Connect with us

أقلام وأراء

برقة ليست وحدها!

بقلم:نهاد أبو غوش

ليس المقصود من العنوان أعلاه القيام بجهد تعبوي أو تضامني مع بلدة برقة وأهلها، ولا هو يؤشر، إلى حالة شعبية كفاحية هبّت للتضامن مع برقة هبّة رجل واحد في مواجهة المستوطنين، فهذا هو المطلوب ولكنه ما زال غائبا لأسباب كثيرة. ولكن المقصود أن الهجوم على برقة هو دلالة تصعيد نوعي من قبل دولة الاحتلال بمختلف مؤسساتها وأدواتها العسكرية والأمنية والاستيطانية، وأن اعتداءات المستوطنين لم تعد مجرد حوادث متفرقة يقوم بها بعض المهووسين، بل باتت نمطا معتمدا ومدعوما بكل وسائل التغطية القانونية والسياسية من قبل المؤسسة الإسرائيلية الحاكمة، وبات علينا كفلسطينيين أن نستعد لمواجهة حملات شبيهة على امتداد الأراضي المحتلة، وعلى طول خطوط التماس مع الاستيطان.

وقد بدأت أوساط دولية وإسرائيلية تنتبه في الآونة الأخيرة وتبدي قلقها من تفاقم “ظاهرة” عنف المستوطنين، وتأثيرها على الأمن والاستقرار في المنطقة، وعلى مستقبل عملية السلام التي تسعى أوساط أوروبية ودولية لإحيائها بعد موتها سريريا. كان هذا الموضوع محل نقاش بين مساعدة وزير الخارجية الأميركي فيكتوريا نولاند، ووزير الأمن الداخلي الإسرائيلي عومر بارليف الذي أقر بوجود هذه الظاهرة وانتقدها علنا، لكن رئيس الوزراء نفتالي بينيت سارع للدفاع عن المستوطنين، ووصفهم بأنهم “الحصن الدفاعي” لإسرائيل، داعيا إلى دعمهم قولا وفعلا، والأنكى من دعم بينيت كانت مسارعة منصور عباس عضو ائتلاف حكومة بينيت – لابيد، الذي أضاف إلى سجلّ “مآثره” في تبني قانون القومية، والصمت على تهويد القدس واقتحامات الأقصى موقفا تأنف حتى الأحزاب الصهيونية من اتخاذه، وهو تبرئة المستوطنين من المسؤولية عن العنف بزعم عدم جواز تعميم أحكام ضد جمهور كامل.

ظاهرة عنف المستوطنين ليست جديدة، فهي نشأت مع نشأة الاستيطان الذي يشكل بحد ذاته جريمة حرب، واعتداء مستمرا على الأرض والشعب الفلسطيني، وقد وفّر الاستيطان بيئة حاضنة لظواهر واعتداءات إرهابية شديدة التطرف على شاكلة الحاخام موشي ليفنغر، والمجرم باروخ غولدشتاين مرتكب مذبحة الحرم الإبراهيمي، ومنفذي جريمة إحراق عائلة دوابشة، والطفل محمد ابو خضير، والشهيدة عائشة الرابي، لكن هذه الظاهرة تطورت إلى ما يشبه الميليشيات والتشكيلات العسكرية المنظمة وأبرزها “شبيبة التلال”، التي لها أحزاب سياسية تتبنى مطالبها وتدافع عنها كحزب الصهيونية الدينية وممثلاه البارزان بن غفير وسموتريتش، وحزب يمينا الذي يتزعمه رئيس الوزراء، وكل هذه التشكيلات تحظى بحماية ودعم جيش الاحتلال، وتمويل شبكة واسعة من المنظمات والجمعيات غير الحكومية في إسرائيل والولايات المتحدة، كما أن لهذه التشكيلات منابر إعلامية ومؤسسات دينية تتولى إصدار الفتاوى اللازمة لشرعنة أعمال المستوطنين وتبرير جرائمهم.

لا يمكن النظر إلى جرائم المستوطنين بمعزل عن التطورات الجارية في المجتمع الإسرائيلي بشكل عام، وتزايد ثقل المستوطنين ووزنهم النسبي وسط هذا المجتمع الذي يجنح أكثر فاكثر نحو اليمين المتطرف. فخلال السبعينات والثمانينات كان المستوطنون يمثلون ظاهرة هامشية في الحياة السياسية الإسرائيلية، لكنهم في التسعينات والألفية الجديدة، باتوا يمثلون أكثر من 10% من مجموع الإسرائيليين اليهود، وانتقلوا إلى قلب الخريطة السياسية، وشاركوا في جميع الحكومات التي شكلها اليمين بعد أن صار إرضاؤهم غاية تُرتجى، وهم الآن في رئاسة الحكومة من خلال بينيت المدير العام السابق لمجلس الاستيطان “ييشع”.

منح قانون القومية، الذي أقر في العام 2018، دفعة هائلة للمستوطنين وخطّهم المتشدد، فقد شكل القانون القاعدة الشرعية لأعمال المستوطنين وآخرها هجومهم على برقة. فهذا القانون اعتبر حق تقرير المصير في “أرض إسرائيل”، أي في كل فلسطين، حقا حصريا للشعب اليهودي، واعتبر أن الاستيطان “قيمة قومية”، من واجب الدولة دعمه وتشجيعه.

ما الذي يفعله المستوطنون، والحال كذلك، سوى تنفيذ قانون القومية؟ الفارق الوحيد بين ما يفعله المستوطنون والدولة، هو ان الأخيرة تضفي طابعا رسميا منمّقا على عمليات الاستيطان، وتسبغ عليها صفات شرعية وقانونية، بينما يقوم المستوطنون بالعمل ذاته ولكن بشكل مباشر ومن دون تمويه أو تغطية. المستوطنون إذن هم فرقة متقدمة من منظومة الهجوم الاستعماري الاستيطاني لتنفيذ مخططات الضم والتهويد، ودورهم يتكامل مع أدوار باقي المنظومة من حكومة وأجهزة أمنية وعسكرية ومؤسسات قانونية وجمعيات غير حكومية وبلدية (تحديدا في القدس) ، ولكل ذلك فإن الهجوم على برقة ليس سوى بداية مرحلة جديدة من التصعيد الذي تنفذه دولة الاحتلال ويعطيه المستوطنون طابعا جماهيريا وشعبيا.

ومن المؤكد أن مخططات الضم والاستيطان استفادت إلى الحد الأقصى من حالة الضعف والانقسام الفلسطينية، ومن التواطؤ والصمت الدوليين، ومن موجة الهرولة العربية للتطبيع مع إسرائيل وهي في ذروة عنصريتها وعدوانيتها، ولكن ما يعنينا أكثر هو أن مستوى التصدي الفلسطيني لهذا المخطط ما زال أدنى بكثير مما هو مطلوب ومما هو ممكن، فلا زال الرد يعتمد على الهبات العفوية وعلى مشاركة المواطنين الذين يقعون مباشرة في دائرة النار فيهبّون للدفاع عن أنفسهم وبيوتهم ووجودهم. وإذا ما استثنينا بيانات الشجب والاستنكار، والجهود المحلية المتواضعة، فإن الكلام عن القيادة الوطنية الموحدة وتشكيل لجان الحراسة في القرى والمناطق ما يزال في طور التبشير بما ينبغي أن يكون، بعيدا عن الجهد المخطط والمنظم لأطراف الحركة الوطنية ولجان التنسيق، في حين يتبدد كثير من الجهد في احتكاكات زائدة عن الحاجة بين السلطة والفصائل من خلال محاولات مفاجئة لفرض النظام، مع أن الخطر لا يأتي إلا من الاستيطان والمستوطنين.

لا أحد يطالب السلطة بالانتحار والإقدام على مواجهة عسكرية غير متكافئة، لكن الشعب الفلسطيني يمتلك كثيرا من القدرات المعطلة في مواجهة الاستيطان، وما اجتياح برقة إلا جرس إنذار لموجة من الاعتداءات التي قد تصل إلى عتبات بيوتنا جميعا إن لم نستنفر قبل فوات الأوان.

اكمل القراءة
Advertisement
اضغط للتعليق

أترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *