ar Arabic
ar Arabicen Englishde German
Connect with us

أقلام وأراء

الهزيمة ليست قدرًا

بقلم: جمال زقوت

يتسابق المحللون ومراكز البحث والتخطيط الاستراتيجي في اسرائيل في وصف حالة الضعف غير المسبوقة للسلطة الوطنية، ‏ويُفنّدون الشواهد والأدلة على التراجع المتزايد في مكانتها ومكانة الرئيس عباس. وينبري بعضهم، ومعهم قادة من الجيش والأمن ‏الاسرائيليين، لإظهار انحيازهم للرئيس، وضرورة مساعدة السلطة للخروج من أزماتها سواء المالية، أو التراجع في شعبيتها بفعل ‏ما تسميه هذه الدوائر بالفشل الاستراتيجي للسلطة، متجاهلة أن سياسات حكوماتها، وقلّة حيلة المتحكّمين بقرار السلطة في ‏مواجهة هذه السياسات، هي محرك هذه الأزمات المتفاقمة. ولمزيد من التضليل تقوم بعض الجهات الاسرائيلية، سيّما الأمنية، ‏بحملة اتصالات تحت ذريعة إعادة قنوات الدعم المالي العربي، كما تُوسِّع من الطاقة الاستيعابية للعمال الفلسطينيين في سوق ‏العمل الاسرائيلي، بما في ذلك في المستوطنات التي تشكل الحلقة الأبشع للاحتلال.‏

يترافق ذلك كله مع تصاعد حدة التوتر بين السلطة الوطنية وحركة حماس، في وقت يتزايد فيه التحريض الاسرائيلي لدفعهما نحو ‏التصادم، الذي لن يؤدي سوى لمزيد من إنهاك الحركتين، ومعهم المجتمع الفلسطيني، وتعميق فجوة عدم الثقة بين بقايا الحركة ‏الوطنية “ومعها المشروع الوطني” وبين مختلف فئات الشعب الفلسطيني، بهدف دفع كافة الأطراف نحو التسليم بخططها القديمة ‏الجديدة لفتح الباب نحو مسارات الحل الاسرائيلي وخياراته التي تستثني جميعها الإقرار بحق الفلسطينيين في تقرير المصير، ‏وبضرورة إنهاء الاحتلال العسكري والاستيطاني، وتمكين شعبنا من تجسيد كيانه الوطني المستقل في دولة ذات سيادة على ‏حدود عام 1967. وهي ترتكز بهذه المسارات على مخطط تفتيت الكيانية الوطنية؛ بتعميق انقسام غزة تحت حكم حماس، عن ‏‏”كانتونات” الضفة الغربية تحت حكم سلطة فتح، وتواصل في نفس الوقت عملية ترويضهما لاحتوائهما، فتنفخ في بوق الخلافات ‏والتلويح بأن حماس تسعى للانقلاب على السلطة، في وقت تستمر فيه بالتفاوض معها على شروط هدنة طويلة الأمد في غزة، ‏هذا من ناحية، كما تستمر، من الناحية الثانية، في وضع السلطة أمام اختبار مدى جدارتها بالوكالة الأمنية عبر التنسيق الأمني، ‏وفي قدرتها على منع أي شكل من أشكال رفض ومقاومة المشروع الاستعماري الذي يتمدد على أنقاض مشروع التحرر الوطني ‏الذي سبق وقادته منظمة التحرير الفلسطينية بقيادة حركة فتح.‏

هذا هو واقع الحال الذي تسعى حكومة الاحتلال لترسيخه من أجل إعلان نصرها على الحركة الوطنية المعاصرة التي انطلقت ‏قبل ما يزيد عن نصف قرن لاستعادة الكيانية الوطنية وطرد المحتلين. وهي تواصل ترسيخ مشروعها الاستعماري، والذي بات ‏واضحًا أنه لا مكان فيه لأيّ حل سياسي وسط مع الفلسطينيين، يمكّنهم من الحد الأدنى من حقوقهم وفي مقدّمتها حقهم الطبيعي ‏في تقرير مصيرهم. بل، إن اسرائيل الاستيطانية تُجمع، ومن خلال ما تسميه قانون القومية على أن تقرير المصير بين النهر ‏والبحر هو حصرًا لليهود مستثنية من ذلك أيضًا المليوني فلسطيني الذين يعيشون داخل اسرائيل، معتبرة إيّاهم أقل من مواطنين ‏من الدرجة الثانية، بل، ربما أنها تنتظر اللحظة الإقليمية والدولية التي تمكنها من اقتلاعهم لتصويب ما يسميه غلاة الفكر ‏الصهيوني بتصويب خطأ عام 1948، الذي أبقى هذا الجزء من شعبنا على أرضه، وهو الأمر الذي كشفت عن جزء منه خطة ‏‏”ترامب نتانياهو”، التي للأسف لم تلغِها إدارة بايدن حتى الآن رغم مطالبات أعضاء من الكونغرس بذلك.‏

المعضلة الاستراتيجية التي علينا مواجهتها، أن حكومة الاحتلال وهي تحاصر كل مناحي الحياة في قطاع غزة، وتسعى لمزيد ‏من تهويد القدس وتوسيع رقعة مشروعها الاستيطاني في الضفة الغربية، تقوم بذلك كله، وهي لا تتوقع أن ينهض أي شكل من ‏أشكال الرفض والمقاومة، لا بل تعمل وتتوقع أن يجري لجم مثل هكذا نهوض بأيدي القوى المهيمنة على المشهد والمتصارعة فيما ‏بينها، وهي تمارس الإمساك بخيوط لعبة مسرح الدمى، وتتظاهر باستعدادها لتقديم الجوائز لمن يؤكد قدرته الأكثر فاعلية في ‏إنجاز مهمة إخماد الغضب الشعبي، والذي يتوسع هذه المرة ويتعمق ليس فقط ضد المحتلين، بل، وفي مواجهة القوى الانقسامية ‏التي أوصلت الشعب الفلسطيني لهذه الحالة من الخطر غير المسبوق، ليس فقط على ما سبق وحققه من إنجازات، بل وعلى ‏مستقبل قدرته على البقاء في هذه البلاد.‏

لقد آن الأوان للكل الفلسطيني أن يدرك بصورة واضحة وجلية، أنه ورغم ما يمتلكه الاحتلال ويتمتع به من ميزان قوى مُختل ‏لصالحه، بل ومراكمته على هذا الاختلال عبر عمليات التطبيع التي تشجع الاحتلال على المضي في تنكّره للحقوق الوطنية ‏للشعب الفلسطيني، إلا أن مفتاح تغيير هذه المعادلة يمتلكه الفلسطينيون أنفسهم، ولا أحد غيرهم، سيما الفئات الاجتماعية التي ‏تتضرر مصالحها يوميًا من هذا الواقع. فإن كانت اسرائيل تريد قطف ثمار الفشل الاستراتيجي الذي وصلت إليه الحركة الوطنية، ‏وتسعى لتطويع بعض أجنحتها، فإن اسرائيل نفسها تعيش فشلًا استراتيجيًا أكثر خطورة على مشروعها، ويزيد طينه بلّه تَغلغل ‏سياسة وثقافة غطرسة القوة في مفاصلها الاحتلالية التي تغذيها بعصارة فكر الأبارتهايد الذي يتنكر لمجرد وجود الفلسطيني.‏

إن مواجهة هذا المنعطف الأخطر، لا تتطلب سوى الإقرار الواضح والملموس من القوى المهيمنة على المشهد، بأنه لا يمكن لأي ‏قوة كانت، ومهما كان الدعم الذي تحصل عليه، بأن تنفرد في قيادة وتمثيل الشعب الفلسطيني، بل إن تغليب الصراع الداخلي ‏على هذا التمثيل، على حساب التناقض الرئيسي مع الاحتلال، كان بمثابة البوابة التي نفذت منها اسرائيل، وما زالت تسعى ‏لتوسيعها، لتهشيم الوطنية الفلسطينية، وضرب وحدانية تمثيل منظمة التحرير لشعب فلسطين كمُكَّوّن رئيس لتجسيد الكيانية ‏والوطنية الجامعة وكمدخل لانتزاع الحق في تقرير المصير.‏

إذا كانت حماس المحاصرة، و”المتهمة بالإرهاب”، تعتقد أن وهن وتراجع شعبية السلطة وحركة فتح في الضفة الغربية سيُعزّز من ‏تحسين شروط صفقتها مع الاحتلال نحو هدنة طويلة الأمد في غزة، وتؤمّن لها طابعًا شرعيًا في انتزاع حصرية التمثيل، ويوفّر ‏لها أيضًا دور ما في إدارة السكان، كواحد من خيارات اسرائيل في الضفة، فهذه ستكون حماقة تاريخية تتجاوز كارثة أوسلو التي ‏أوصلت الجميع إلى ما وصلنا اليه. كما أن اعتقاد السلطة، التي تشعر بمزيد من الضعف، تصل حد استجداء مجرد التفاوض ‏كمدخل لاستعادة شرعيتها، ستكون قادرة بالحلول الأمنية في الضفة، والصمت على وجع الناس من حصار غزة، فهذا يُشكل ‏استمرارًا للسقوط في المستنقع الاسرائيلي الذي يُعتبر الفخ والسبب الأساسي، إن لم يكن الوحيد، لضعفها وتفتّتها، والخطر الذي ‏يداهم سلطتها.‏

لقد آن الأوان ودون أي تأخير لاستخلاص دروس الفشل وأسباب الكارثة التي تحدّق بالجميع، والإقرار بالحاجة الماسّة للاتفاق ‏الفوري على خطة تغيير وإنقاذ انتقالية، وطنية المنشأ والأهداف، تتصدّى للعبة الدومينو الاسرائيلية وتفشل أهدافها، وذلك ‏بالإسراع في تشكيل حكومة وحدة وطنية تضم كافة القوى وأبرز القيادات الوطنية المستقلة، وبما يشمل حركة حماس؛ وظيفتها ‏الأساسية تتركّز بوقف وإنهاء الانقسام وما يحدثه من انهيار، وتعزيز صمود المواطن ومكانته في النظام السياسي الفلسطيني، ‏والتحضير الجدّي لانتخابات شاملة خلال عام تعيد بناء مؤسسات الوطنية الجامعة في حكومة ممثلة للجميع، وإعادة الاعتبار ‏للطابع الائتلافي لمنظمة التحرير لتكون الممثل الشرعي والجامع الوحيد لشعبنا. بهذه الأسس وما تتطلبه من مراجعة لكل سياسات ‏تهميش مصالح البلاد والعباد وحقوقهم الطبيعية، يمكن لشعبنا التقدم نحو النصر؛ فالهزيمة ليس قدرًا، كما كان يردد المناضل ‏الراحل تيسير العاروري!‏

اكمل القراءة
Advertisement
اضغط للتعليق

أترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *