Connect with us

أقلام وأراء

الموت أثناء البوسطة

بقلم: الأسير حمادة درامنة

كثيرة هي الأساليب البشِعَة التي -نسمع عنها ونشاهدها- تمارسها إدارة مصلحة السجون الإسرائيلية بحَقّ ‏الأسرى داخل السجون، ويكون الهدف دائماً من هذه الأساليب النَّيْل من عزيمة ونفسية الأسرى، الأمر الذي ‏يؤدّي في نهاية المطاف إلى الموت البطيء لهم. ولعلَّ أسلوب النقل (البوسطة) من سجنٍ إلى سجنٍ آخر ‏أو إلى المحكمة أو بغرض العلاج في بعض المستشفيات هو أحد تلك الأساليب المتعددة التي تتعمّد إدارة ‏مصلحة السجون ممارستَها بحَقّ الأسرى.‏
يتعرّض الأسرى أثناء عملية النقل (البوسطة) لقدرٍ كبيرٍ من المعاناة والألم، خصوصاً وأن حركة النقل هذه ‏لا تكون من السجن إلى المكان المقصود في نفس اليوم، ولكن يتمّ إيقاف الأسرى قبل وصولهم من مكانٍ ‏مقصودٍ في أحد السجون الأخرى أو فيما تُسَمّيه إدارة مصلحة السجون “المعبار” كمعبار الرملة، ومعبار ‏الهيلكدار “بئر السبع”، فتكون هذه الأماكن “المعابر” محطّات انتظارٍ ينزل فيها الأسرى وينتظرون فيها لأيام ‏حتى تعود سيارة البوسطة لتستأنِفَ عملية نقْلِهم.‏
علاوةً على ذلك تُعَتَبر هذه الأماكن التي ينزل فيها الأسرى من الأماكن التي تفتقر إلى أبسط مقوّمات الحياة ‏الآدمية، ولا تتوفَّر فيها الرعاية الصحيّة والطبيّة التي تتلاءم وحالة الأسرى المتواجدين داخل أقبيتها سواءٌ ‏كانوا أسرى كبار السِّنّ أو مرضى. ولا نرى لطريقة النقل هذه سبباً يدعو إدارة السجون للقيام بها اللهم إلا ‏التنكيل بالأسرى ومعاقبتهم .‏
إنَّ نقْلَ الأسير من سجن نفحة الصحراوي أو سجن ريمون إلى سجن النقب الصحراوي على سبيل المثال ‏يحتاج مع مصلحة السجون إلى ثلاثة أيام بطريقتهم المتَّبَعَة “البوسطة”، عِلْماً بأنّ أيّ مسافرٍ بين منطقتَيْ ‏نفحة والنقب لا تستغرق معه الرحلة أكثر من خمسٍ وأربعين دقيقة، ولكن تتعمَّد مصلحة السجون الوقوف ‏وإنزال الأسرى في معبار الهلكدار “بئر السبع” قبل أن تنقلهم بعد يومين أو ثلاثة أيام إلى سجن النقب، ‏فيُعاني الأسرى في تلك الأيام الويلات جرّاء نقص الطعام والشراب والملبس صيفاً وشتاءً، بالإضافة إلى عدم ‏صلاحية المكان نفسه للحياة الآدميّة.‏
ومن الجدير بالذكر أن هذه الوسيلة العقابية وكما ذكرنا سابقاً تُسْتَخْدَم مع جميع الأسرى كباراً بالسِّنّ أو حتى ‏ممَّنْ يُعانون أمراضاً ويكون الغرض من نقلهم العلاج. ولعلَّ استشهاد الأسير سامي العمور من سكّان قطاع ‏غزة قبل شهرٍ أثناء عملية نقْلِه إلى معبار الهلكدار وإنزاله فيه بعد عملية جراحية أُجريَتْ له في القلب يكون ‏سبباً كافياً يستدعي من الجميع الوقوف بوجْه هذه الممارسة التي تقتل الأسرى وتضيف لمعاناتهم معاناةً ‏جديدةً.‏
الأسير الشهيد سامي العمور كانت قوات الاحتلال قد اعتقلته في عام 2008، وفي الآونة الأخيرة قبل ‏استشهاده بدأت تظهر على الشهيد العمور أعراض أمراضٍ في القلب، فتمَّ نقْلُه من سجن عسقلان لمعبار ‏الهلكدار، ومن ثُمَّ إلى مستشفى برزلي، وأُجْرِيَتْ له هناك عملية جراحية، ولكي يعود لسجن عسقلان كان لا ‏بُدَّ له من أن ينزل كالمعتاد أولاً في معبار الهلكدار، وبالرغم من حالته الصحية الحَرِجَة لم تُراعِ مصلحةُ ‏السجون ذلك فتعمّدت إدخالَهُ معبار الهلكدار قبل نقْلِه لسجن عسقلان، وبسبب عدم ملاءمة مكان الاحتجاز ‏لظروف الأسير الصحيّة الصعبة، ساء وضْعُه أكثر، مما أدَّى إلى استشهاده بسبب ذلك التعنُّت من قِبَل ‏إدارة مصلحة السجون بعد نقْلِه مباشرةً من المستشفى إلى سجن عسقلان.‏
إنَّ حدَثَ استشهاد الأسير سامي العمور الخطير بسبب عملية النقل “البوسطة” ومروره على تلك السجون أو ‏المعابر قبل استقراره في سجن معين تدعو الأسرى داخل السجون لاتّخاذ سلسلة من الخطوات الاحتجاجيّة ‏للوقوف أمام هذا السياسة العقابية التي تُمارِسُها إدارة مصلحة السجون بشكلٍ متعمَّدٍ بحقِّ الأسرى أثناء ‏عملية نقلهم بين السجون والمستشفيات والمحاكم، ومن هذه الخطوات إقدام الأسرى على الامتناع عن عرض ‏أنفسهم على الأطباء لإجراء الفحوصات الطبيّة الضرورية، وذلك عندما تكون فيها الحاجة للنَّقْل خارج ‏السجن للبوسطة والمرور على تلك المعابر بالإضافة إلى إرجاع وجباتٍ من الطعام .‏
علاوةً على ذلك فإنه على المنظّمات والجمعيّات الحقوقية والدوليّة وخاصّةً “الأحمر” متابعة هذا الأمر ‏الخطير الذي تمارِسُ من خلاله حكومة الاحتلال وإدارة مصلحة السجون مخالفاتٍ واضحةً وبالمواثيق ‏والمعاهدات الدولية وتحديداً في هذا الشأن حول ما ذُكِرَ في اتّفاقيّات جنيف عام 1949 في الفصل العاشر ‏‏”نقل الموقوفين” المادة 127، والتي تنصُّ على ضرورة نقل الأسرى بكيفيّة إنسانية، وأن على الدولة الحاجزة ‏خلال عملية نقل الأسرى تزويدهم بماء الشرب والطعام بتنوّع وبكمّيات تكفي للمحافظة على صحَّتِهم بحالة ‏جيّدة وتوفير كل ما يلزم من ملابس ورعاية طبّيّة.‏
نصَّتْ أيضاً المادة 127 الخاصة بنَقْل الأسرى على ضرورة اتّخاذ جميع الاحتياطات المناسِبَة من قِبَل ‏الدولة الحاجزة لتأمين سلامة الأسرى أثناء عملية النقل، فلا يُنْقَل الأسرى المرضى أو الجرحى أو كبار السن ‏ما دامت عملية النقل هذه تعرّض حياة الأسرى للخطر.‏
تستمر إدارة مصلحة السجون الإسرائيلية في ممارساتها القمعيَّة والتنكيليّة بحَقّ الأسرى، متجاوزةً عن كلّ ما ‏هو أخلاقيٌّ وإنسانيٌّ بل تزيد على ذلك في ابتكاراتها اليوميّة لأساليب جديدة تعتقد مصلحة السجون أنّ من ‏شأنها أن تنال من عزيمة الأسرى أو أنها تكسرهم بها.‏

اكمل القراءة
Advertisement
اضغط للتعليق

أترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *