصل في الصلاحيات والمهام بين السلطة ومنظمة التحرير الفلسطينية، باعتبار أن منظمة التحرير هي المرجعية السياسية للسلطة.
وتجسد البند الرابع، في الاتفاق على برنامج وطني سياسي يتحلل من اتفاقات أوسلو والتزاماته الأمنية والسياسية والاقتصادية، ويحرر الشعب من التنسيق الأمني.
وينصرف البند الخامس والأخير، إلى تشكيل قيادة وطنية موحدة تقود وتدير المقاومة الشعبية، وتحدد أشكالها وتصوغ برنامجًا نضاليًا ميدانيًا يعزز وحدة الساحات وشراكتها، بما يرفع كلفة العدو ويُحولّه لمشروع خاسر.
وفي نفس السياق، كان قد قدم إسماعيل هنية رئيس المكتب السياسي لحركة حماس “ورقة الرؤيا” للقيادة المصرية في منتصف تشرين الثاني/نوفمبر2021، للخروج من الأزمة الفلسطينية، وهي ورقة برنامجية مهمة يمكن البناء عليها، وفتح حوار جدي تجاه تنفيذ بنودها، وتضمنت هذه الورقة عددًا من البنود، وهي:
البند الأول، إعادة تشكيل القيادة الوطنية العُليا لمنظمة التحرير الفلسطينية، بحيث تضم جميع القوى والفصائل والشخصيات الوطنية من خلال الانتخابات. وفي حال تعذّرت الانتخابات لسبب أو لآخر-بحسب الرؤية- يتم التوافق وطنيًاعلى تشكيل قيادة وطنية مؤقتة ولمدة محددة، يتم الاتفاق عليها، كمرحلة انتقالية لتهيئة الأجواء للانتخابات السياسية العامة.
ويتمثل البند الثاني، في الاتفاق على الاستراتيجية الوطنية لهذه المرحلة، ما يعني الاتفاق على البرنامج السياسي الوطني، الذي يتوافق عليه الجميع.
ويتجسد البند الثالث في الدعوة إلى التوافق على آليات العمل الوطني والميداني والسياسي وخلافه.
ووضعت الحركة آليتيْن، لتنفيذ رؤيتها للمصالحة، تتجسد الآلية الأولى، في ضرورة البدء من حيث انتهت الجولة الأخيرة (للمصالحة)، واستكمال المشوار في الانتخابات المُتّفق عليها في مراحلها الثلاث التشريعية والمجلس الوطني والرئاسية، على أن تتم في القدس أولًا.
وتتمحور الآلية الثانية، في الدعوة لعقد اجتماع لقادة الفصائل الوطنية في القاهرة، كما نص عليه اتفاق عام 2011، للاتفاق على خريطة طريق لإنجاز الهدف المنشود، بصفتهم الإطار القيادي المؤقت، لحين استكمال بناء مؤسسات الشعب الفلسطيني الوطنية، وفي القلب منها منظّمة التحرير.
وهنا يثور السؤال هل سيكون مصير هذه المبادرات كمصير المبادرات التي سبقتها ولم تلق آذان صاغية من قبل القيادة الرسمية الفلسطينية ممثلة بالرئيس محمود عباس؟
وللإجابة على السؤال لابد من التعريج على جولات المصالحة والحوار الفلسطيني-الفلسطيني التي جابت الدول الإقليمية والدولية وبرعاية عربية وإسلامية وحتى دولية، دون تحقيق خرق في جدار الانقسام السميك، مماتسبب في فشل كل الجولات على مدار عقد ونصف.
جولات الحوار”2006-2021″:
ويذكر أن المصالحة الفلسطينية-الفلسطينية منذ حدوث الانقسام في حزيران/يونيو 2007، وجولات المصالحة مازالت مستمرة وتتنقل من دولة لأخرى، فقد انطلقت جولاتها الأولى من القاهرة تلبية لدعوة من جمهورية مصر العربية وبرعايتها عام 2005، ثم الوثيقة التي تم إعدادها من قبل نخبة من قيادات الشعب الفلسطيني في السجون الإسرائيلية، وسميت بوثيقة الأسرى عام 2006. كما جاءت وثيقة اتفاق مكة عام 2007 برعاية الملك المرحوم عبد الله بن عبد العزيز ملك المملكة العربية السعودية، وتلاه لقاء صنعاء بمبادرة طرحها الرئيس اليمني السابق علي عبدالله صالح عام 2008، ولقاء السنغال عام 2009 في دكار تلبية لدعوة الرئيس السنغالي السابق عبد الله واد. وقادت القاهرة “اتفاقية الوفاق الوطني” تحت رعاية الرئيس المصري الراحل حسني مبارك عام 2010، ومن ثم قدمت الخرطوم وساطة قادها الرئيس السوداني السابق عمر البشير عام 2010، ومن بعدها عقد لقاء في دمشق عام 2010 بين حركة حماس وحركة فتح الذي باء بالفشل، وعاد النقاش في النقاط التي تم حسمها في الجلسات السابقة ومن أهمها الانتخابات. وبمشاركة مصرية تم التوقيع على اتفاقية “الوفاق الوطني الفلسطيني” في القاهرة عام 2011، وتلاها لقاء المغرب الذي نظمه حزب الأصالة والمعاصرة المغربي في مدينة الصخيرات لدفع جهود المصالحة الفلسطينية في عام 2012، ومن بعدها اتفاقية الدوحة التي وقعها الرئيس عباس ورئيس المكتب السياسي لحركة حماس خالد مشعل آنذاك برعاية أمير قطر السابق الشيخ حمد بن خليفة آل الثاني عام 2012.
وتلاها لقاء بيروت عام 2013، واتفاق القاهرة في نفس العام، وتفاهمات اتفاق مخيم الشاطئ التي تم التوصل إليها بين الحركتين في بيت هنية في القطاع عام 2014، بشأن تنفيذ كافة بنود المصالحة ومن أبرزها تمكين حكومة الوفاق الوطني برئاسة الدكتور رامي الحمد الله التي تشكلت في 2حزيران/تموز2014 من بسط سيطرتها على القطاع. ومن ثم لقاءات الدوحة عام 2015 برعاية قطرية وبدعوة من أمير قطر الشيخ تميم بن حمد آل ثاني. لقد عقدت العديد من الجلسات السرية بين الحركتين من أجل إزالة العقبات التي تحول دون إتمام المصالحة وإنهاء الانقسام على قاعدة اتفاقي “القاهرة” و”الشاطئ”، ومن ثم دخلت جنوب إفريقيا على خط المصالحة الفلسطينية عام 2016 حيث تم عقد جلسات بين الحركتين وباقي الفصائل قادها نائب رئيس جنوب أفريقيا لشؤون الشرق الأوسط إبراهيم إبراهيم، ومن ثم استضافت سويسرا حوارات بين الحركتين وشخصيات فلسطينية في العاصمة السويسرية جنيف عام 2016، وجاءت الدعوة من خلال مركز مسارات في رام الله وهذه المرة الثانية التي تتدخل بها سويسرا من أجل إنهاء الانقسام، ومن أبرز الملفات التي تم مناقشتها ملف الموظفين العموميين في القطاع والبالغ عددهم تقريبًا 40 ألف موظف تم تعيينهم من قبل حكومة حماس في القطاع، وهو الملف الأهم في عرقلة المصالحة، بعد ملف سلاح وعتاد المقاومة”الصواريخ” والجنود الإسرائيليين المحتجزين عند كتائب عز الدين القسام، بالإضافة إلى شبكة أو مترو الانفاق تحت غزة. وتلاها لقاءات بيروت في عام 2017 حيث شهدت العاصمة اللبنانية بيروت العديد من اللقاءات بين التنظيمات الفلسطينية بحضور الأمين العام لحركة الجهاد الإسلامي الراحل رمضان شلح، حيث قدم مبادرته في ذكرى انطلاقة حركته للخروج من المأزق الفلسطيني في تشرين أول/أكتوبر عام 2016، وسميت مبادرة “النقاط العشر”. وفي هذا الإطار استضافت موسكو لقاءً جديدًا في كانون الثاني/يناير من نفس السنة بدعوة من معهد الاستشراق التابع لأكاديمية العلوم الروسية، حيث تم عقد لقاء موسع يجمع ممثلي الفصائل الفلسطينية، وهو ثاني لقاء يستضيفه المعهد بعد اللقاء الذي عقد عام 2011 من أجل إنهاء الانقسام.
ومن ثم لقاء رفع العتب في 17نيسان/أبريل2017 بين قياديين من فتح في القطاع مع قادة حماس تمهيدًا للقاء وفد السلطة الذي شكل من ستة أعضاء من مركزية فتح من أجل لقاء قادة حماس وتسليمهم مطالب السلطة. لكن بعد التوتر الذي نشب بين الحركتين، عدلت فتح عن إرسال الوفد وكلفت عضوي اللجنة المركزية المقيمين في غزة روحي فتوح وأحمد حلس بعقد لقاء مع قادة حماس وتسليمهم المطالب. وهذا ما أكده نائب رئيس حركة فتح محمود العالول بأن “وفد الحركة عدل عن زيارة غزة بعد تسليم رسالة فتح إلى حماس، ومفادها حل اللجنة الإدارية وتولي الحكومة مسؤولياتها”. فيما قال عضو المكتب السياسي لحماس صلاح البردويل “إن اللقاء بين وفدي الحركتين إيجابي وودي للغاية وطرحنا خلاله قضايا مهمة، على رأسها تهيئة الأجواء لاستئناف المصالحة، وتوافقنا مع وفد فتح على قيام حكومة التوافق بأداء مهماتها في القطاع، وأن تتنحى اللجنة الإدارية التي صادق عليها المجلس التشريعي لإدارة الأوضاع في غزة حال استلام الحكومة مهماتها بشكل كامل”.
ولم تحقق زيارة وفدي فتح وحماس للقاهرة في 22 تشرين الثاني/نوفمبر 2018 تقدمًا في مسار المصالحة الفلسطينية، حيث قامت القاهرة برعاية توقيع اتفاق تسليم إدارة القطاع للسلطة في 12 تشرين الثاني/نوفمبر2017، غير أنه سرعان ما تعثر بسبب اختلاف فتح وحماس في تفسير بنوده وآليات تنفيذه. وفي صيف 2018، نشطت القاهرة من أجل إيجاد آليات جديدة لدفع عجلة المصالحة، وبدت أكثر تفهُّماً لبعض مطالب حماس، كما تساهلت إلى حد كبير في حركة مرور الأفراد عبر معبر رفح. وقام المسؤولون المصريون المعنيون بملف المصالحة بزيارات لغزة ورام الله، وباستقبال وفود من فتح وحماس.
وتلاها مبادرة الثمانية فصائل في القطاع التي أُعلن عنها في أيلول/سبتمبر 2019، حيث أعلنت حماس قبولها لها، ولكن فتح رفضتها مباشرة داعيةً إلى الذهاب للانتخابات كحل جذري للانقسام.
ومن ثم الاتفاق الذي حصل مابين التنظيمات الفلسطينية في القاهرة في شباط/فبراير 2021، بوساطة مصرية، والذي نص على إجراء الانتخابات العامة الثالثة، حيث تم إصدار المرسوم الرئاسي رقم 3 في 15كانون الثاني/يناير2021، لإجراء الانتخابات الرئاسية والتشريعية والمجلس الوطني، والقاضي بإجراء الانتخابات التشريعية في 22أيار/مايو 2021، وبموجب المرسوم ستجري الانتخابات الرئاسية في نهاية تموز/يوليو2021، واعتماد نتائج انتخابات المجلس التشريعي، كمرحلة أولى في تشكيل المجلس الوطني الفلسطيني، على أن يتم استكمال انتخاب أعضاء المجلس الوطني في نهاية آب/أغسطس2021، وفق النظام الأساس لمنظمة التحرير والتفاهمات الوطنية، بحيث تجرى انتخابات المجلس الوطني حيثما أمكن، وإعادة الاعتبار للانتخابات العامة على أساس هذا الاتفاق، من نقطة التوقف التي تمثلت بتأجيل الانتخابات التشريعية في 30نيسان/أبريل 2021.
الوقائع على الأرض تشير إلى رفض كل المبادرات، وطي صفحة المصالحة الداخلية مقابل التوجه لبناء الثقة مع إسرائيل من قبل القيادة السياسية الفلسطينية الرسمية؛ من أجل إرضاء الولايات المتحدة الأمريكية، معولة على استئناف الدعم المالي وإعادة العلاقات مع الإدارة الأمريكية التي توقفت سنوات حكم الرئيس دونالد ترامب، فالممارسات في الضفة الغربية من قبل السلطة الفلسطينية تتجه في ظل التراجع الشعبي للسلطة إلى إحكام القبضة الأمنية والعسكرية الحديدية على الضفة من خلال زيادة حدة الاعتقالات ومنع وقمع أي تحرك شعبي قد يؤدي إلى انتفاضة ثالثة، ولعل الهجمة التي يتعرض لها المعارضون في الضفة من قبل السلطة وإسرائيل تؤكد أن قطار المصالحة المتوقف منذ عقد ونصف قد تم إزالة السكك التي يمكن أن يسير عليها من جديد.
صفقة القرن لم تحقق المصالحة:
لقد أقدمت الإدارة الأمريكية بقيادة الرئيس السابق دونالد ترامب في 28كانون الثاني/يناير 2020، بالإعلان الرسمي عن صفقة القرن، وكان قد سبق هذا الإعلان، تنفيذ العديد من القرارات التي تدعم إسرائيل وتدمر القضية الفلسطينية ومن هذه القرارات، الإعلان في 6كانون الأول/ديسمبر2017، عن مدينة القدس عاصمة لإسرائيل، وفي 14أيار/مايو 2018، نقلت السفارة الأمريكية إلى القدس المحتلة، وفي 2آب/أغسطس2018، تم وقف المساعدات الأمريكية للسلطة، وفي 3 آب/أغسطس2018، تم قطع كامل المساعدات عن الأونروا، وفي 10أيلول/سبتمبر 2018، أغلق مكتب منظمة التحرير في واشنطن، وفي 25 آذار/مارس 2019، تم الاعتراف بسيادة إسرائيل على مرتفعات الجولان السوري المحتل، وفي 18تشرين الثاني/نوفمبر2019، تم شرعنة المستوطنات القائمة على أراضي الضفة، وهددت الإدارة الأمريكية بالموافقة على ضم وفرض سيادة إسرائيل على الضفة.
منذ اليوم الأول للإعلان عن صفقة القرن وحتى الإعلان الرسمي عنها في أواخر كانون الأول/يناير2020، لم تكن القرارات الفلسطينية وردة الفعل على المستويين الرسمي وغير الرسمي ترتقي لمستوى خطر صفقة تصفية القضية الفلسطينية، وإنما كانت ضمن دائرة اللغو والرفض الكلامي. إضافة إلى أن القرارات التي اتخذتها الإدارة الأمريكية وإسرائيل لم تجز رأس الانقسام، ولم ترفع العقوبات عن القطاع. المطلوب من الفصائل الفلسطينية، تحمل المسؤولية التاريخية والابتعاد عن الخلافات وتسجيل المواقف.
فسواء أكانت مبادرة إسماعيل هنية أو مبادرة جميل مزهر فهي تؤسس لتوافق فلسطيني فلسطيني ويبقى المطلوب من الرئيس الفلسطيني عباس مغادرة الرهان على الولايات المتحدة ورئيسها الجديد جو بايدن والمفاوضات مع إسرائيل، وإدارة الظهر لهم والجلوس الفوري مع حركة حماس والتنظيمات الفلسطينية والانطلاق من حيث توقفت الانتخابات العامة، والبناء على ورقة الجبهة الشعبية، وورقة حماس لإتمام المصالحة الفلسطينية، وتوحيد شطري الوطن وذلك من خلال تشكيل حكومة وحدة وطنية مهمتها الأساسية الإعداد للانتخابات التشريعية والرئاسية لتجديد الشرعيات لكل هيئات الشعب الفلسطيني بما فيها المجلس الوطني والمركزي واللجنة التنفيذية.
*كاتب وباحث فلسطيني مختص بالحركات الأيديولوجية.

اكمل القراءة
Advertisement
اضغط للتعليق

أترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *