Connect with us

أقلام وأراء

التنكر للاعتراف بتبنيها ومحاولة إخفائها.. لا يلغي أن فكرة إنشاء دولة لليهود في فلسطين فكرة استعمارية غربية

بقلم: مها المصري

صدر مؤخرا كتاب ” تقسيم فلسطين” من الثورة الكبرى 1937-1939 الى النكبة 1947-1949 للمؤرخ المقدسي وليد الخالدي ، يتوقف فيه عند تسلل أعداد كبيرة من المهاجرين اليهود لفلسطين في ظل الاستعمار البريطاني وبدعم أمريكي خاصة في عشرينيات وثلاثينيات القرن الماضي، فيما كانت الصهيونية العالمية قبل ذلك تحاول اخفاء ملامح مشروعها الاستعماري ، بل وتنكر نيتها إقامة دولة لليهود على حساب الشعب الفلسطيني.
وقد ظلت أهداف هيرتزل مؤسس الحركة الصهيونية ومنظمته الصهيونية العالمية حسب المؤلف، تنكر كذبا أن غايتها تاسيس دولة يهودية على أنقاض الشعب الفلسطيني، حتى بدأ المشروع يتحقق على الارض بدعم بريطانيا والولايات المتحدة.
والمعروف تاريخيا أن صلة الاستعمار بالصهيونية صلة وثيقة، بدأت قبل إعلان هيرتزل دعواته ، إذ بدأت هذه الصلة منذ قام نابليون بحملته المشهورة على مصر ثم على بلاد الشام– نابليون الذي اعتبره حاييم وايزمن (أول رئيس للدولة الصهيونية) أول الصهاينة العصريين من الاغيار، رغم أن البعض يرى من الصواب القول أنه أول الصهاينة على الاطلاق، لانه لم يكن هناك أي أثر لاي فكر صهيوني بين اليهود في ذلك التاريخ.
وفي هذا المقال ساحاول تناول بدايات الدعم الغربي للحركة الصهيونية ومشروعها السياسي، انطلاقا من الحقيقة المتمثلة بان مشروع الحركة الصهيونية باقامة دولة لليهود في فلسطين مشروع استعماري غربي تبنته الدول الاستعمارية قبل موافقة اليهود عليه بمئات السنين.
وعليه كان لا بد من الاشارة الى هذا المؤلف القيم، تعزيزا لما سأقدمه في هذا العمل الذي بحث في بدايات الدعم الرسمي المقدم من الدول الغربية منذ أواسط القرن التاسع عشرلانجاح مشروع الحركة الصهيونية،والتي اقترنت بها فكرته بامتياز.
يميز المؤرخون عادة – بين نوعين من أنواع الاستعمار: استعمار المرحلة الاولى المرتبطة بالرأسمالية والهدف منه زيادة قوة الدولة وزيادة ثرواتها ، واستعمار المرحلة الثانية المرتبطة بالرأسمالية الصناعية بعد عام 1870 ومسرحه آسيا وافريقيا ،حيث كان الهدف منه خدمة بعض طبقات المجتمع عن طريق تزويدهم بالأسواق لبضائعهم وبفرض الاستثمار لرأسمالهم الفائض،فضلا عن الحصول على مستعمرات لاستيعاب الفائض السكاني للوطن الام ، ولتكون بعدا استراتيجيا له في الوقت ذاته. من هنا يعرف الاستعمار في هذه المرحلة بالاستعمار الاستغلالي.
ولما وضع الصهاينة فكرتهم داخل الاطار الامبريالي لاكتشافهم استحالة تحويلها الى حقيقة دون مساندة القوى الامبريالية، فمن الطبيعي أن يفكروا بلغة الامبريالية، فاذا كان الاستعمار التقليدي هو الحل المطروح لمشكلة المواد الخام وتكديس السلع، فإن الاستعمار الاستيطاني هو الجواب على مشكلة تكديس السكان، لكن يبقى التداخل بين الاستعمارين بأن جيوب الاستعمار الاستيطاني لن تستوعب الفائض الانساني فقط بل يمكن استخدامها قواعد لعمليات الاستعمار التقليدي ضد الدول المجاورة .
بموجب ذلك، وصف هيرتسل الصهيونية “بالفكرة الاستعمارية” التي ستظل مدينة بفكرها وقوتها وتحولها الى حقيقة في الشرق الاوسط الى الامبريالية الغربية، والدولة الصهيونية امتداد لهذه الامبريالية وتتسم بكل صفاتها.
ولعلمنا بأن الحركة الصهيونية ليست حركة قومية تضرب بجذورها في الارض وانما حركة ليس لها سند في الواقع، فالطبيعي بالنسبة لها الوصول الى الارض والتشبث بها عن طريق العنف الامبريالي.ومثلما حاول هيرتزل طيلة حياته إظهار الفوائد التي ستجنيها الامبرطورية الانجليزية من إقامة الدولة الصهيونية سيما وانها ستضيف الى الامبرطورية مستعمرة اخرى غنية ، حاول حلفاء هيرتزل في ما بعد أن يثبتوا أن الدولة الصهيونية ستضيف للامبرطورية الامريكية مستعمرة أو ولاية غنية أيضا.
وبما أن الصهيونية مدينة للامبريالية بتحولها من مجرد فكرة الى منظمة مهيمنة على يهود العالم، ثم الى دولة ذات قوة عسكرية ضخمة، فانها مدينة بوجودها الى الافكار الاسترجاعية أيضا،فقبل ظهور فكرة الشعب اليهودي بالمعنى السياسي وفكرة الدولة اليهودية ككيان سياسي يهدف الى المسألة اليهودية ، ظهر ضرب من الصهيونية غير اليهودية(صهيونية الاغيار) او( الصهيونية المسيحية) وهي حركة مسيحية ، كانت تنادي بإعادة اليهود الى أرضهم الام” حتى يتسنى الاسراع في هدايتهم وتحويلهم الى المسيحية.
وليس من الغريب أن الحركات الاسترجاعية قد نشطت وانتعشت في الدول البروتستانتية في القرنين السادس عشر والسابع عشر (عصر الاستعمار) لتصل الى ذروتها في القرن التاسع عشر (عصر الامبريالية).
وعليه فقد تحولت الاسطورة الدينية من مجرد فكرة دينية تؤكد على عودة اليهود الى فلسطين لتحقيق النبوءة الانجيلية، لتصبح برنامجا استعماريا يؤكد على عودة اليهود الاستيطانية لفتح الاسواق دون تأكيد مسألة الهداية والتنصير.
لاجل ذلك ، نشطت الحركة الصهيونية أملا في الحصول على كل ما يدعم مشروعها على جهتين ، تمثلت الجهة الاولى في أوروبا(المورد) ثم فلسطين كجهة ثانية باعتبارها (المستقبل).
وبعدازدياد اهتمام دول الغرب بفلسطين في منتصف القرن التاسع عشر،بدأت بوضع موطىء قدم لها من خلال الاهتمام ببناء عدد لا بأس به من الكنائس والاديرة وافتتاح عدد من القنصليات خصوصا في القدس،وفي مقدمتها القنصلية البريطانية التي افتتحت عام 1838 للاهتمام بمصالح بريطانيا في فلسطين،جنبا الى تقديم الحماية لليهود، وهو ما اصبح عملا رئيسيا للقنصلية خلال وقت طويل، وحسب وثائق القنصلية فان الهدف من وراء الحماية اتخاذها ذريعة تستطيع بريطانيا من خلالها ايجاد من تحميه في فلسطين لتتمكن من التدخل في شؤون البلد الداخلية وتقوية مركزها ، كما اشتركت مع روسيا في إنشاء أول أسقفية في القدس عام 1841.
لذات الهدف تصرفت القنصلية الالمانية في القدس التي افتتحت عام 1842 ، فمنحت الحماية الالمانية لكل من طلبها ، من خلال التغاضي عن صحة المستندات التي قدمت لتأييد طلب منح الحماية، التي منحت لكثيرين من اليهود الذين لم يكونوا فعلا من اصل الماني واسفر هذا النشاط في نهاية الامر، عن ازدياد عدد اليهود الذين تمتعوا بالحماية الاجنبية.
الدور نفسه في تسهيل هجرة اليهود ودخولهم فلسطين لعبته باقي القنصليات الممثلة للنمسا وهولندا والولايات المتحدة وروسيا، ومع مرور الزمن وسعت هذه القنصليات نشاطها وأقامت فروعا لها خارج القدس، وقد أسدت هذه القنصليات وفروعها المختلفة في فلسطين خدمات قيمة لليهود، وساعدتهم على تعميق جذورهم فيها وذلك من خلال منع السلطات العثمانية أحيانا من تطبيق القوانين المعمول بها عليهم، حتى صعب تصور وجود أي كيان لليهود هناك دون حماية القناصل الاجانب ،وكان نشاط القناصل ملموسا بشكل خاص في مساعدة اليهود على شراء الاراضي في فلسطين والاستيطان فيها.
وقد تضمن كتاب الدولة اليهودية لهرتزل مواصفات دولة اليهود التي قدمها تحت عنوان الوطن القومي لليهود، وهو يعي ويقر بأن الوطن يعني الدولة، فكانت اولويته عقد المؤتمر الصهيوني العالمي الاول تمهيدا لنقلالجهد الصهيوني على الصعيد العالمي الى مرحلة جديدة- مرحلة العمل والانجاز، لترسيخ الوجود الصهيوني في فلسطينبالتعاون مع الدول الاستعمارية لانجاز الاستحسان الدولي(البراءة الدولية)،حيث اعتمدت الصهيونية الدبلوماسية للحصول على الدعم والتأييدالدوليين بشأن تحقيق الهدف الاستراتيجي لها.
وتحقيق الحركة الصهيونية لمساعيها بالحصول على البراءة الدولية التي أعلن هيرتسل على أثرها ارتباط حركته بعجلة الحركة الاستعمارية الاوروبية، دفعته للبدأ بالاتصال مع الدول الاستعمارية ذات الشان ،وزعمه امام كل مسؤول في اوروبا بأن مخططه الصهيوني لن يخدم الا مصالح تلك الدولة، ومحاولاته إثارة التنافس الاستعماري بين هذه الدول.فقد اتصل هيرتزل بالامبرطور الالماني،ووزير الداخلية الروسي ، ومن ثم اتجه الى بريطانيا وأثار القضية الصهيونية في الصحافة ومع الزعماء السياسيين من رجال الحكم الانجليز.( يتبع)

الجزء الثاني
التنكر للاعتراف بتبنيها ومحاولة إخفائها . لا يلغي أن فكرة إنشاء دولة لليهود في فلسطين فكرة استعمارية غربية
بقلم:مها المصري/قسم العلوم السياسية/جامعة النجاج الوطنية
ومهما يكن من أمر فإن العلاقة بين الصهيونية والاستعمار الاستيطاني علاقة قديمة قدم الحركة الصهيونية نفسها، إذ أنها علاقة وجودية ومصيرية من ناحية، وعلاقة مصالح من ناحية أخرى وتقوم على التلاقي بالاهداف والمخططات.
وتفنيد حقيقة العلاقة الوجودية والمصيرية تباعا بين الصهيونية والامبريالية،أساسه على صعيد العلاقة الوجودية أن الصهيونية نفسها حركة استعمارية تقوم على استعمار الارض واستيطانها بعد اخراج أهلها منها، ولأنها في واقعها تشكل جزءا لا يتجزأ من الرأسمالية العالمية التي تعتبر الامبريالية أعلى مراحلها.واما فيما يتعلق بعلاقة المصالح، فالصهيونية حركة عنصرية تقوم على مبادىء الاستغلال والعدوان ، وتستند الى فكرة التوسع والسيطرة وتلجأ الى اساليب العنف وسفك الدماء.
وبالفعل لم تمض عشرة أعوام على انعقاد مؤتمر بازل ، حتى حدد الاستعمار أهدافه أيضا. فقد انعقد مؤتمر عالمي للدول الاستعمارية عام 1907 في لندن وعدة عواصم أوروبية.
ولو عدنا قليلا الى الوراء لوجدنا أن بريطانيا التزمت بتقديم الدعم المساند لاقامة كيان سياسي لليهود في فلسطين عندما عارضت محمد علي لاحتلاله بلاد الشام، وأجبرته على الانسحاب بموجب معاهدة لندن 1840.
ومن أهم الشخصيات التي ارتبطت اسماؤها بالدعوات الاولى لتوطين اليهود في فلسطين، وشجعت الحكومة الانجليزية على ذلك بهدف حماية مصالحها، اللورد شافتسبري الذي قدم مذكرة الى مؤتمر لندن 1840 طالب فيهابإرجاع اليهود الى فلسطين، وانطلاقا من هذه المخططات البريطانية اندفع قادة الصهيونية نحو بريطانيا لتحقيق أهداف الصهيونية في فلسطين مثل حاييم وايزمن ورفاقه.
من جهتهم نظر الساسة الانجليز الى الحركة الصهيونية نظرة استعمارية بعد أن وجدوا أنهم يستطيعون من خلالها وعبر قنواتها أن يقيموا وجودا دائما في الشرق العربي،فقد أكد الكاتب لويس جولدنج”إن الصهيونية كانت منذ البداية حركة انجليزية لا حركة يهودية فحسب”.
وبالفعل بريطانيا الدولة توجت الدعم الاوروبي لانشاء دولة لليهود، مع تقديم وعد بلفور الذي ستبقى ذكراه تؤجج في الاذهان بدايات وضع المشروع الصهيوني على الخارطة، لافتة الانظار الى طبيعة العلاقة بين القوى الاستعمارية الاوروبية والحركة الصهيونية ، واستمرار هذه العلاقة وتطورها بأشكالها المتقدمة وأنساقها المتصاعدة، لدرجة الالتزام الاخلاقي والاستراتيجي بهذا الكيان والحفاظ عليه، بغض النظر عن ما يترتب على ذلك من تداعيات على كافة الاصعدة السياسية والاقتصادية والاخلاقية تجاه الشعب الفلسطيني.

ويعتبر احتلالالقوات البريطانية العسكرية لمدينة القدس بتاريخ9 كانون اول/ديسمبر1917 على أثر انسحاب الجيش العثماني منها، المحطة المفصلية بتاريخ فلسطين والمدينة بشكل خاص، فقد سعت بريطانيا الى تحقيق أهداف الحركة الصهيونية بإنشاء كيان سياسي لليهود ، فبدات بفتح أبواب الهجرة اليهودية على مصراعيه وتسهيل تمليكهم أراضي الفلسطينيين والسيطرة عليها، وقد ساعد بريطانيا في تنفيذ هذه السياسات ، إخضاع فلسطين لانتدابها بعد مصادقة العصبة ومجلس الحلفاء عليه.
من جهتهم أعتبر الصهاينة تصريح بلفور، الركيزة التي استندوا عليها في عملية الاستيطان الجماعي في فلسطين بهدف تحويلها الى دولة يهودية، ومنذ بداية المشروع الصهيوني ووضع فلسطين تحت الانتداب البريطاني أكملت سلطات الانتداب على تهويد فلسطين، بتمويل الجماعات اليهودية وتسليح العصابات الصهيونية ، ومواجهة ثورات العرب وامتصاصها بلجان تقصي الحقائق،مما أحدث خللا في التكوين الجغرافي والديمغرافي للأراضي الواقعة تحت انتدابها، كما خلق ظروفا مهدت لاحتلال أوسع فيما بعد ، فضلا عن مساهمة الانتداب البريطاني بتقديم الدعم اللازم لإقامة المستعمرات اليهودية في المنطقة الغربية من القدس، بعد أن أصبحت المدينة مركزا للوكالة اليهودية والعديد من المؤسسات العلمية والادارية والمالية الصهيونية، كما افتتحت الجامعة العبرية في القدس سنة 1925 بالتعاون مع الادارة البريطانية التي أرسلت بلفور لتدشين هذه الفعالية ،ومستشفى هداسا عام 1939
ومن أهم السياسات التي انتهجتها سلطات الانتداب لتمكين وضع اليهود في المدينة المقدسة، زيادة نسبة
اليهود في المجلس البلدي لمدينة القدس، حيث تشكل المجلس من عضوين من اليهود وعضوين من المسلمين واثنين آخرين من المسيحيين، بعد ان كان المجلس يضم يهودي واحد في اواخر العهد العثماني.
وبموجب التقسيم الذي قامت به سلطات الانتداب للمدينة عام 1934 متضمنا 12 منطقة انتخابية، خصصت ست مناطق منها لليهود وستة للعرب، ليتسنى لليهود بموجب هذا التقسيم الحصول على نصف مقاعد المجلس البلدي.
كما ساهمت مساعدات الانتداب للحركة الصهيونية على نشر اللغة العبرية، بعد أن اعتمدت سلطاته اللغة العبرية لغة رسمية في البلاد، ومنحت صلاحية الاشراف على التعليم اليهودي للحركة الصهيونية عن طريق مؤسساتها دون تدخل من سلطات الانتداب، فجعلت من التعليم وسيلة لخلق جيل يؤمن بالصهيونية ويسعى الى إنشاء الدولة اليهودية
وفي الوقت الذي اؤتمنت فيه بريطانيا بانتداب دولي على فلسطين، قامت بفتح ابواب فلسطين امام العصابات الصهيونية من جميع أنحاء العالم للهجرة والاستيطان فيها ، وزودتها بكل الادوات والوسائل اللازمة لتهويد البلدمع تغاضيها عن أعمال القتل والتشريد لشعبه.
كما استطاع التحالف الصهيوني الاستعماري خلال سنوات الانتداب البريطاني ان يغتصب حوالي 2.5% من أراضي فلسطين الخصبة عن طريق وسائل الترهيب والتسلط الاستعماري.
وقد كان أول ما تضمنه صك الانتداب مسؤولية دولة الانتداب عن تنفيذ وعد بلفور، ووضع البلاد في أحوال سياسية واقتصادية تضمن إنشاء وطن قومي لليهود .ورغم تأكيدها في وثيقة الكتاب الابيض عام 1922 على أن الوطن لايعني دولة،الا أن بريطانيا فعليا أسست للدولة من خلال سياسات تبنتها أهمها تشكيل وكالة يهودية كهيئة عمومية وظيفتها اسداء المشورة الى الادارة البريطانية.
وبعد خروج قرار تقسيم فلسطين الجائر عام 1947 تم منح اليهود 56% من مساحة فلسطين، في الوقت الذي لم تتجاوز ممتلكاتهم 6% ، علما بأن الجزء الاكبر من هذه النسبة حصل عليه اليهود من أفعال غير أخلاقية وغير قانونية ارتكبتها سلطات الانتداب والوكالة اليهودية من خلال استعمال القوة والتهديد بها، واشاعة مناخات من الرعب عن طريق قوة السلاح، وشراء اراضي الفلاحين البسطاء بالغش والاحتيال ،او مصادرة الاراضي لدواعي أمنية وعسكرية مزعومة أهدتها فيما بعد لليهود، وهذا القرار وكأنه تغليف لاعمال غير قانونية بإطار شرعي.
لهذا استغل بن غوريون وجود بريطانيا في فلسطين وبدأ بطرد الاهالي من 250 قرية امتدت بنهاية عام 1948 الى 675 قرية ومدينة ،الامر الذي سمح بسيطرة اسرائيل عام 1949 على أكثر من 77% من من مساحة فلسطين التاريخية.
الغطاء البريطاني للطرد والتهجير استمر رغم شن العصابات الصهيونية موجات قاسية من الاغتيالات طالت القوات البريطانية في فلسطين، لتعجل من الجلاء البريطاني ولتنتقل بمصيرها الى الحامي الجديد امريكا. لكن يبقى الدور الاخطر لبريطانيا في سوق العرب الى حرب مع اسرائيل مع إعلانها نهاية انتدابها.
وعليه، يمكننا القول بأن بريطانيا خانت الامانة، وتتحمل المسؤولية القانونية لانتهاكاتها قواعد القانون الدولي، بسبب مخالفتها ميثاق عصبة الامم المتحد ة الذي سمح لها بالتواجد في فلسطين مقابل مساعدة الشعب الفلسطيني لتقرير مصيره، وليس إقامة دولة يهودية على حساب الشعب صاحب الارض. وبسبب مخالفتها البند الخامس من صك الانتداب ، بعد أن الزمها كدولة منتدبة بعدم التصرف أو تأجير أي جزء من أراضي فلسطين، كما نقضت نص المادة 22 من هذا العهد،بعد أن أجمع فقهاء القانون الدولي الذين فسروا عهد العصبة على أنه لا يجوز أن تتولى الدولة المنتدبة شؤون البلاد الموضوعة تحت سلطاتها كمالكة مطلقة، وأن تعمل لمصلحة البلد الخاضع لها، ولا تشمل سلطتها الادارية حق التصرف.فالقيود المفروضة على سيادة الشعب مؤقته، ولا يمنح صك الانتداب الدولة المنتدبة اي سلطات هدفها مصادرة حق الشعب الواقع تحت الانتداب في تقرير مصيره.
على أساس ما ذكر ينسب لبريطانيا المسؤولية المباشرة عن ما تعرض له الفلسطينيون من احتلال وعدوان ، فهي أساس الاحتلال بدءا من وعد بلفور باعتباره الوعد الاساس الذي استندت اليه الحركة الصهيونية في اعلان الدولة اليهودية عام 1948، حتى بعد انسحابها لم تتوانى بنقل ملكية ما يقدر بحوالي 12 ألف كم مربع من الاراضي الاميرية التي كانت تحتفظ وتضعها تحت تصرف الوكالة اليهودية، مثلما فعلت بالمطارات ومستودعات السلاح والمناطق التي انسحبت منها.
يبقى التاكيد على ان بريطانيا ظلت حذرة في علاقاتها مع اسرائيل منذ دعمها لها بموجب وعد بلفور، بسبب ارتباطاتها الامنية والاقتصادية في المنطقة واعتمادها على قناة السويس، من هنا استمرت في انتهاج سياسة الغموض البناء(اقتباسا عن جون ماك هيوغو/جامعة اكسفورد) ذات الطابع الملتبس التي تبيح للنص السياسي امكانية تفسيره من كل طرف من أطرافه بما يتلاءم ومصلحته.
وادعاؤنا بمسؤولية بريطانيا عن اطلاق المشروع الصهيوني في فلسطين ، يقودنا للادعاء مجددا بدور الولايات المتحدة في تمكين وتثبيت الكيان الصهيوني على الخارطة السياسية للعالم، و تنافس الادارات الامريكية المتعاقبة بالانحياز المفرط ، وبتقديم كافة اشكال الدعم السياسي والاقتصادي والعسكري أوضح دليل على ذلك.
وعن أول اتصال رسمي بين الحكومة الامريكية واليهود،فيعود الى عام 1790 بعد انتخاب جورج واشنطن بعام واحد لتتطور التفاعلات والتحولات بين الطرفين فيما بعد، وحتى لا يعتبر ترومان الذي اعترف باسرائيل بعد دقائق من اعلان قيامها أول من بنى علاقة أمريكية مع اسرائيل، أيدت الولايات المتحدة الحركة الصهيونية منذ مطلع القرن العشرين، وأيدت السياسات الداخلية للحركة برعايتها اتجاه جابوتنسكي و المنظمة الصهيونية ، وتبنت برنامج مؤتمر بيلتمور 1942 الذي طالب فيه الصهاينة بدولة ديمقراطيةتكون جزءا من العالم الديمقراطي الجديد.
بداية التوجه الامريكي لهذا الدعم ارتبطت بزيارة بلفور للولايات المتحدة أواخر نيسان/1917 للبحث في تحسين علاقة الحكومة الامريكية مع بريطانيا ، وأثناء وجوده هناك أوعز الصهاينة الى صديقهم القاضي برانديس صديق الرئيس ويلسون بمقابلته، واستطاع برانديس كسب ثقة بلفور والتأثير عليه موحيا له بأن استجابة بريطانيا لطلبات الصهاينة ستحظى بتقدير وشكر اليهود في امريكا، ومقابل ذات سيبذل اولئك مساعيهم الحميدة لدى الحكومة الامريكية لحملها على توثيق علاقاتها مع بريطانيا وتقديم المساعدات الاقتصادية لها،وهي التي كانت بريطانيا في حاجة ماسة لها.
مقابل ذلك سعت الولايات المتحدة الى خدمة مصالحها أيضا ، فقد تحدث شلومو ماعوز المحرر الاقتصادي للجيروسالم بوست في مقال لهبعنوان” صفقة استراتيجية” موضحا ان الاسرائيليين يعرفون جيدا أن مساعدة الولايات المتحدة للدولة الصهيونية هي في جوهرها مساعدة لخدمة مصالح الولايات المتحدة الاستراتيجية.
وهذا هو المفهوم الغربي لاسرائيل ، فالمدافعون عنها في الولايات المتحدة لا يلجأون أبدا الى الحديث عن المغانم الاقتصادية الثانوية أو المغانم الاقتصادية التافهة، وإنما يشيرون دائما الى الحليف الذي يمكن التعويل عليه، والى المغانم الاستراتيجية الاساسية الشاملة.
ومن الاستعارات المتداولة- الاستعارة التي تعتبر اسرائيل كلب حراسة كما جاء في تصريح البروفيسور يشعياهو ليبوفيتس أثناء حديثه لصحيفة لوموند بتاريخ 8مارس/1974 وقد طور الصحفي الاسرائيلي عاموس كينان هذه الاستعارة عندما وصف اسرائيل بانها”كلب حراسه رأسه في واشنطن وذيله في القدس”مقابل ذلك مساهمة أمريكا حسبالكاتب جدعون رفائيل في ” وضع الدولة الجديدة بحزم على خريطة العالم السياسية”.
ومن أهم الموقف الداعمة والدالة على احتضان الولايات المتحدة لمشروع الحركة الصهيونية، حديث الرئيس ويلسون بعد اعلان وعد بلفور بتاريخ 2 نوفمبر/1917 في بيان وجهه للشعب الامريكي وجاء فيه” أنا مقتنع بأن دول الحلفاء بالاتفاق مع حكوماتها وشعبها قد اتفقت على ان ترسي في فلسطين أسس كومنولث يهودي”
كما قرر مجلس الشيوخ والنواب الامريكيين في جلسة مشتركة بتاريخ11سبتمبر/1922 اظهار العطف لإنشاوطن قوميلليهود في فلسطين.وبعد انعقاد مؤتمر بيلتمور 1942 أيد الرئيس روزفلت قراره بتحويل فلسطين الى دولة يهودية وإجلاء العرب حال معارضتهم ذلك.
وفي هذا الشأن يجدر بنا التذكير بان الدور الامريكي في قيام الكيان الصهيوني لا يقل اهمية عن الدور البريطاني، اللذان وصفهما الرئيس كنيدي”طريقان لشارع واحد”، فبادىء ذي بدء أيدت الولايات المتحدة وعد بلفور لقناعتها ان بريطانيا تفعل خيرا لتامين مصالح الانجلوسكسون في المنطقة، ثم رعت نشأة وتمكين الدولة اليهوديةبعد دورها في مشروع التقسيم، كما دعمت العصابات الصهيونية بالسلاح والمتطوعين وليس أقل من هندسة حرب 1948.
كما اعتبرت دول الغرب الصناعية وفي مقدمتها المانيا وجهة الزعامة الصهيونية اليهودية كمصدر للمال والمهاجرين أثناء المراحل الاولى لإنشاء الكيان الصهيوني في فلسطين ، واهم ما أخذته المانيا على عاتقها لمساعدة المنظمات اليهودية، توطين اليهود في فلسطين ، وتقديم المعونات الاقتصادية ، فضلا عن مشاركتها كل من فرنسا وبريطانيا عبء تزويد الكيان الصهيوني بالسلاح ، فهي مساعدة مباشرة ساعدت على الانتهاكات الاسرائيلية واستهداف الوجود الفلسطيني.
واليوم لايستطيع الغرب التنكر لمسؤوليته تجاه التاريخ العربي بشكل عام والفلسطيني بشكل خاص الملىء بالشواهد المؤلمة، وفي مقدمتها حملة نابليون على مصر وفلسطين 1798-1799، وإقامة دولة يهودية في قلب الوطن العربي عام 1948 ، فالغرب ساهم بالسيطرة والاحتلال والتجزأة.
وقيام الدولة العبرية الاستيطانية رافقه منذ البداية التزام الولايات المتحدة واوروبا الغربية بامنها وحقها في الوجود على أنقاض الشعب الفلسطيني ووجوده بشكل خاص.

اكمل القراءة
Advertisement
اضغط للتعليق

أترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *