Connect with us

أقلام وأراء

الاستيطان ما بين الصهيونية والديانة اليهودية

بقلم الأسير : أسامة محمد عودة ‏

‏”يهودا شينهاب”، وهو أحد أهم الكتّاب والمفكرين الإسرائيليين، قال بأن الحركة الصهيونية التي ‏طرحت نفسها كقومية علمانية قد اعتمدت على التوظيف الدائم للممارسات الدينية في الهجرة ‏والاستيطان والحرب. ولهذا فإن أحد أهم أسباب توسع ظاهرة الاستيطان المنفلتة من عقالها ‏مؤخراً في الضفّة الغربية ليست جزءاً من ممارسة وتطبيق استراتيجية واعية بخلق واقعٍ على ‏الأرض يصْعُب تغييرُه لاحقاً فحسب، أو تفتيت وعزل للتواصل الجغرافي ما بين القرى والمدن ‏الفلسطينية من شأنه إعاقة إقامة دولة فلسطينية على ما تبقّى من فلسطين التاريخية. فالجزء لا ‏يتجزّأ من صناعة الذات وإعادة ترسيم للعلاقة ما بين الصهيونية والديانة اليهودية، واللتان معاً ‏تعبّران عن سلوكهما الاستيطاني هذا كتعبيرٍ عن الصلة الوثيقة بالأرض وفي نفس الوقت ‏تحقيق لوعد الرب بالتقرب من خلالها إلى الله، لأجل تشكيل أرض إسرائيل وفقاً لقواعد ‏ومخططات تلمودية توراتية تنفّذها حكومات الاحتلال برعاية الحركة الصهيونية التنفيذية باسم ‏الدولة اليهودية وكل أقطاب اليهود في العالم.‏

‏”تسفي كوك”، من زعماء حركة “غوش إيمونيم” الاستيطانية، كان دائم التأكيد على التوسُّع من ‏خلال القوة العسكرية، وقال: “نحن مأمورون بالاستيلاء على الأرض واستيطانها، والاستيلاء ‏عليها نستطيع من خلاله أن نقوم بالمرحلة الأخرى وهي الاستيطان”. ‏
وكان يؤكد على أتباعه بأنه لا يمكنهم تجنُّب هذه الوصية التوراتية وعبَّرَ عن سعادته بإعطاء ‏اليهود هذه السلطة التوراتية، وقال بأن ذلك اتباعٌ للمنهج الإيماني الديني. والاستيطان يركّز ‏عليه بالمعنى الديني والقومي المتطرف ومن خلال تأكيده على قدسية واكتمال إقليمي لأرض ‏إسرائيل والهوية القومية حسب أيديولوجية “غوش إيمونيم” ليست واقعاً اجتماعياً فحسب بل مثالاً ‏جيو بوليتيكي وإقليمي أيضاً.‏

بتاريخ 29-6-2021 نشر الصحفي في جريدة “يديعوت أحرنوت” ومراسل القناة 13 الإخبارية ‏‏”نداز إيال” تقريراً صحفياً عن ظروف إقامة مستوطنة “أفيتار” على جبل صبيح في الضفة ‏الغربية، وفيه نقل قولاً صدر مؤخراً على لسان “صميت عوفرن” رئيس طاقم متابعة الاستيطان ‏في منظّمة “السلام الآن”؛ مفاده أن أفيتار تشكّل عبئاً أمنيّاً، وأن المستوطنين هم من يحددون ‏سياسات دولة إسرائيل في المناطق المحتلة، بعدما اتضح الاتفاق الذي عقدته حكومة الاحتلال ‏مع مجلس الاستيطان ومستوطني مستوطنة “أفيتار” الذي يقضي بالإبقاء على المباني قائمةً ‏وإقامة معسكر للجيش ووضْع فرقةٍ عسكريةٍ فيه، وأيضاً إقامة مدرسة دينية مع الإبقاء على ‏عائلات بشكلٍ محددٍ جداً حتى يتم تنفيذ مسْح وتمشيط وفحص لملكية الأراضي من قِبَل الإدارة ‏المدنية التابعة للاحتلال، وإقامة المستوطنة على ما تدّعيه هذه الإدارة من ملكية أراضي دولة ‏على جبل صبيح التابع لأهالي قرية “بيتا”، مع العلم بأن رأي الجيش الاحتلالي في هذه ‏المستوطنة تمّ الإعلان عنه في 20 يونيو (حزيران) من هذا العام معتذراً أن البؤرة الاستيطانية ‏‏”أفيتار” غير قانونية، وأدَّتْ إلى زعزعة الاستقرار الأمني في المنطقة.. الأمر الذي أثَّرَ ويؤثّر ‏سلباً على تقديرات الوضع الأمني في المنطقة، ويلزم رصد قوات كبيرة تحْرِفها عن مهامها ‏وأهدافها الأساسية في المنطقة. ويُضاف إلى ذلك أن حكومة الاحتلال قد اتّخذت قراراً وأعلنت ‏عنه بشكلٍ رسميٍّ في العام 2003 بوجوب إزالة كل البؤر الاستيطانية التي يقيمها المستوطنون ‏دون إذن من حكومة الاحتلال.‏

مؤخراً أعلنت حكومة الاحتلال وإدارتها المدنية في الضفة الغربية عن فحص ملكية أراضي جبل ‏صبيح في “بيتا”، واتَّضَحَ حسب ادّعائها عن وجود 60 دونما تابعة للدولة ولا ملكية ‏للفلسطينيين فيها، ووفقاً لهذا الإعلان فقد يمهّدون الطريق لتثبيت وشرعنة وإقامة مستوطنة ‏‏”أفيتار” بالإضافة إلى إعلانٍ حكوميٍّ عن نيّتها بناء 3149 وحدة استيطانية جديدة في الضفة ‏الغربية، الأمر الذي يُعَدّ تجاوزاً خطيراً، وبالتالي تطبيقاً علنياً لسياسات ضمّ الأراضي وتقطيع ‏أوصال الضفة الغربية فيها، ما يعني إنهاءً ضمنيّاً لإمكانية تطبيق حلّ الدولتين، وعليه فإن أمام ‏رئيس حكومة الاحتلال ووزير جيشه “بيني جنت” الاختيار بين طريقين: إمّا سياسة استيطانية ‏يفرضها المستوطنون وشرعنة للبؤر الاستيطانية بغطاءٍ دينيٍّ ومبرراتٍ عقائديةٍ تحدّدها مصالح ‏القوى الدينية الاستيطانية في المجتمع اليهودي، وبالتالي تجاوز كل القرارات والشرائع الدولية، ‏أو الإبقاء على فرصة وإمكانية للتوصُّل لاتفاق مستقبلي مع الفلسطينيين يقضي بإقامة دولة ‏وفقاً لمقررات الشرعية الدولية واستناداً إلى قراري مجلس الأمن 242 و338 والتي تُعطي الحق ‏للفلسطينيين بإقامة دولة على حدود الرابع من حزيران للعام 1967 وفقاً لاتفاقية “أوسلو”.‏
ولهذا فإن على الفلسطينيين تبَنّي نموذج المقاومة الشعبية الذي يُمارِسُهُ أهل قرية “بيتا” وتعميم ‏هذه التجربة على باقي نقاط الاحتكاك الاستيطانية في كل أرجاء الضفة الغربية، مستغلّين بذلك ‏شرعية هذه المقاومة ومساندتها دولياً، وخصوصاً في ظل رفضٍ دوليٍّ كبيرٍ لهذا الاستيطان ‏الزاحف الذي تمارسه هذه الجماعات الدينية بدعم ومساندة من حكومة الاحتلال الصهيونية. فقد ‏صرّح مؤخراً الناطق باسم وزارة الخارجية الأمريكية “برايس” عن معارضة إدارة “بايدن” لاستشراء ‏الاستيطان في الضفة الغربية كون الأمر يقوِّض حلّ الدولتين وفقاً لما قال، كما دَعَتْ بريطانيا ‏إسرائيل للتراجع عن قراراتها الأخيرة بشأن نيّتها بناء وحدات استيطانية في الضفّة الغربية، ‏واليابان أيضاً اعتبرت قرارات البناء الاستيطانية المعلَن عنها تعدّ انتهاكاً للقانون الدولي، ‏والاتحاد الأوربّي صرّح بأنه لن يعترف بالتغيُّرات الناجمة عن التوسع الاستيطاني في الضفة ‏الغربية.‏

مما لا شك فيه أننا نخوض معركةً طويلةً ثقيلةً، وعلى جبهات متعددة. حركة صهيونية تمارس ‏سياسة دولية ليبرالية، وتدّعي التزامها بالقيم الإنسانية العالمية، وجماعات دينية متطرفة تستخدم ‏هذه الحركة لفرض وتعميق استيطانها الديني للأراضي الفلسطينية؛ الأمر الذي يستوجب منّا ‏رفع درجة الجاهزية والعمل مع كل الأطراف لِلَجْم هذه السياسة الاستيطانية، بالإضافة لإعادة ‏صناعة ذاتنا الفلسطينية كأصحاب حق كوننا نملك قوة الإرادة على من يملكون إرادة القوة. ‏والعامل الذاتي الفلسطيني هو محرّكٌ مهمٌ ودافعٌ ضروريٌّ للعامل الموضوعي فيما يتعلّق بحقنا ‏في تقرير المصير وتجسيد ارتباطنا بالأرض، وفضح هذا التزاوج الديني العلماني الذي تمارسه ‏الحركه الصهيونية بغرض محو الشعب الفلسطيني وإنشاء الأمة اليهودية مكانه.‏‎ ‎

اكمل القراءة
Advertisement
اضغط للتعليق

أترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *