ar Arabic
ar Arabicen Englishde German
Connect with us

أقلام وأراء

محاضرة بين جدران المعتقل

بقلم : الاسير زياد زهران «أبو امل»

يبدأ الدكتور مناضل محاضرة اليوم بالترحيب بمن حضر من الأسرى. أعزائي رفاق الدرب. طلاب الحرية. صباح الخير. ستطول المحاضرة اليوم بسبب الإعاقة المقصودة من “السجان” لمحاضرة الأمس، وأتمنى أن نتشارك في استغلال الفترة المتاحة بأكبر قدر من الاستفادة.
التعليم ليس وسيلة لتخزين الأفكار الجاهزة، ومعلومات شتّى بعقول الطلبة، بما يعني التلقين، بل التعليم أداة لتفعيل العقل بحدود قصوى، وترتيب الأفكار بمعلومات تجمع بطرق تضمن صحتها، كي يمكن ربط وتوظيف المعرفة بما هو خير نافع، للخاص، أو العام.
مهم جداً أن نتفهم كل معارضة. كل خلاف واختلاف. يعني رأي آخر، قد يحتمل الصواب، ولولا ذلك، لم ولن يوجد تغيير، أو تصويب وتجديد، وهذا يدفعنا أن نحترم الرأي الآخر، وإن خالفنا. بذات الوقت، نفكر بالأصوب دون مغالاة وتطرف، وما أحوجنا نحن الأسرى، وعموم الشعب المحتل أن نتمسك بالحرية. نتعاون جمعاً في ترجمة معارفنا، لتنعكس سلوكاً لا تنظيراً، فلا يكفي أن نكون مناضلين، فمسؤوليتنا تحتم علينا أن نكون مناضلين متعلمين واعين.
أيها المناضلون. تلاميذي الأسرى. قصدت بهذا العرض لأقدم لما سنستعرض من مفاهيم نرددها كثيراً، دون أن نلمس بداية لمحاولة التطبيق، حتى وصل الأمر بالبعض إلى إطلاق عبارات سوداء تحمل معها غيوم اليأس، وفقدان الآمال، لتضعف أهم المبادئ التي تشكل أساساً للتغيير، وهي الإيمان بحتمية تحقيق الأهداف، والاستعداد للتضحية في سبيل الأسمى.
عشرون عاماً مرت ونحن نردد أن الوحدة الوطنية قانون الانتصار، وكان الواقع يدعونا لاستشراف القادم. خضنا انتفاضة الأقصى ضد الاحتلال الغاشم، ونحن نؤمن بقوة وأهمية وحدتنا، كون النصر على المحتل يحتاج كثيراً من الجهد والوقت والصبر، وتراكم نضالات، ومقاومة شرسة لا تتوقف، وفق مصالح فئوية، فما نواجه من احتلال، يختلف عما مر على مختلف الشعوب التي عانت ظلم المستعمر، وصمدت، وقاتلت، وناضلت حتى زال.
في حالتنا خطر داهم. يتمثل في إعلان المحتل خطته للتمزيق والتقسيم بين غزة والضفة، والضفة والقدس، والضفة والضفة، ونحن جميعاً نعزز هذه الخطة!! ما أغرب أن تتفق على هدف عدوك، ولا تعمل على إفشال ما صرح بوضوح تام.
الحركة الوطنية الأسيرة، ضعف وترهل، وغياب الموقف الواحد. مرت الحركة الأسيرة منذ تشكلها في نهاية ستينات القرن الماضي، بظروف قاسية، وتحديات كبيرة، واجهها الأسرى الفلسطينيون والعرب موحدون، وقدموا التضحيات الجسام، وسطروا بطولات تم تخليدها في الذاكرة الوطنية. صمدت الحركة الأسيرة، وانتصرت على “السجان”، كما انتزعت العديد من الإنجازات الهامة، وأرغمت “مصلحة سجون الاحتلال” على تنفيذ الكثير من مطالب الأسرى العادلة المشروعة، وذلك بفضل التماسك، ووحدة الموقف، وصلابة ممثلي الأسرى.
استمر هذا الحال حتى بعد توقيع اتفاقية أوسلو عام 1993، والتي بموجبها تقلص عدد الأسرى بشكل ملحوظ، وأغلق الكثير من “السجون”، ولم تضعف الحركة الأسيرة، فظلت متماسكة. لقد تأثرت الحركة الأسيرة بشكل خطير بعد الانقسام، وتم الفصل والتفريق بين أهم مكوناتها، وتحديداً بين أسرى حركة فتح الذين يشكلون أكثر من 53% من مجموع الأسرى، وأسرى حماس الذين يشكلون نحو 25%. كان هذا الفصل والتفريق بين الأسرى مؤلماً وكارثياً، فقد أنتج حالة من التنافر، وعدم التلاقي على أي برنامج نضالي موحد، وأجّج مشاعر الكره، وعدم التضامن. تمّ كذلك توزيع أسرى باقي التنظيمات على أقسام تشرف على شؤونها إحدى الحركتين.
في كل عام مر على الانقسام، اتسعت الفجوات بين الفصائل وأفرادها، وتركت تأثيراتها السلبية على أداء ممثلي الأسرى داخلياً، كل في إطار تنظيمه. بتنا نرى في بيانات التنظيم لأفراده الأسرى عبارات تصف الحركة الأسيرة بالضعف، والترهل، وعدم الانضباط. كنا كذلك نسمع الكثير من المناشدات التي يطلقها المهتمون بشؤون الحركة الأسيرة من الخارج، تطالب بضرورة الوحدة، ورص الصفوف، والتماسك. لقد وصل الأمر إلى لوم الحركة الأسيرة على تشرذمها، وعدم مواجهتها موحدة سياسات “مصلحة سجون الاحتلال” التي انقضت على أغلب إنجازات الحركة الأسيرة.
أفرز الانقسام وغياب الرقابة للتنظيمات الوطنية والإسلامية، سيادة التنظيم الواحد، وأحياناً رجل التنظيم الواحد، وأوصلت الحركة الأسيرة إلى حالة الضعف والترهل المشار إليها.
السبيل للخروج من هذه الحالة معروف لدى كافة الأسرى، والمهتمين بشؤونهم، لكن الإرادة لتحقيق ذلك مفقودة، والقرار المسؤول بحاجة إلى قيادة مسؤولة، علماً بوجود نموذج في “سجن هداريم” يمكن الاقتداء به، وتطبيقه، ولو بالتدريج. إن هذا يعيدنا إلى ما طرحناه سابقاً، أن الأفكار والأقوال والمسؤولية، بحاجة لترجمة إلى سلوك يؤدي إلى منفعة عامة.
أعزائي الطلبة، انتهى الوقت المخصص لنا في ساحة “السجن”. أنهي معكم هذه المحاضرة بما قاله أحد حكمائنا “اجعلوا هذا العام عام الأمل.”

اكمل القراءة
Advertisement
اضغط للتعليق

أترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *