ar Arabic
ar Arabicen Englishde German
Connect with us

أقلام وأراء

” النهج الابراهيمي” : الخطر الاستراتيجي القادم على العرب ‏

بقلم: ‏د. لبيب قمحاوي

‏ يسعى المخططون الاستراتيجيون الاسرائيليون الى تكريس النهج ‏الابراهيمي بأبعاده المختلفة كفلسفة المستقبل لمنطقة الشرق الأوسط عموماً ‏والعالم العربي خصوصاً . وهذا النهج يهدف إلى العودة بالمنطقة الشرق ‏اوسطية الى التاريخ البعيد بحثاً عن عوامل جامعة لسكان المنطقة كما كانت ‏قبل آلاف السنين والانطلاق منها الى الوقت الحاضر في محاولة بائسة ‏لإسقاط البسيط الذي كان قائماً في الماضي على المعقَّد القائم في الحاضر. ‏الأمر ليس خيالياً او مستحيلاً بالصورة التي يبدو فيها ، كونه في أصوله ‏محاولة شيطانية ذكية لإستغلال النصوص الدينية و الثغرات التاريخية و ‏الأصول االعرقية في محاولة لربط كافة أطراف معادلة العلاقة العربية – ‏اليهودية معاً كمدخل لإعادة تشكيل تلك العلاقة وتحويلها من علاقة صراع ‏الى اطار جامع للأطراف المعنية وتحويلهم بالتالي الى مجموعة إقليمية ‏واحدة بهدف الحفاظ على المكاسب الاسرائيلية في فلسطين والعالم العربي ‏‏.‏
‏ تعتبر صفقة القرن وما تلاها من اتفاقات التطبيع العربي_ ‏الاسرائيلي تحت عنوان ” الاتفاقات الابراهيمية ” وما تمخض عنها من ‏اجراآت تطبيعية سريعة ، والمحاولات الجادة والمتسارعة التي نشهدها الآن ‏لتخفيف الصبغة العربية والاسلامية للعديد من تلك الدول والاجراآت المختلفة ‏التي اتخذت في ذلك الاتجاه ، انتهاء بتحويل يوم الجمعة من يوم عطلة ‏أسبوعية تعكس الهوية الاسلامية للدولة الى يوم عادي آخر من أيام الاسبوع ‏، كل هذا وذاك والكثير مما هو قادم هو في حقيقته جزءا من ” المسار ‏الابراهيمي” وتمهيداً لما هو اكبر وأخطر من خطوات واجراآت قادمة. ومن ‏المهم في هذا السياق مراعاة أن ما يجري الآن وما هو قادم لعالمنا العربي ‏أكبر من قدرات وامكانات المسؤولين القائمين على مقدرات هذه الأمة وهم ‏انفسهم نتاج حقبة الانحدار والسقوط ولا يملكوا بالتالي ما يؤهلهم للقيادة ‏الفعلية لهذه الأمة بهدف اخراجها مما هي فيه من انحدار وسقوط .‏
‏ إعادة تشكيل الفكر الديني والعبث بالعقل العربي وقناعاته وهويته كانا ‏دائماً في ضمير المستتر لكافة السياسات والاجراآت التي تبناها أعداء ‏العرب في مختلف المجالات و بمختلف الوسائل انتهاءً بالدعوة الى ‏‏”الابراهيمية” بأبعادها المختلفة.‏
‏ إن المحاولات الجارية حالياً لتبسيط قضية معقدة مثل قضية فلسطين ، ‏وواقع مشتبك ومتناقض في مصالحه مثل العلاقات بين العرب واسرائيل ‏كدولة احتلال ، وذلك من خلال العودة بضعة آلاف من السنين الى الوراء ‏بهدف البحث عن عوامل مشتركة جامعة ، مهما كانت بسيطة أو مٌخْتَلقة ، ‏هوأمر يُخفي في طياته نوايا شريرة تجاه الفلسطينيين خصوصاً والعرب ‏عموماً . الفلسفة الابراهيمية هي في واقعها استدعاء الماضي السحيق لتبرير ‏واقع جديد ينافي المنطق كونه يسعى الى إضفاء الشرعية و القبول على ‏الكيان الاسرائيلي مما يتناقض والمصلحة العربية العامة بغض النظر عن ‏موقف الأنظمة العربية المعنية و مدى توافق مصالحها مع النهج الإبراهيمي .‏
‏ تترافق الدعوة الروحية الخيالية الغيبية والمشبوهة تحت مسمى
‏ ” العقيدة الابراهيمية ” او ” الديانة الابراهيمية” والتي تهدف الى ربط ‏الديانات اليهودية والمسيحية والاسلامية معاً من خلال ” أبوالأنبياء ابراهيم” ‏‏ وهو الأقرب زمنياً الى اليهودية ، بهدف الخروج بمنظور ديني ابراهيمي ‏واحد يجمع اتباع الديانات الثلاث ، تترافق هذه الدعوة مع دعوات أخرى ‏مشابهة وسابقة لها تنتمي إلى الشق السياسي من معادلة الصراع مع اسرائيل ‏وتتمثل بالدعوة إلى “شرق أوسط جديد” بحيث تصبح” الهوية الشرق ‏أوسطية” بديلاً عن الهوية العربية. و بالإضافة الى ذلك فإن هنالك
‏ محاولات واضحة للعودة الى التركيز على الأصول العرقية السامِيَّة ‏‎(Semitic Origin)‎‏ للعرب والعبرانيين اليهود باعتبارهم ” أبناء عم ” من ‏نفس الأصول العرقية ، كوسيلة للتأكيد على أولوية هذه العلاقة على الهوية ‏العربية ورابطة العروبة والاستعاضة عنها بهوية أو رابطة دينية أو مذهبية ‏أو عرقية أو جغرافية لا تعني شيئاً مثل الهوية الشرق أوسطية أو الأصول ‏العرقية السامية أو العقيدة الدينية الابراهيمية ، ولكنها تسعى في جوهرها ‏الى قبول اسرائيل ودمجها في المنطقة و تهدف الى تبرير وتكريس بقاء ‏الوجود اليهودي الاسرائيلي على أرض فلسطين ، بل وحق اليهود التاريخي ‏فيها . ‏
‏ “النهج الابراهيمي” هو الطريق السريع لنقل التطبيع مع اسرائيل من ‏حالته الفردية المبعثرة والمتفرقة ، الى مسار عام يشمل معظم الدول العربية ‏و اسرائيل ويغطي معظم أوجه الحياه خصوصاً الانتماء الديني والهوية ‏السياسية و مشاريع التنمية و التكنولوجيا الاستراتيجية والتعاون العسكري ‏‏. القيام بمشاريع استراتيجية مشتركة تكون اسرائيل فيها طرفاً أساسياً قد ‏يكون أحد أهم الوسائل للسيطرة الاسرائيلية على مستقبل المنطقة وعلى ‏الثروات والمصادر الطبيعية فيها واخضاع اقتصادات الدول العربية المعنية ‏للمصالح الاسرائيلية وجعلها امتداداً للرؤيا السياسية و الاقتصادية والأمنية ‏الاسرائيلية وبشكل يغني الاسرائيليين عن القيام بأي جهد عسكري لفرض ‏رؤيتهم تلك. إن ربط دول المنطقة بذيل التبعية لإسرائيل من خلال تلك ‏المشاريع الاستراتيجية المشتركة هو نوع جديد من الاحتلال يمكن أن ندعوه ‏‏”احتلال المصالح العربية” كبديل عن الإحتلال العسكري التقليدي للأرض ‏وما عليها .‏
‏ ان ترجمة بعض الأنظمة العربية لمسار التطبيع و تحويله الى تعاون ‏امني عسكري يأتي في السياق الذي حّول اسرائيل في عام واحد من عدو ‏معلن الى جار مقبول ثم صديق ثم حليف استراتيجي . ‏
‏ التسارع غير المتوقع في مسار التطبيع العربي مع اسرائيل من خلال ‏المسارالابراهيمي يؤكد على وصول الأنظمة العربية المعنية والراغبة الى ‏قناعة تامة بأن لا دور لشعوبهم فيما يجري وأن لا قيمة لأي تحرك شعبي ‏مضاد للمسار الابراهيمي مهما بلغ ذلك المسار من تمادي وتهورفي تقديم ‏التنازلات لإسرائيل . الأمر لن يقف عند ذلك بل قد يتطور الى حدوده ‏القصوى من خلال تواجد قواعد عسكرية اسرائيلية وأمريكية في تلك الدول ‏تحت أعذار مختلفة تجعل من تلك الدول العربية توابع تدور في الفلك ‏الاسرائيلي وتحت القيادة السياسية والعسكرية الاسرائيلية ، و تتجسد بذلك ‏الرؤيا الاسرائيلية الحالمة “من النيل الى الفرات” ، دون الحاجة الى خوض ‏حروب لتحقيق ذلك . ‏
‏ ان كل ما جرى ويجري يعكس تسليماً رسمياً عربياً وقبولاًعملياً ‏بالرواية الصهيونية بأن فلسطين هي أرض يهودية منذ الأزل وهي وطن ‏لليهود ، وأن الوجود العربي الفلسطيني على ارض فلسطين انما هو حالة ‏طارئة مما يجعل من طرد شعبها العربي الفلسطيني منها أمراً مبرراً. هذه ‏هي الترجمه الوحيدة للمسار المخجل للأنظمة العربية وأيضا للطبيعة ‏الصهيونية العدوانية العنصرية لذلك المسارالابراهيمي .‏
‏ الجميع يقر ويعترف بأن العالم العربي الآن في حالة انهيار ، وهذا ‏الانهيارالى مزيد كون عوامل النهوض اصبحت إما غير متوفرة أو غير ‏مسموح بها ، ومع ذلك فإن فضح هذه الأفكار والأساليب و المخططات ‏والفلسفات مثل ” العقيدة الابراهيمية “هي الخطوه الأولى على طريق ‏رفضها و مقاومتها وإفشالها ، وليس قبولها والخضوع لها والتسليم بها كأمر ‏واقع .‏

اكمل القراءة
Advertisement
اضغط للتعليق

أترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *