ar Arabic
ar Arabicen Englishde German
Connect with us

أقلام وأراء

الانتفاضة الكبرى لم تستكمل مهمتها بعد‎

بقلم: جمال زقوت

تمر هذه الأيام ذكرى اندلاع الانتفاضة الشعبية الكبرى “كانون الاول 1987″، دون اكتراث يُذكر، سيما من قيادات الحركة ‏الوطنية،للدروس والقيم والإنجازات الوطنية الهائلة التي قدّمتها، وما أحدثته في حينه من تحولات في مسار ومكانة القضية ‏الفلسطينية، والتضامن الدولي مع عدالتها، فما تميّزت به تلك الانتفاضة من مشاركة شعبية واسعة ومَضامين ديمقراطية عميقة، ‏استحقت وبجدارة أن يطلق عليها الثورة الشعبية التي أدخلت القضية الفلسطينية لكل بيت في العالم، وجدَّدت للفلسطينيين فخرهم ‏وثقتهم بأنفسهم، وبأنهم قادرون بوحدتهم و عدالة قضيتهم و أدوات النضال الشعبية التي ابتكروها على رفع كلفة الاحتلال ودفعه ‏للتفكير بالرحيل‎.‎
‎ ‎
قيمة هذا الكلام ليس لمجرد التغنّي بأمجاد الماضي، بقدر ما هو استحضار لتاريخٍ مجيد صنعه ملايين الفلسطينيين داخل الوطن ‏وخارجه. فالانتفاضة شكّلت الامتداد الطبيعي ولحظة الانفجار الشعبي لتراكم النضال الوطني عبر عقود، وقادته الثورة الفلسطينية ‏المعاصرة. كما أن قيمته الجوهرية تكمن في ضرورة التوقف، وإن بإيجاز وعجالة، عند أبرز دروس تلك الانتفاضة؛ متمثلةً ‏بالوحدة والتضامن الشعبي وقوة الأمل والثقة بالقدرة على تحقيق الأهداف المباشرة وبعيدة المدى التي رسمتها قيادة الانتفاضة، ‏وتحولت إلى دستور يَنظُم علاقة الالتحام بينها وبين الناس موحدين في شبكة واسعة من الأطر والفعاليات الشعبية في مواجهة ‏المحتل‎.‎
‎ ‎
السؤال الأساسي الذي يدقّ الوعي الجمعي بقوة أكبر من دقّ خزان كنفاني في روايته “رجال في الشمس”، هو كيف تم ‏الانقضاض على كل تلك القيم والإنجازات والدروس العظيمة التي صنعتها تلك الانتفاضة، التي لم تكن مجرد ثورة لإنهاء ‏الاحتلال، بل وأيضًا ثورة اجتماعية أحدثت تحولات هائلة في بنية وقيم المجتمع الفلسطيني. وكيف تم إغراق الشعب وقضيته في ‏متاهات نقيضة لروح تلك القيم، وكيف يجري حتى اللحظة الفتك بالحركة الوطنية التي قادت الانتفاضة، والاصرار على تفكيكها، ‏وتمزيق النسيج الاجتماعي، والإطاحة بروح التضامن والوحدة بين الناس، و ما لذلك من تداعيات على واقع المجتمع ‏الفلسطيني و طبيعة الصراع مع الاحتلال ، بل و ما طرأ من فك و اعادة تركيب لهذا الواقع‎ .‎
‎ ‎
يتجرأ البعض على تحميل الناس صنّاع الانتفاضة ذاتها، المسؤولية عما يجري من مظاهر التفسّخ القيمي والعنف المجتمعي، ‏الذي يعصف بالحالة الوطنية ويعمّق الأزمة الداخلية التي نمر بها، وتضعنا جميعًا وسط لهيب نار الانهيار. في الحقيقة أن ذلك ‏توصيف لا يهدف سوى للتضليل والتغطية على جوهر الأزمة وطبيعتها، والتي تتمثل ببساطة بالتحول الخطير في دور السلطة ‏الوطنية التي نشأت كثمرة للانتفاضة الكبرى، وإن لم تكن قد نضجت بعد، لتصبح بفعل عوامل داخلية وخارجية، مجرد سلطة ‏تحمي مصالح المهيمنين عليها، دون أي اكتراث بمصالح واحتياجات الناس، ودون مشروع وطني جامع وقادر على استنهاض ‏الحالة الشعبية في مواجهة الاحتلال ومخططاته الهادفة لتصفية الحقوق والقضية الوطنية، وترويض القوى المهيمنة لتصبح مجرد ‏حارسٍ لأمنه‎.‎
‎ ‎
فما يجري يشكّل في الواقع انهياراً لمشاريع ومكانة القوى المهيمنة على المشهد وعجزها عن حماية المصالح والحقوق الوطنية، ‏واستغلال موارد المجتمع في خدمة مصالح الحلقة المسيطرة على حياة ومصائر الناس على ضفتيّ الانقسام؛ الذي شكّل الضربة ‏القاصمة للمشروع الوطني التحرري وأطاح بمجمل إنجازات الانتفاضة والنضال الوطني برمّته، حيث تمكّنت اسرائيل من خلال ‏الانقسام وتداعياته، أن تُنفِّذ كل ما خططت له من استخلاصات فشلها الذريع أمام قوة الانتفاضة وإنجازاتها. ذلك كله دون تَوفّر ‏بديل قادر على تحدّي هذه الحالة وكسب ثقة الناس بقدرته على تصويبها‎.‎
‎ ‎
هل يستطيع الفلسطينيون الخروج من حفرة النار التي وجدوا أنفسهم عالقين بها؟ بكل ثقة فإن انتفاضة بوابات الأقصى، والهبّة ‏الشعبية في مواجهة سياسة الأبارتهايد في الشيخ جرّاح وباقي أحياء القدس المحتلة، قدّمت الإجابة على هذا السؤال. ويمكن لها ‏أن تتحول إلى إجابة وطنية استراتيجية وشاملة، إن أخلصت القوى الاجتماعية الحيّة والمتضررة مصالحها من الانقسام لبلورة ‏جبهة إنقاذ وطني عريضة، لتصويب مسار وبوصلة ومضمون وبنية المشروع الوطني، بما في ذلك تصويب وظيفة السلطة ‏ودورها، من أداة لحماية مصالح الحلقة الضيقة، مقابل حماية الأمن الاسرائيلي، ومرة أخرى على ضفتيّ الانقسام، لتصبح ‏مؤسسة انتقالية تُجسّد الوحدة الوطنية، وظيفتها الأساسية تعزيز قدرة الشعب على الصمود، وحماية مصالحه المباشرة والوطنية، ‏وترسيخ أسس العدالة والديمقراطية والحكم الرشيد، والتي تشكّل بمجموعها رافعة أساسية لاستعادة روح الانتفاضة في معركة دحر ‏الاحتلال ومشاريعه التصفوية.

اكمل القراءة
Advertisement
اضغط للتعليق

أترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *