Connect with us

أقلام وأراء

إسرائيل لم تستحق الترحيب الإفريقي

بقلم:ستانلي كوهين

‏”أريد أن يتذكرني الناس كوني شخص ساهمت حياته في مساعدة الإنسانية.”‏

على الرغم من أنه كان يؤمن بشدة بالوحدة الأفريقية، وكفاح التحرير الأفريقي وحريته الاجتماعية ‏والاقتصادية، بهذه الكلمات تحدث الوحدوي الإفريقي توماس سانكارا عن مجتمع عالمي، مجتمع تجاوز الحدود ‏الضيقة للميلاد والجنس والطبقة واللون والعقيدة والعبثية.‏
حث سانكارا على “عدم التوافق مع العالم، والشجاعة لتدير ظهرك للصيغ القديمة، والشجاعة لابتكار المستقبل… ‏مجتمع جديد، مجتمع مبني على الحرية والمساواة. لو كان هذا الزعيم الإفريقي الرمز على قيد الحياة اليوم، لكان ‏مندهشًا بالتأكيد من الاحتضان الدافئ من قبل البعض في القارة الأفريقية لدولة متعصبة تروج لكل ما رفضه سانكارا ‏تمامًا والذي ضحى بحياته من أجله بكل سرور في سبيل المبدأ والهدف.‏
الموضة تأتي وتذهب، تتنقل عبر السنين – يضيق قص البدلة أو يتسع؛ يطول الفستان ويقصر، ثم يطول مرة ‏أخرى، ليناسب الأذواق المتغيرة السائدة. ومع ذلك، فإن كل موضة قديمة تعود في النهاية إلى الظهور مرة أخرى. ‏هكذا هو التوافق السياسي مع الأنظمة المفلسة أخلاقياً – مثل السترات العريضة أو الأكتاف المبطنة – لا يختفي ‏أبدًا: بدلاً من ذلك، كل بضع سنوات نتعامل مع نفس الخرق البلاغية القديمة، ونخرجها من الجزء الخلفي من ‏الخزانة، ونستعرض على منصة العلاقات الدولية، عمومًا لصالح المصالح المكتسبة المخفية، كل ذلك باسم ‏‏”البراغماتية” و “المعقولية”.‏
تتزين فكرة التكيف بأسماء عديدة، معظمها يتجه نحو هدف نبيل: يقال لنا إن “المشاركة” بناءة وتسعى إلى أرضية ‏مشتركة؛ “التسوية” تسمح للمصالح المتعارضة بإيجاد نقاط للحوار، وكسر الخبز معًا والجلوس على طاولة واحدة، ‏بحيث يعطي كل طرف شيئًا للآخر؛ “تطبيع” العلاقات يعترف ببساطة بالوضع الراهن ويتناسى الماضي المؤسف. ‏الفكرة الأساسية بسيطة – من خلال التحدث إلى الطرف المتمرد، يمكنك التأثير على سلوكه، وتحقيق التغيير ‏الأخلاقي والسياسي الذي تريده، وتعزيز العدالة عبر التعاون.‏
لكن بالنسبة للحركة العالمية الداعمة لفلسطين – وأولئك الذين يقدرون تلك الحركة – لا يمكن أن يكون لهم هناك ‏أرضية مشتركة مع إسرائيل: إن وجود تلك الأمة مبني على قمع الحياة والثقافة والحقوق والملكية والحرية والسيادة ‏الفلسطينية، ودائمًا كان الأمر كذلك.‏
بصفتي محاميًا، فأنا حاليًا منخرط في دعوى أمام اللجنة الأفريقية لحقوق الإنسان والشعوب التي نسعى فيها إلى ‏إلغاء وضع إسرائيل كمراقب في الاتحاد الأفريقي على أساس أنها دولة خارجة عن القانون، دولة لم تقبل أبدًا ‏القانون الدولي وارتكبت انتهاكات جسيمة ومستمرة لحقوق الإنسان، بما في ذلك جرائم الحرب. سواء كان ذلك على ‏مستوى الاحتلال والضم غير القانوني للأراضي الفلسطينية، أو قوانين “الدولة القومية” التي تمجِّد اليهودية على ‏جميع الأديان الأخرى، أو نظام الفصل العنصري الذي يحرم ملايين الفلسطينيين من حقوقهم الأساسية في المساواة ‏والحرية وتقرير المصير، وقد خسرت إسرائيل أي وضع تطبيعي لها بين المجتمع الدولي.‏
‏ أنا أزعم الآن ودائمًا أن إسرائيل هي مشروع تفوق أبيض – أمة تأسست من قبل الأوروبيين البيض ومن أجلهم، ‏من خلال استعمار الملونين وإخضاعهم وسجنهم وقتلهم – وأنه يجب على الأفارقة بشكل خاص أن يقفوا صامدين ‏ويقاتوا في سبيل منع “إعادة تأهيل مكانة إسرائيل الدولية” “طالما أنها تحتل فلسطين، وتقصف سكانها، وتسرق ‏أراضيهم، وتحافظ على كيان سياسي واحد يُحكم فيه شعبان بشكل غير متساوٍ.‏
أمل إسرائيل الأكبر والذي تتحمس له هو وضع الماضي خلفها تمامًا بحيث تنسى جميع دول العالم ما فعلته باسم ‏تطلعاتها الوطنية، وترحب بإسرائيل كدولة شقيقة في حظيرة الدول. فهي تتبع هذه الأجندة – إرسال وزرائها إلى ‏العواصم الإفريقية، وإنفاق الأموال على المساعي الدبلوماسية، وتوزيع الأموال على الحكومات الأفريقية – حتى مع ‏استمرارها في إخضاع الشعب الفلسطيني لضم أرضه قطعة أرض، وممارسة الفصل العنصري بالاسم والفعل، ‏وسجن النشطاء بالآلاف.‏
تنظر إسرائيل إلى القارة الإفريقية وترى فيها فرصًا اقتصادية – فهي تود أن ترى بندقية إسرائيلية في أيدي كل ‏جندي إفريقي، ومدرعات إسرائيلية في كل جيش من شواطيء غرب إفريقيا إلى شواطئها الشرقية؛ فهي تود ‏الاستفادة من منبع الاستخراج الصناعي، في السباق لاستغلال ثروات أفريقيا ومواردها الطبيعية؛ والأهم من ذلك ‏كله، تريد إسرائيل أن تقدم نفسها للعالم كشريك شرعي وديمقراطي. . . منفتح للعمل.‏
ومع ذلك، فإن إشراك الوحش هو مخاطرة بفقدان صفاتك البشرية، وبالتالي استيعاب الأخلاق البهيمية. نستذكر هنا ‏رجال الدولة الذين خانهم فهم هذا، ولم يعتبروا من التاريخ: مونتيزوما الأزتك الذي صنع تحالفه المصيري مع ‏كورتيس والإسبان القتلة، ليخسر حياته وشعبه لصالح الغزو الاستعماري أو ثوار الديركتوار الفرنسيين الذين لجأوا ‏إلى نابليون لاستعادة النظام وسط فوضى عام 1799، واستسلموا لمطالبه بالسلطة، وبذلك أنهوا التجربة الجمهورية؛ ‏أو نيفيل تشامبرلين، الذي عاد في عام 1938 من لقاء هتلر، ملوحًا باتفاقه الورقي مع النظام النازي، معلنًا أنه ‏ضمن إعلان “السلام لعصرنا”.‏
هذه التنازلات التي تتعلق بالمبدأ للصالح السياسي تردد صداها على مر العصور كرموز صارخة لمخاطر التسوية ‏مع أولئك الذين لا يساومون بحسن نية؛ وتلك الجهات المارقة التي ترى المساواة والعدالة على أنهما عوائق أمام ‏خطتها الكبرى.‏
الآن ليس الوقت المناسب لعقد صفقة شيطانية مع دولة خارجة عن القانون عازمة على زيادة قوتها. “تطبيع” ‏العلاقات الدولية مع نظام فصل عنصري مثل إسرائيل هو استسلام للاستبداد – وتأييد الاحتلال الإسرائيلي ‏الوحشي، الآن بشكل أساسي في عامه الرابع والسبعين؛ وشرعنة سرقته للأرض؛ والتغاضي عن سجنه وقتله ‏عشرات الآلاف من الفلسطينيين منذ عام 1967، وتدعيم لسمعته الدولية حتى مع نسيان العالم للفلسطينيين.‏
مع قبول الدول الأفريقية بنفوذ إسرائيل في القارة، يمكننا أن نتنبأ بما سيحدث: في الأمم المتحدة، ستعول إسرائيل ‏على الدول الأفريقية “الصديقة” لتلتزم الصمت، أو تصوت ضد أي قرار للجمعية العامة يدعم الفلسطينيين.‏
في المرة القادمة التي يندلع فيها العنف في غزة – بالتأكيد ستكون هناك مرة قادمة – ستتملك إسرائيل شجاعة أكبر ‏لإلقاء القنابل العنقودية والذخائر الحارقة على المباني السكنية والمدارس والمستشفيات، مع العلم أن عشرات الدول ‏الإفريقية أو أكثر ستقف إلى جانبها بالكلام، وتقدم الدعم المعنوي للهمجية.‏
عندما ترسل إسرائيل طائرات حربية ضد جيرانها في سوريا أو لبنان أو العراق، فإن الدول الأفريقية الصديقة، ربما ‏الجانب المتلقي منهم للهبات الإسرائيلية، أو المعدات العسكرية الإسرائيلية، أو صفقات الملياردير الإسرائيلي لتعدين ‏الذهب والماس ستغض الطرف عن مثل هذا العدوان.‏
تسعى حركة المقاطعة وسحب الاستثمارات وفرض العقوبات (‏BDS‏) بشكل صريح إلى عزل النظام الذي لم يتبع ‏القانون الدولي مطلقًا، ولن يتم محاسبته في أي مكان. إنها استراتيجية ناجحة، كما يمكن لأي جنوب إفريقي أن ‏يخبرك. يعيش الفلسطينيون – سكان الضفة الغربية أو غزة على حد سواء – كأسرى في ظل نظام سياسي لا ‏يُمثَّلون فيه، ويمكن معاملتهم على أنهم كيانات أقل شأنا من الدرجة الثانية، ولديهم خيار واحد فقط: مغادرة فلسطين ‏وقبول المزيد من المشروع الصهيوني الأصلي المتمثل في نقل السكان ونزع الملكية أو الموت.‏
إن الأمر متروك لنا، نحن أصحاب الضمير، لإبعاد إسرائيل عن طاولة الشرعية طالما أنها تحرم الفلسطينيين من ‏أرضهم وتطلعاتهم الوطنية ومصيرهم كشعب. إنها استراتيجية غير عنيفة وعالمية يمكن لجميع أصحاب الضمير ‏ويجب عليهم أن يقدموا دعمهم لها.‏
في حين أن هناك من يبشر “بالتعاون” فيما يتعلق بإسرائيل، ويقولون أن هذه هي الطريقة للتأثير على سلوك ‏إسرائيل، فإنهم يرتكبون خطأً فادحًا في عدم فهم التاريخ الصريح للصهيونية، التي لم تتنازل أبدًا في تاريخها عن ‏الأجندة الأصلية لإخراج الفلسطينيين من أرضهم، ويواصل هذا المشروع العنيف حتى اليوم.‏
‏”التعاون” هو أسلوب رأيناه من قبل، مرات عديدة – إسرائيل سعيدة للغاية بارتداء الملابس المشرقة والمعقولة للحوار ‏والتفاوض مرة أخرى. طوال الوقت، تواصل معاملة الفلسطينيين الواقعين تحت سلطتها على أنهم عبيد اقتصاديون، ‏وأجساد غير مريحة في طريق “إسرائيل الكبرى” – في كل الأرض، الخالية من الفلسطينيين، من وادي الأردن إلى ‏البحر.‏

الإغراء الذي يقدمه الراغبون الأفارقة بالتعاون يقضي بأن مشاركة إسرائيل في الدوائر الدبلوماسية الإفريقية على ‏أنها “رمزية” وأنها مسألة سياسة رسمية بسيطة. يريد منا المدافعون أن نصدق أنها لا تشير إلى أي شيء ‏أيديولوجي، وأن نعترف ببساطة بالمصالح الواقعية الحقيقية والواقع التجاري القائم على السوق.‏
ومع ذلك، فإن وراء كل علامة جوهر: إذا كان انضمام إسرائيل إلى الوضع الدبلوماسي الكامل في الاتحاد الأفريقي ‏هو رمز “السياسة الواقعية”، وما يمكن أن تحققه لعبة التأثير، فمن واجب كل إفريقي أن يقف ويندد بالحقائق الكامنة ‏وراء هذا المظهر الرسمي: الدبلوماسية الإسرائيلية تقوم على أساس قومي دامغ لسرقة الأراضي وزنازين السجن ‏والاستعمار وتفوق البيض.‏
هذا هو التحويل الذي تلعبه إسرائيل، طوال الوقت الذي تقوم فيه ببناء الجدران والطرق والقوانين والسجون لنظام ‏الفصل العنصري الدائم، وهو بناء متعصب ليس مألوفًا على الإطلاق لقارة وتاريخ إفريقيا.‏
كتب باتريس لومومبا منذ زمن بعيد “سيأتي اليوم الذي سيتحدث فيه التاريخ. . . ستكتب إفريقيا تاريخها الخاص. . ‏‏. تاريخاً من المجد والكرامة “. هذا مفترق طرق واضح ومقنع يقدم نفسه هنا والآن. يجب ألا تكافئ الدول الأفريقية ‏إسرائيل على تجاهلها الواضح للإنسانية وحقوق الإنسان وكرامته. يجب على الاتحاد الأفريقي استخدام إرادته ‏السياسية الجماعية وسلطته لحرمان إسرائيل من امتياز تطبيع العلاقات أمامها.‏

اكمل القراءة
Advertisement
اضغط للتعليق

أترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *