Connect with us

أقلام وأراء

سياسة الإهمال الطبي الاسرائيلية المتعمدة بحق الأسرى

بقلم الأسير: حمادة درامنة

إن الجزء الأكبر من الانتهاكات التي تمارسها “إدارة مصلحة السجون” بحق الأسرى، تتمثّل في الإهمال الطبّي ‏المتعمّد، بل يسوء الأمر لدرجة السماح لبعض شركات الأدوية الإسرائيلية بإجراء اختبارات الأدوية التي ‏يُصَنّعونها على الأسرى قبل استهلاكها محلّياً. يعد ذلك الأمر انتهاكاً لكل المواثيق والمعاهدات الدولية، ‏خاصةً اتفاقية جنيف الثالثة الخاصة بحماية أسرى الحرب. لقد نصت المادتين 12 و13 من الاتفاقية على ‏ضرورة معاملة الدولة الحاجزة لأسرى الحرب معاملةً إنسانيةً، ويُحْظَر عليها أيّ إهمالٍ، ولا يجوز تعريض أيّ ‏أسيرٍ للتشويه البدني أو التجارب الطبّية أو العلميّة من أيّ نوع، ممّا لا تُبَرِّرُهُ المعالجة الطبّية للأسير.‏

في ذات السياق نصّت المواد 29 و30 و31 في الاتفاقية ذاتها، على ضرورة تَوَفُّر مَرافِق مُسْتَوفَية الشروط ‏الصحية لأسرى الحرب، وتوفُّر عيادةٍ طبيةٍ مناسبةٍ في كل سجن يحصل فيها الأسرى على ما يحتاجونه من ‏رعاية. يضاف إلى ذلك عدم جواز منْعُ الأسرى من عرض أنفسهم على السلطات الطبّية لفحْصِهم، وحقّ ‏كل أسيرٍ إجراء فحصٍ طبّيٍّ شاملٍ شهرياً، وهو ما تتعمّد “مصلحة السجون” عدم توفيرِهِ للأسرى داخل ‏‏”السجون الإسرائيلية”.‏

للوقوف على أوضاع الأسرى المرضية داخل “السجون الإسرائيلية”، والمعاملة التي يتلقّونها، أجريتُ مقابلةٍ ‏مع أحد الأسرى داخل سجون الاحتلال، ممَّنْ تطوَّعوا للإقامة فيما يُسَمَّى “عيادة سجن الرملة”، ‏لمساعدة الأسرى المرضى داخلها على القيام ببعض الأمور اليومية، مثل الأكل، وتبديل الملابس، والنظافة. ‏إنه الأسير محمد رفيق أبو عليا من قرية المغير قضاء رام الله. تطوّع أبو عليا لخدمة الأسرى في ‏‏”عيادة سجن الرملة” عام 2016، لمدة 6 أشهر. يُعَدّ “سجن الرملة” بمثابة مجمع يحتوي عدّة “سجون” ‏أغلبها سجون مدنية، سوى القسم الخاص بالأسرى المرضى، وهو مكوَّنٌ من 4 غرف، ليس بها مساحة ‏للحركة، أو التنفُّس، أو المَرافق الصحيّة الملائمة لأوضاع الأسرى وأمراضهم.‏

التقى أبو عليا في “عيادة سجن الرملة” بالشهيد بسّام السائح من سكّان نابلس. كان الشهيد السائح مصاباً ‏بمرض اللوكيميا (سرطان الدم) وسرطاني العظام والرئة، ما أفقَدَهُ صوتَهُ، وكان “أطباء مصلحة السجون” ‏يرفضون تقديم أيّ مساعدةٍ طبيةٍ له، وبسبب حجَجِهم الطبّية وصَلَ مرضُهُ لمرحلةٍ حرِجَةٍ، فُقِدَ معها أمل ‏الشفاء، وتمّ الاكتفاء بمسكّنات الألم (الأكامول). يُذكَر أن “السائح” كان قبل اعتقاله قد وصل لمرحلةٍ جيدةٍ ‏في علاجه، فقد كان يتلقى العلاج قبل الاعتقال بمستشفى الحسين للسرطان في الأردن، وتمّ اعتقاله أثناء ‏عودته من هناك.‏

يضيف أبو عليا أن السائح أثناء فترة تواجده بجانبه ذَكَرَ له يوماً أن ضابط “المخابرات الإسرائيلية” -‏الشاباك- الذي كان يحقّق معه أبلغَهُ حرفيّاً “سوف نتركك تموت داخل “السجن”، ولن نقدِّمَ لك العلاج، وذلك ‏قبل النطق بالحكم عليك”. لقد كانت هذه إشارة من الشاباك بالحكم على السائح بالتصفيّة عن طريق ترْكِهِ ‏لمرَضِهِ وعدم تقديم العلاج له، ما يشكّل مخالفةً واضحةً للقوانين الدولية، وحقوق الإنسان.‏

الجدير بالذكر أن السائح استُشْهِدَ في “عيادة سجن الرملة” بعد صراعٍ مع مرَضِهِ، ودون تقديم أيّ علاجٍ ‏يُذكَر، وقبل النطق بالحكم عليه، حتى أنه لم تُسَجّل لدى أيّ جهة حقوقية، أو حتى جهة تتبع “مصلحة ‏السجون”، حركةُ نقلٍ للسائح إلى أي مستشفى متخصّص في علاج مرضِهِ. يعني ذلك أن الشهيد السائح ‏ظلَّ داخل أسوار “سجن الرملة” في زنزانته، يصارع مرضَهُ حتى قضى نحبَهُ شهيداً وشاهداً على جرائم ‏الاحتلال بحقّ الأسرى، وما زال جثمانُهُ الطاهر، محتجزاً في ثلاجات الموتى، يرفض الاحتلال تسليمه ‏لذويه، ليُدفنَ حسب الشرائع السماوية.‏

يوجد في “عيادة سجن الرملة” وتحت أقبيته نحو 20 أسيرا يُعانون أمراضاً مزمنةً، وآخرون فقدوا بعض ‏أطرافهم لحظة الاعتقال بعد الاعتداء عليهم، وآخرون فقدوا جزءاً من أعضائهم بسبب أخطاء طبّيّة وإهمالٍ ‏متعمَّد. حدث ذلك مع الأسير إسماعيل عارف عودة من سكّان دير عمار قضاء رام الله، فقد استؤصلت ‏كليَتِه اليُسْرَى نتيجة تقصير “إدارة السجون” في علاجه في الوقت المناسب، وهو ما زال يعاني من إهمال ‏متابعةَ وضْعِهِ الصحيّ بعد عملية الاستئصال، ما يُشَكِّل خطراً حقيقيّاً على حياته.‏

يوجد أيضاً في “عيادة سجن الرملة” أسرى يرقدون على الأسِرَّة منذ عشرات السنين يُصارعون أمراضهم ‏بمفردهم، ويعيشون على المسكّنات والحبوب المنوِّمَة دون تقديم أيّ مساعدة لهم. يحدث ذلك منذ سنوات ‏طويلة مع الأسير منصور موقده، من سكّان الساوية، وهو يُعاني شللاً كاملاً، ولا يستطيع الحركة إلا عن ‏طريق المساعدة التي يتلقّاها من الأسرى الذين يتطوّعون لمساعدته في قضاء حاجته وتبديل ملابسه وتقديم ‏الطعام له. “موقده” معتقلٌ منذ عام 2001، ومحكومٌ عليه بالسجن المؤبد، وهو واحدٌ من المتواجدين في ‏‏”عيادة سجن الرملة”، وترفض “مصلحة السجون” حتى الآن السماح بتقديم أيّ مساعدةٍ طبيةٍ له من ‏الخارج، أو عن طريقهم.‏

يتواجد كذلك داخل “عيادة سجن الرملة” الأسير خالد الشاويش من جنين. أصيب الشاويش برصاص ‏الاحتلال عام 2001، وتعرض للشلل، ثم اعتقله الاحتلال عام 2007، وحكم عليه بالمؤبدات. يقبع ‏الشاويش في “عيادة سجن الرملة” في ظل ظروف صحية قاسية للغاية، وهو يتجرع الأوجاع بشكل مستمر ‏نتيجة الإهمال الطبي الذي يتعرض له.‏


يتجاوز مسلسل الإجراءات القمعية سياسةَ الإهمال الطبّي ليصِلَ إلى ابتزاز الأسرى بمساومتهم، إمّا البقاء ‏داخل السجون والموت فيها، أو التوقيع على تعهُّداتٍ تُخلي مسؤولية الاحتلال عن الإصابات التي تعرّضوا ‏لها أثناء الاعتقال أو حتى داخل السجون، وهو ما حدث مع الأسير المحرَّر حسن القاضي من سكّان ‏عورتا-نابلس. تعرض القاضي لسياسة الابتزاز أثناء تواجده في “أقبية عيادة سجن الرملة”، وقد روى قصة ‏إصابته للأسير أبو عليا عند التقائهما في “عيادة سجن الرملة”، لتكون قصته شهادةً دامغةً على سياسة ‏الإهمال الطبّي وجرائم الاحتلال.‏


يقول أبو عليا إنَّ القاضي وصل “عيادة سجن الرملة” بعد إصابته في قدميه بعدة أعيرة نارية على أحد ‏الحواجز العسكرية القريبة من مدينة نابلس، ما أفقَدَهُ القدرة على الحركة. تذرع جنود الاحتلال وقتها أن ‏القاضي مشتبه بحيازته سكّيناً أثناء مروره على الحاجز. بالطبع كانت تلك التهمة ملفقة، وقد اكتشف ‏المحققون أنه لم يكن بحوزتِهِ أيّ سلاحٍ وقتَها؛ فتمّ ابتزازُهُ ومساومته، إمّا البقاء داخل “السجون” بإصابته، ‏وتوجيه تهمة الشروع في القتل إليه، أو أن يوقع على مستندات تُخلي مسؤولية الاحتلال عن إصابته ويُفرَج ‏عنه.‏
كان “القاضي” قبل الإفراج عنه قد مكث في “عيادة سجن الرملة” 5 أشهر إثر الإصابة التي تعرّض لها، وقد ‏عانى خلال هذه الفترة من عدم القدرة على الحركة، بسبب تعمُّد “مصلحة السجون” عدم تقديم العلاج اللازم ‏له، وذلك لإرغامِهِ على قبول صفقة إخلاء مسؤولية الاحتلال عن إصابته. يذكر أبو عليا بهذا الخصوص ‏ملاحظته بعد فترةٍ من دخول القاضي “عيادة السجن” أنه يقضي معظم أوقاته نائماً، ليكتشف لاحقاً أن ‏الحبوب التي يقدّمها له الممرض الخاصّ بالعيادة، ليست علاجية، بل هي حبوب منوِّمَة، يرافقها ظهور ‏الخمول والإرهاق المستمرَّيْن على “القاضي”. قرّر وقتها أبو عليا الامتناع عن تقديم تلك الحبوب للقاضي، ‏دون علم الممرِّض، الأمر الذي لاحَظَهُ الممرّض بعد فترةٍ، فأصبح هو من يقدم هذه الحبوب للقاضي.‏


يكثر في السجون، وتحديداً في “عيادة سجن الرملة”، استعمال مثل هذه الحبوب المنوِّمَة والتي يستخدمها ‏عادةً ممرضو “السجون”، بهدف إزالة عبء متابعة المريض، والتأكد أنّ المريض نائمٌ، وأنه لن يستدعيهم، ‏وبهذا يُريحُ الممرّض نفسَهُ أثناء مناوبته. نود هنا التنويه للقارئ أن الممرض في “السجن” يعمل في ‏وظيفتين؛ فتارةً يكون شرطيّاً يقمع، وتارة يلبس ملابس الممرِّض.‏


يتذكّر أبو عليا كذلك الأسيرَ عمر الريماوي، مِن بيت ريما، والذي دخل “عيادة سجن الرملة” عام 2016، ‏عندما أصيب بعيارٍ في العمود الفقري، وكان عمره وقتها 15 عاماً، وقد أبلغه “أطباء السجن” باستحالة ‏عودته للوقوف على قدميه. توقف الريماوي عن الالتزام بأدويته المخدرة بإرادة قوية، واستمر في مساعدة ‏نفسه على الوقوف، حتى استطاع ذلك أخيراً، دون مساعدةٍ طبيةٍ تُذْكَر، وقد صدم ذلك الأمر “أطباء ‏السجن”.‏


إن الأسرى المرضى المتواجدين في أقبية “السجون” عموماً يُعانون أوضاعاً صحيةً خطيرةً، وبالإضافة لمن ‏ذكرناهم، يوجد عددٌ آخر في حالةٍ حرِجَةٍ، لافتقارهم أبسط مقوّمات الحياة الآدمية. إن إعدام الأسرى عن ‏طريق الإهمال الطبّي المتعمّد جريمةٌ مستمرة، وهي تُضاف إلى سجل الممارسات الإجرامية التي تنتهجها ‏سلطات الاحتلال بحق شعبنا الفلسطينيّ.‏

اكمل القراءة
Advertisement
اضغط للتعليق

أترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *