Connect with us

أقلام وأراء

هرولة التطبيع مع الدولة العبرية والواقعية السياسية الجديدة … ‏

بقلم:يونس العموري ‏

في ظل إعادة تشكيل وتشكل الخارطة السياسية الإقليمية وعلى وجه التحديد العربية وتصدر اتفاقيات ‏التطبيع والصلح والتصالح وابرام الاتفاقيات العسكرية والأمنية بالتعاون المشترك مع الدولة العبرية من ‏قبل بعض الأنظمة العربية والكثير من المؤسسات العربية الرسمية وغير الرسمية للهرولة باتجاه تطبيع ‏العلاقات السياسية والأمنية والثقافية والرياضية والسياحية مع كيان الاحتلال ثمة ظاهرة لا بد من التوقف ‏عندها ، والتي اعتقد أنها قد بدأت بالسيطرة على المسار المجتمعي العربي بمنظومة وعيه وصناعه مفاهيمه ‏بشكل أو بآخر، حيث بات يتردد ترويج سياسي جديد على شكل منهج ليبرالي بعد أن تم التمظهر بفشل ‏القوى الوطنية القومية العروبية وفصائل العمل الوطني الفلسطيني بكل أشكالها الكلاسيكية أو تم إفشالها ‏وإفشال أطروحاتها وإخراجها من دائرة التأثير بشكل أو بآخر لدى المنشغلين بالشأن السياسي العام ، الأمر ‏الذي بات يهدد أركان منظومة المفاهيم الوطنية بإطارها القومي العربي برمتها.‏
إن فلسفة التطبيع تقوم على أساس التسليم بمنطق الهزيمة والاستسلام لمنطق قوة العدو وفقا لشروطه ‏ورغباته والتسليم بكل ما يتصل بالحقوق والحق والانصياع بالتالي لمعادلة الهزيمة وما تفرضها من شروط ‏انهزامية لها الأثر الكبير على مستقبل الشعب بكل مكوناته وجعل العدو صاحب اليد العليا ، في حسابات ‏المصالح وهو ما نشهده بالظرف الراهن في ظل موجة التطبيع وتنامي تيار ما يسمى بالواقعية السياسية ‏العربية المستندة بالأساس على تقاطعات للحفاظ على مصالح النخب العربية الحاكمة وما تمثل وما بين ‏مصالح دولة الاحتلال في المنطقة ، وقد انعكست هذه التقاطعات من خلال الاتفاقيات الموقعة من قبل بعض ‏الأنظمة العربية والدولة العبرية البعيدة كل البعد عن مفهوم إحلال السلام الشرق اوسطي …‏
ان فلسفه التطبيع تقوم على اساس هدم اركان المجتمع من داخله وذلك من خلال زرع الفتن وتقويض ‏معتقداته وتاريخه التراثي المبني على الحقوق التاريخية والمصالح العربية ذاتها وحمايتها من استهداف ‏الاخر بصرف النظر عن ماهية هذا الاخر، وعلى مختلف المستويات بهدف التشكيك بكل ما يتصل بالعقيدة ‏العربية القومية ومندرجاتها وبالتالي هدمها واحلال عقائد أخرى مكانها لا تتصل بالتاريخ العربي القومي ‏وتراكماته. ‏
ولعل فعل التطبيع قد أخذ مداه الأساسي من خلال اتفاقية العبور نحو الساحة العربية من خلال اتفاقية أوسلو ‏وملاحقاتها، وتطويعها وفقا لرغبات حكام تل ابيب وبالأساس منها التنسيق الأمني الذي جاء كنقطة تحول ‏دراماتيكية لتجريف الفعل الوطني بكافة اشكاله، من هنا اخذ مفهوم التطبيع شكلا اخر ومختلف حيث ‏التعاون والاندماج الكامل في منظومة المفاهيم والمدركات التي اثرت على مسار العملية السياسية برمتها، ‏مما ساعد على الترويج لمفهوم الواقعية السياسية العربية بشكل عام والفلسطينية على وجه التحديد. ‏
هذا الترويج الذي بات يعتمد على ما يسمى بالواقعية السياسية وضرورة النظر للأمور والمستجدات ‏التفاعلية بالمنطقة بمنظار الواقعية والتعاطي معها والتسليم بنتائجها، وبالتالي التخلي على الخطاب السياسي ‏المستند على الثوابت الوطنية القومية والحقوق التاريخية للشعب العربي الفلسطيني، حتى أن أنصار ‏الواقعية الجدد باتت نظرتهم للوقائع السياسية تعتمد على المطروح إسرائيليا ودوليا من خلال البوابة ‏الأمريكية وأية لغة أخرى من شأنها معارضة ومقاومة المد الأمريكي ومقاومة السياسات الإسرائيلية في ‏الأراضي الفلسطينية، وتحديدا تجاه قضية كقضية القدس أو قضية اللاجئين توصف من قبل هؤلاء ‏الواقعيين على أنها خطابات خشبية جامدة لا تغني ولا تسمن من جوع، مع العلم أن الخطاب الفلسطيني ‏الراهن وبظرفيته الحالية والذي عبر ويعبر عن نفسه من خلال أطروحة الدولة الفلسطينية على حدود ‏الرابع من حزيران بعاصمتها القدس الشرقية ، في اطار حل الدولتين ، إنما يعتبر قمة الواقعية الجديدة ‏والتعاطي والشأن الدولي العام في ظل مستجدات دولية وإقليمية فرضت نفسها على مختلف صُناع القرار ‏السياسي الفلسطيني على مدى العقدين الأخيرين، وهذا بتصوري ما يشكل الحد الأدنى من الخطاب الوطني ‏والقومي، ودون ذلك يعتبر تفريطا وليس انسجاما والواقع الدولي والإقليمي.‏
إن أنصار الواقعية الجديدة يرون بكل أشكال المقاومات، وليست بالضرورة المسلحة او العنيفة لسياسات ‏الاحتلال، خروجا عن نمطية هذه الواقعية وتخريب الرؤية السياسية التي يحاولون أن يتعاطون ونتاجاتها ‏على الأرض، كأن يقال مثلا أن قضية كقضية القدس أكبر من أن نفرض فيها أية حقائق أو وقائع فلسطينية، ‏وبالتالي من الضروري التعاطي والمطروح على أرض الواقع، وأن يتخلى أنصار التمسك بالثوابت عن ( ‏اللغة الخشبية) تجاه قضية القدس، وأن الدعوة إلى الصمود وتعزيز أسباب الصمود العربي والوطني فيها ‏في ظل ظرفية السلطة الفلسطينية وقيادتها والتحديات التي تفرض نفسها على هذه القيادة يعتبر تصعيدا ‏خطابيا ضد هذه القيادة أو إحراج هكذا قيادة المتناقضة مع ذاتها وخطابها ، ( حيث تسلل الكثير من انصار ‏أطروحة الواقعية السياسية لكينونتها وصبحت السمة الأساسية لشكل القيادة الفلسطينية التناقض والتخبط ‏والذهاب نحو المجهول) ، مع العلم أن أسباب الصمود ليس بالضرورة أن تكون مادية فقط، مع أهمية الدعم ‏المادي لهذا الصمود، ولبقاء فعل المؤسسات الوطنية فيها، بل أن الرؤية السياسية تجاه القدس وتحديد اللغة ‏والمفردات المبدئية وتضمينها بالخطاب الفلسطيني الرسمي والمستند إلى خطط برامجية واضحة المعالم ‏وقابلة للتطبيق وفق منهاج علمي وعملي بذات الوقت من شأنه أن يعزز الصمود العربي بالقدس، وعلى ‏الأقل أن يتصدى للسياسات الإسرائيلية أو أن يعطل مسارات فعلها وتخريب وتغيير ملامحها العربية ‏وهويتها الحضارية، وهكذا خطاب عادة ما يتم وصفه بلغة هؤلاء الواقعيين بالخشبي وغير المنطقي في ظل ‏ظرفية السلطة.‏
وفي ظل تصارع لغة الواقعية الجديدة وأنصارها مع اللغة الوطنية العربية المستندة إلى الحق الوطني ‏والعروبي التاريخي نجد هؤلاء الواقعيين يحاولون الرهان على الأطروحة الدولية عبر بوابة الإمبراطورية ‏الأمريكية وسياساتها في المنطقة ليجدوا ومن خلال هوامش هذه السياسات بعضا من الفتات يقتاتون عليه ‏لممارسة الكلام السياسي وفن التنظير الواقعي حول ضرورات المرحلة ومتطلباتها، وحضارية التعاطي ‏السياسي وأخلاقيات العصر الأمريكي في إدارة الشأن الدبلوماسي على قاعدة مراعاة المصالح ومناطق ‏النفوذ، وضرورة تقديم التنازلات المطلوبة حتى نأخذ مكاننا في نادي الليبراليين العرب الجدد المتفقين مع ‏المحافظين الجدد في بلاد العم سام، وحتى نكون على تواصل مع عواصم ما يسمى بالاعتدال العربي.‏
وهذا النادي من أهم شروط عضويته أن يتم التخلي عن ما يسمونه “باللغة الخشبية” في القضايا الوطنية ‏والقومية كقضية القدس وقضية اللاجئين، والأهم أن يتم نبذ المقاومة بكافة أشكالها وأنواعها من ضرب ‏الحجر والاعتصام والتظاهر وحتى التعبير عن وجهة النظر، بمعنى آخر يجب أن نحاور الآخر في معادلة ‏الصراع، وأن نقبل مبدأ الحوار والتحاور على كل ممارسة إسرائيلية، ولهم الحق أن يفعلوا ما يشاؤون دون ‏أن يكون لنا الحق بمجرد تعزيز أسباب الصمود والثبات.‏
من حق إدارة البيت الأبيض أن تعقد جلسات المشاورات والمباحثات مع وزراء الخارجية العرب ومديري ‏المخابرات للدول المؤثرة في المعادلة الإقليمية لتعطيهم تعليماتها وأوامرها لكيفية تهيئة المسرح الإقليمي ‏للفعل الأمريكي القادم، والمتواصل نحو وفي المنطقة، والمطلوب منا وحسب الواقعية التسليم بهكذا وقائع.‏
وفي سياق التعاطي السياسي الرسمي الإقليمي والمبرمج إلى حد ما أمريكيا على شكل صبغة دولية، ثمة ‏ملاحظات لا بد من إبرازها أمام رواد الواقعية السياسية الجديدة في المنطقة ورواد التطبيع والترويج له ، ‏ولعل أهم هذه الملاحظات تتلخص بالآتي:‏
• إن ادارة البيت الأبيض لا ترى أن الوقت قد حان لحل قضايا ما يسمى بالمرحلة النهائية فيما يخص ‏القضية الفلسطينية، والمقصود طبعا قضايا القدس واللاجئين وإقامة الدولة الفلسطينية ذات السيادة. ‏
• إشاعة جو سياسي ودبلوماسي عام في المنطقة من قبل البيت الأبيض والحكومة الإسرائيلية ‏بالتعاون مع الواقعيين العرب والفلسطينيين الجدد باعتبار أن المنطقة غير مهيأة لإحلال ما يسمى ‏بالسلام التسووي، وهذا ما يعبر عن الموقف الإسرائيلي تماما. ‏
• محاولة تثبيت وترسيخ مفهوم النزاع الحدودي على الصراع العربي الإسرائيلي، وهو على الأقل ما ‏تحمله وتدلل عليه الأطروحات الأمريكية الإسرائيلية، وهذا يتجلى بشكل واضح في النظرة ‏الإسرائيلية للعملية السلمية، والتي تدعو إلى إقامة دولة فلسطينية بحدود مؤقتة تتفاوض مع الجانب ‏الإسرائيلي على القضايا المُختلف عليها، وهو ما يروج له أنصار الواقعية السياسية تحت شعار ‏‏“إنجاز ما يمكن إنجازه، بمعنى أن المطلوب تقديم التنازلات من قبل الجانب العربي، والجانب ‏العربي طبعا لا يبخل بتقديم هكذا تنازلات. ‏
• محاولة ترسيخ مفهوم محور دول الاعتدال العربي (السني الظاهر..) في مواجهة المد الشيعي..( ‏الخطر الإيراني..) لخلق فزاعة سياسية جديدة أمام النظام العربي الرسمي خدمة للمصالح الأمريكية ‏في المنطقة في مواجهة المد القومي العربي المستند إلى المقاومة والممانعة. ‏
• ثمة فشل سياسي أمريكي في المنطقة وثمة محاولات تجيير لمصلحة سياسات البيت الأبيض، وذلك ‏عبر إدارة العلاقات العامة حول القضية الفلسطينية. ‏
• محاولة تغيير مفهوم الأمن القومي العربي، وتغيير بوصلته تجاه إيران، وتراجع الخطر الإسرائيلي ‏على الأمن القومي العربي برمته.‏
• ثمة محاولات لتدجين قوى الممانعة والرفض للسياسات الأمريكية، وبالتالي الإسرائيلية في المنطقة، ‏وهو ما نراه ونلمسه في الظرف الراهن.‏
وبهذا الشكل أرى أن التعاطي الواقعي والقضايا المطروحة إنما يصب في خدمة دبلوماسية الفعل الأمريكي ‏والإسرائيلي، والذي لا يتعدى في أحسن أحواله شأنا من شؤون العلاقات العامة يتم العمل على مساراته ‏المختلفة ظرفيا وفقا للأجندة الإقليمية الأمريكية في المنطقة ومتطلباتها.‏

اكمل القراءة
Advertisement
اضغط للتعليق

أترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *