ar Arabic
ar Arabicen Englishde German
Connect with us

أقلام وأراء

هل ستعيد الإدارة الاميركية فتح قنصليتها في القدس؟

بقلم: المحامي معين عودة

قد يظن المتابع لبعض وكالات الأنباء الفلسطينية او لبعض صفحات وسائل التواصل الاجتماعي التابعة لقيادات السلطة الفلسطينية بأن الادارة الامريكية ووزارة خارجيتها والكونجرس الامريكي منشغلون يوميًا بالقضية الفلسطينية، وانهم لا يتوقفون عن التفكير بكيفية حل أو حلحلة هذا الصراع التاريخي، لكن دعوني أخبركم سرًا صغيرًا، هم لا يهتمون بهذه القضية بالمرة.

زيارات بعض أعضاء الادارة الامريكية أو أعضاء الكونجرس للشرق الاوسط، وتوقفهم في مكتب رئيس السلطة الفلسطينية او رئيس وزرائه، ليست أكثر من زيارات ودية او لقاءات تحمل طابع العلاقات العامة. فكل متابع لما يجري بالداخل الامريكي من جهة، والاوضاع العالمية من جهة أخرى، يدرك انه لم تكن هناك رغبة فعلية لادارة بايدن بالتدخل في القضية الفلسطينية سابقًا، وأن هذه الرغبة انعدمت بالمطلق مع مرور الوقت.

وهذا السر ليس بجديد، فعلى المستوى الداخلي لا تملك السلطة الفلسطينية في رام الله، ولا حركة حماس في قطاع غزة، أي شرعية فلسطينية داخلية. فآخر انتخابات عامة انعقدت قبل 17 عامًا، في حين تستند كل مؤسسات الحكم على قوة الاجهزة الامنية فقط، وفرض الأمر الواقع على الشعب. اما الشرعية الوحيدة التي تسعى اليها كل تلك الجهات فهي الشرعية الخارجية، او الشرعية القادمة من لقاءات مع جهات سيادية في العالم، لتثبت لنفسها وللشعب بأنها “القيادة” الفعلية للشعب، في حين تفهم الادارة الاميركية –كما غيرها- هذا جيدًا، ويعرفون أن لا أمل بأن يقبل الشعب بأي اتفاق توقع عليه أي من هذه “القيادات”.

نقل السفارة الأمريكية إلى القدس

لا جدوى من التطرق في هذا المقال الى موضوع شرعية الانتخابات، وكيف تحصل اي قيادة على شرعيتها، فالشعب الفلسطيني –وغيره من الشعوب- يعرف حق المعرفة ما حصل لهذا الاستحقاق الدستوري، ولا داعي لتكرار حديث أصبح التطرق اليه موضوعًا رتيبًا عند الكثيرين.

ولكن ما حدث في شهر أيار 2018، وكيف نقلت أمريكا سفارتها الى القدس، تبقى القضية الأهم بالرغم من ان هذا النقل لم يؤثر فعليًا على الأرض، ولا على الوضع القانوني للمدينة المقدسة حسب القانون الدولي.

كانت اسرائيل تمثل على الارض سلطة الامر الواقع قبل النقل والاعتراف الامريكي وبعده، أما من ناحية القانون الدولي، فان نقل السفارة لم يمنح الاحتلال الاسرائيلي للقدس الشرقية التي احتلت عام 1967 اي حقوق ملكية او قانونية. فالقاعدة الاساسية في القانون الدولي تنص على أن الاحتلال لا يمنح حقوق ملكية، حتى لو لم تكن هناك دولة قائمة بالفعل قبل هذا الاحتلال. هذا مع الاخذ بعين الاعتبار أن اسرائيل تدعي بأنها لم تحتل القدس الشرقية، ولكنها “استعادتها من الاحتلال الاردني”.

قرارات عديدة صدرت عن العديد من الاجسام الدولية رفضت التغييرات في وضع القدس ومن ضمنها قرارات صدرت عن الجمعية العمومية للأمم المتحدة، مجلس الامن، منظمة اليونيسكو، وغيرها من المنظمات الأممية، ولسنا هنا بصدد مناقشة هذه القرارات الان، ولكن من المهم ان نشير الى مشروع “قانون سفارة القدس” الذي اقره الكونجرس عام 1995 للاعتراف بالقدس كعاصمة دولة اسرائيل ونقل السفارة الامريكية اليها.

إعادة فتح القنصلية الامريكية بالقدس

بدأ الحديث عن اعادة فتح القنصلية الامريكية بعد تولي الرئيس الاميركي بايدن مقاليد الحكم قبل ما يقارب عام، ولكن على ما يبدو، ومن الناحية القانونية لن يكون من السهل تفعيل هذه الخطوة. اعادة فتح القنصلية يعني ان على إدارة بايدن ان تجد حلًا لإعادة تجميد “قانون سفارة القدس” الذي أقره الكونغرس الاميركي. هذا الأمر بالنسبة لإدارة بايدن مشكلة ليست بالسهلة، فالرئيس بايدن لا يعتزم اغلاق السفارة بالقدس واعادتها لتل ابيب، وهذا ما صرح به أكثر من مرة.

وفي المقابل، من المهم الإشارة الى ان العلاقات القنصلية بين دول العالم –وبين اسرائيل والولايات المتحدة- تقوم على اساس ميثاق فيينا للعلاقات القنصلية للعام 1963. وبحسب البند الرابع من هذا الميثاق فان فتح مكاتب قنصلية او أي مكتب آخر يقوم بخدمات مشابهة على ارض دولة ما، منوط بموافقة هذه الدولة. كما ان المادتين السابعة والثامنة من الميثاق نفسه تنصان على ضرورة الحصول على إذن محدد من الدولة المضيفة، للقيام بأي وظائف قنصلية.

بالاضافة الى ذلك، فان الاتفاق الانتقالي بين إسرائيل ومنظمة التحرير الفلسطينية، المعروف بأوسلو “ب” ينص على امكانية إقامة “ممثليات” لدول أجنبية في المنطقة التي تحت سيطرة السلطة الفلسطينية، تستطيع من خلالها تنفيذ الاتفاقات الاقتصادية والثقافية وغيرها من الاتفاقات، في صالح السلطة الفلسطينية. ولكن في المقابل، لا يمكن للسلطة الفلسطينية فتح سفارات او قنصليات لتلك الدول على أراضيها.
وهذا يعني ان الامكانية الوحيدة لإعادة فتح القنصلية الامريكية، تستوجب على ادارة بايدن اتخاذ اجراء قانوني يعيد تجميد قانون الاعتراف بالقدس، سالف الذكر، ومن ثم سحب اعترافها بالقدس –او على الاقل بالقدس الشرقية- كجزء من عاصمة إسرائيل، ومن ثم سيكون بامكانها –نظريًا- اعادة فتح هذه القنصلية.

هل سيحدث هذا؟

على ما يبدو فان استئناف الحوار الاقتصادي بين السلطة والادارة الامريكية مؤخرًا يدل على قبول فلسطيني بفصل المسار الاقتصادي عن المسار السياسي، والتخلي عن المطالبة بايجاد حل للصراع الفلسطيني-الإسرائيلي، أو حتى مطالبة واشنطن بالتراجع عن الخطوات التي اتخذتها إدارة ترامب، والذي ترجح احتمالات كبيرة عودته الى البيت الابيض.

تدل تلك الحوارات ايضاً على إقرار أمريكي بعدم جدوى طرح مبادرات سياسية، والاكتفاء بالمشاريع الاقتصادية كبديل عن إطلاق مفاوضات سياسية. وايضًا الامتثال للرغبة الاسرائيلية بعدم التطرق لقضايا سياسية، بل فقط تحسين حياة الفلسطينيين، لكبح أي تدهور في الأوضاع الأمنية.

كشخص يعيش في العاصمة واشنطن، ويتابع عن كثب ما يجري في الداخل الأمريكي، لا يبدو ان الإدارة الاميركية المنهكة في ازماتها الداخلية تضع القضية الفلسطينية على سلم أولوياتها، فالرئيس بايدن غارق حتى اذنيه في مشاكله الداخلية، ويواجه تضخما ماليا هو الاعلى منذ اربعين عاما، ناهيك عن مشاكله السياسية مع خصومه الجمهوريين واعضاء حزبه الديمقراطيين والانخفاض الكبير في شعبيته. كل هذا يضاف الى مشاكله الدولية العديدة مع إيران وأوكرانيا، والصراع مع روسيا والصين.

كل هذا يؤكد أن الولايات المتحدة لن ترغب مطلقًا بفتح باب جديد من المشاكل مع إسرائيل، حليفها الأقوى في الشرق الاوسط.

* محامي مختص بالقانون الدولي وقانون حقوق الانسان، يتابع دراسته حاليا لدرجة الدكتوراة في حل النزاعات الدولية بجامعة جورج ميسون في العاصمة واشنطن.

اكمل القراءة
Advertisement
اضغط للتعليق

أترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *