Connect with us

أقلام وأراء

سادن التراث الفلسطيني الباحث الشيخ عباس نمر في ذمة الله تعالى

بقلم:د. حمزة ذيب مصطفى

في الثامن والعشرين من شهر تشرين الثاني لهذا العام الجاري ( 28 / 11 / 2021 م ) فقدت ‏الساحة الفلسطينية أحد أركانها المميزين، وأحد شخوصها المتألقين، فقدت سادن تراثها وخزانة ‏موروث آبائها وأجدادها. فقدت من سهر على حقها التاريخي وكَدَحَ نهاره حفظا وتوثيقا لإرثها ‏وماضيها التليد.‏
عرفتُ الشيخ الباحث منذ أمد طويل وعبر عقود زمنية تمتد أيامها حتى تطال عهد السبعينات من ‏القرن الماضي. ومذ تعرُّفي على شخصه الودود وإنسانيته الفذة وهو يُعْرَف بالشيخ. حاز على ‏هذا الفخار والشرف من بين الألقاب الأثيلة لأنه كان يستحقه وهو به جدير وزعيم. فكان صاحب ‏سيرة ذهبية يَطَالُ عنانها أفق السماء، وتمتد جذورها حتى تضرب في الأرض أعماقا. فكان ‏يتمتع بخلق رصين وأدب جم وذوق رفيع وحلم – بكسر الحاء – يتجاوز معه كل مسيء أو ‏جاهل، وعلاوة على ذلك كان له من جود حاتم نصيب كبير على قلة ذات يده، وفوق كل ذلك ‏وقبله وبعده كان تدينه والتزامه بما أحل الله فأتاه وحرم على نفسه ما نهى الله عنه. يُقارَن بمواقع ‏أهل الصلاح والعبادة والتبتل والزُّهاد.‏
عرفته حاجا ومعتمرا، فقد قدر الله تعالى أن التقيته في مكة المكرمة حيث كنت مجاورا ونزيلا ‏وساكنا، إذ وفد في بداية الثمانينات من القرن الماضي معتمرا وزائرا لبيت الله العتيق في زمن ‏قل من يعرف هذا النسك على أرضنا ثقافة وتدينا وأداء. فالناس إبَّانها كانت تعرف ثقافة الحج ‏ولا تعرف ثقافة العمرة، وحتى الذين كانوا يعرفون ثقافة الحج في تلك الأزمنة هم القلة.‏
عرف المساجد وإعمارها روحا وجسدا مذ نعومة أظفاره حيث كان التصحر في مجال الإلتزام ‏بمبادئ الدين الحنيف والدعوة إلى الله متفشيا وزاحفا، فكان هو من ضمن من كان من الشباب ‏الذين شكلوا واحة يتفيأ العُبَّاد خلالها ويتقون هجير الصحراء اللافح. فهل بعد ذلك يُضَنُّ على هذا ‏الرجل الصالح بلقب الفخار والسؤدد ” الشيخ “؟ إنه الشيخ الجليل في صباه وكهولته والشيخ ‏الأجل في ستينيات عمره. هذه هي السير المنجية عند الله من عذابه الشديد، وهذه هي السير ‏الناصعة البياض ليوم تَسْوَدُّ فيه الصحائف والوجوه. هذه هي السير التي يقول أصحابها في يوم ‏يفر المرء من أخيه وأمه وأبيه ” {هَاؤُمُ اقْرَءُوا كِتَابِيَهْ (19) إِنِّي ظَنَنْتُ أَنِّي مُلَاقٍ حِسَابِيَهْ} ‏‏[الحاقة: 19، 20]. هؤلاء هم الذين يتسلمون كتبهم بأيمانهم ويأمنون يوم الفزع الأكبر، يوم ترى ‏الناس سكارى وما هم بسكارى. ‏
ثم قدر الله تعالى لي الأوبة إلى الأرض المقدسة أرض الآباء والأجداد بعد رحلة من العمر طويلة ‏خارج هذه الديار، وليس هذا فحسب، لا بل وبعد أن راودتني نفسي على عدم الأوبة والرجعة ‏لولا أن الله قد أراد وقدر لي ذلك بفضل وتوفيق منه سبحانه. وتشاء الأقدار أن ألتقي الشيخ ثانية ‏على هذه الأرض. وفي هذه الفترة الذهبية من أرض الإيمان والدعوة على الثرى المقدس حيث ‏وجدت الدار داري والخلان خلاني على عكس حال الشاعر وما حل به حيث قال:‏
لا الدار داري ‏ ولا الخلان خلاني
حيث أقسى أنواع الغربة أن يكون المرء غريبا في دياره ووطنه وبين أهله ومعارفه. كما عبر ‏عن ذلك شاعر الحب والوجد قيس بن المُلَوَّح:‏
بكل تداوينا فلم يُشْفَ ما بنا على أن قرب الدار خير من البعد
على أن قرب الدار ليس بنافع إذا كان من تهواه ليس بذي ود
حين عودتي وجدت على هذا الثرى بُلالة ظامئ، لا كما كان الأمر قَبْلُ. وممن كان من خلاني ‏كان الشيخ عباس نمر عليه من الله سحائب الرحمة والغفران. لكن كان هنا الجامع بيني وبين ‏شخصه إلى جانب ما ذكر آنفا البحث والتنقيب والدراسة. حيث كنت أستاذا في جامعة القدس لمدة ‏سنتين ثم عينت عميدا لكلية الدعوة وأصول الدين في الجامعة بتاريخ 18 / 4 / 1990 م . ثم ‏عضوا في الهيئة الإسلامية العليا في القدس الشريف. وهي أعلى هيئة دينية تسهر على القدس ‏والمقدسات وتذود عن حياض هذه المدينة العربية الإسلامية جرَّاء محاولات الطمس والتهويد ‏لمعالمها الإسلامية من قبل الإحتلال الإسرائيلي. كما انتقلت كاتبا أسبوعيا في صحيفة القدس ‏الغراء بعد أن كنت كاتبا في صحيفة عكاظ وصحيفة المدينة المنورة في السعودية، ثم الشرق ‏الأوسط السعودية اللندنية. فبدأت الخيوط الذهبية والعلاقة العلمية والثقافية تمد شعاعها وتصل ما ‏بيني وبين ابن قرية دير أيوب الشيخ النمر ” عباس “. فجاءني في أحد الأيام زائرا لبيتي وقال لي ‏يا دكتور حمزة: أريد أن أتقدم إليك بطلب أرجو ألا تردني صفر اليدين، وأنا أعرف تماما كثرة ‏مشاغلك وارتباطاتك. فقلت له: تفضل لك ما طلبت. قال: أريد أن تقدم لكتابي بمقدمة وهو ‏باكورة إنتاجي حيث كتبت كتابا عن بلدي ” دير أيوب ” فقلت: لك ما طلبت يا شيخ عباس. ‏فأخذت الكتاب وقرأته ثم قدمت له بمقدمة تليق بالكاتب وبما كتب.‏
ثم امتدت خيوطه إلى صحيفة القدس وبدأ يكتب فيها عن القرى الفلسطينية المهجرة والمدمرة ‏ومدنها التاريخية، وأحيانا يستعرض كتبا وأبحاثا علمية، فكان نشطا جدا حتى استطاع أن يحفر ‏في صخرة التاريخ الفلسطينية الصلداء حفرة لن تندمل، كما استطاع أن يَنْقُب جدار التراث ‏الفلسطيني فينفذ من خلاله إلى تراثه ومآثره وتاريخه وأعلامه. وحظينا سويا بمكانة عند الأستاذ ‏المرحوم بإذنه تعالى محمود أبو الزلف ” أبو مروان ” صاحب الصحيفة فكان ينشر لنا كل ما ‏نسطره دون أدنى تردد. ويقول: أنا حريص على هذين الإثنين الكاتبين. فتزاملنا تاريخ حياتنا في ‏هذه الصحيفة العتيدة، متمنيا لها من الأعماق كل تقدم ونجاح وتطور حيث هي في زمن يكاد ‏ظهر المجن أن يُقْلَب للصحافة حيث التطور الكبير في مجال الإعلام وشبكات التواصل ‏الإجتماعي والفيس بوك والإنترنت وغير ذلك من وسائل الإعلام المتعددة والمتنوعة. وكان لقبي ‏دوما عنده ابن بطوطة فلسطين ” نظرا لكثرة أسفاري وترحالي وتطوافي أرجاء الأرض، وكان ‏يقول: الدكتور حمزة مقيم في الخارج ويأتي إلى فلسطين زائرا.‏
ينحدر النمر ” الشيخ ” عباس نمر عبد الله عليان من قرية دير أيوب حيث ثرى آبائه وأجداده ‏الكرام النُّبْل. وبالمناسبة فقد كان والده ووالدي تربطهما علاقة وثيقة وحميمة قبل نكبة عام ثمان ‏وأربعين وتسعمائة وألف للميلاد ( 1948 م ) في مدينة يافا الشهيرة حيث كان يقطن والدي ‏ويسكن هو وأسرتي كلها سواي لأنني ولدت في الخمسينات بعد الهجرة والنكبة. وهو محور ‏تاريخ ولادة الباحث والكاتب النمر ” عباس ” حيث كانت ولادته سنة ثلاث وخمسين وتسعمائة ‏وألف للميلاد ( 1953 م ). وقد تلقى تعليمه حتى الثانوية العامة في مدينة ” البيرة “.‏
عمل في وزارة الأوقاف. ونظرا لجهوده الكبيره وإصداراته المتعددة وبحوثه المتنوعة في مجال ‏الذاكرة الفلسطينية والتراث والتاريخ الفلسطيني، وكذلك لتنوع كتاباته فقد عرف قيمته وقدره ‏وأنزله الدرجة والمكانة التي يستحقها سماحة الأستاذ الدكتور الشيخ المفضال العالم الجليل يوسف ‏سلامة وزير الأوقاف والشئون الدينية في السلطة الفلسطينية. وكان عرينا قويا للشيخ الباحث ‏والمؤرخ عباس نمر، إذ أحله المنزلة التي تليق به في وزارة الأوقاف ومنحه الحرية المطلقة في ‏التنقل والحضور كي ينطلق الباحث المؤرخ انطلاقة السهم فيما يُعِدُّ له ويجهزه ومن ثم يقوم ‏بنشره.‏
كما أوفده إلى مؤتمرات عدة خارج البلاد كمصر والإمارات وسوريا واليمن وموريتانيا وغيرها ‏ممثلا لفلسطين وناطقا باسم وزارة الأوقاف في مجال التاريخ والتراث الفلسطيني. فأنعم به من ‏مسئول أطال الله عمره ومتعه بموفور الصحة والسعادة. ونظرا لهذه الجهود المتميزة فقد تم ‏اختياره عضوا في اتحاد المؤرخين العرب.‏

نشاطاته:‏
كان إلى جانب ذلك كله ينشر في صحيفة القدس شذرات، و ” فذكر إن نفعت الذكرى ” وكلها ‏لطائف وأقوال جميلة مختارة ومنتقاة. وكان هذا في الصفحة الدينية من الصحيفة من كل أسبوع، ‏وذلك إلى جانب نشره المقالات والأبحاث والدراسات ذات الصلة بالقرى المهجرة والمدن ‏الفلسطينية التاريخية والتراث الشعبي الفلسطيني. كما كان مُعِدَّا ومشرفا على المسابقة الرمضانية ‏من كل سنة والتي كانت تنشرها هذه الصحيفة الغراء في كل عام.‏
وإلى جانب ذلك كان يشارك – كما أسلفنا – في مؤتمرات علمية داخلية وخارجية فكان يشارك ‏دوما في مؤتمر ” يوم القدس الذي كانت تعقده وتقيمه جامعة النجاح الوطنية وذلك ما بين 1997 ‏ولغاية 2009 م. وشارك في مؤتمر ” دور التاريخ الشفوي في الحفاظ على الهوية الفلسطينية ” ‏والذي عقدته جامعة القدس المفتوحة سنة 2007 م. ومن المؤتمرات التي أوفدته لها وزارة ‏الأوقاف والشئون الدينية بتكليف من معالي وزير الأوقاف آنئذ الدكتور الشيخ يوسف سلامة ‏حفظه الله تعالى ورعاه مؤتمر الآثار والتراث في دولة الإمارات العربية المتحدة في إمارة ‏الشارقة من العام 1999م. ومؤتمر الأرشيفات العربية بين الواقع والطموح والذي عقد في ‏العاصمة اليمنية صنعاء من عام 2005م. والندوة الدولية ” القدس في المصادر التاريخية ” وقد ‏عقدتها وقتئذ جامعة الدول العربية في القاهرة من العام 2005م. وغير ذلك من المؤتمرات ‏الدولية المتعددة.‏

مصنفاته وأبحاثه:‏
ترك الأخ الشيخ الباحث الراحل الكثير من الأبحاث والمصنفات التي تخدم القضية الفلسطينية ‏والتاريخ الفلسطيني وتراثه الكبير، منها:‏
‏* باكورة إنتاجه: دير أيوب قرية تتحدى الطمس، وهذا الذي قدمت له بمقدمة ضافية.‏
‏* مدينة اللد – بيارة الذكريات. وهذا من إصدار وزارة الأوقاف سنة 1996م. والبيارات في ‏المصطلح الفلسطيني جمع بيارة وهي البستان الكبير الذي يحوي شجر الحمضيات كالبرتقال ‏والليمون.‏
‏* مقدساتنا وأطماع اليهود. وهذا أيضا من إصدار وزارة الأوقاف سنة 1996م. ‏
‏* وطن في الملفات، للشاعر يوسف شحادة. سنة 2000م وطبعة ثانية 2001م.‏
‏* مقام النبي موسى بين الأمس واليوم ( ترجم إلى لغات عدة ).‏
‏* بحث: البيرة – لمحات من التاريخ
‏* بحث: رام الله – تاريخ وجذور.‏
‏* بحث: النكسة – وقرى اللطرون.‏
‏* بحث: دير ياسين في أتون المعركة.‏
بالإضافة إلى عدة أبحاث نشرها تباعا في صحيفة القدس وشملت العديد من المدن الفلسطينية ‏كالقدس، ويافا، وعكا، والرملة، ونابلس، والخليل، وغزة، وسواها.‏
إن الحديث عن الأخ السَّري والصديق الوفي معين كبير، ومورد عذب لا ينضب، ومساحة ‏واسعة، وواحة وارفة الظلال. وفي نهاية التطواف لا يسعنا إلا أن نقول: رحمه الله تعالى رحمة ‏واسعة وأسكنه فسيح جناته وحشره مع النبيين والصديقين والشهداء وحسن أولئك رفيقا. وإنا لله ‏وإنا إليه راجعون.‏

اكمل القراءة
Advertisement
اضغط للتعليق

أترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *