Connect with us

أقلام وأراء

فقيد فلسطين سماح إدريس

بقلم: نهاد أبو غوش

ودع لبنان ومعه فلسطين والعالم العربي والإنسانية جمعاء، فارسا متميزا من فرسان الفكر والكلمة المقترنة بالانخراط اليومي في النضال الوطني والقومي والإنساني، وهو المناضل والأديب والأكاديمي والمترجم والناقد المرحوم سماح إدريس، أحد أبرز مؤسسي حملة المقاطعة العربية والدولية، ومدير دار الآداب البيروتية، ومدير تحرير مجلتها الشهيرة “الآداب” التي أسسها والده الأديب القومي والتنويري المعروف سهيل إدريس في أواسط القرن الماضي.

رحل سماح وهو في أوج عطائه القومي والإنساني بعد صراع مرير مع مرض خبيث لم يمهله طويلا، لكنه قاومه بشجاعة، مثلما قاوم تيار الردّة والتطبيع، وكان حاضرا في جلّ النشاطات الوطنية اللبنانية والعربية والدولية المتصلة بحملات مقاطعة إسرائيل وسحب الاستثمارات منها وفرض العقوبات عليها.

سماح إدريس صاحب العبارة الشهيرة ” إذا تخلينا عن فلسطين …تخلينا عن أنفسنا” والتي تحولت إلى شعار يتحلق حوله عشرت الآلاف من مناهضي التطبيع، من المحيط إلى الخليج، عبارة ذكية ومكثفة تدلل على أن دعم النضال الفلسطيني ليس مجرد موقف تضامني مع الشعب الذي تعرض لأكبر ظلم في التاريخ الحديث، ولا محض انحياز أخلاقي لقيم العدالة والحرية، بل موقف مدافع عن كرامة كل شعب من شعوب أمتنا، ورافض لاستباحة الدول العربية وسيادتها، ومتمسك بحق شعوب أمتنا في صياغة مصيرها بحرية بعيدا عن قيود التبعية والهيمنة.

فلسطين أبّنت الراحل، بموجة عارمة من الحزن التي عمّت مواقع التواصل الاجتماعي، وبيانات الفصائل والحراكات الجماهيرية، وعشرات المقالات والكتابات في مختلف الصحف والمواقع الاليكترونية العربية، وفي ذلك بعض الوفاء لهذا الراحل الكبير الذي لم يبخل بشيء من أجل فلسطين، وهو يستحق أن يكرّم أكثر بإطلاق اسمه على شوارع أو مدارس أو مؤسسات، وهذه الموجة تظهر كم يحتاج شعبنا لمواقف وأصدقاء مثل سماح إدريس، وقد بات أمثاله أشبه بعملة نادرة في هذا الوقت الذي يسميه بعضنا “الزمن العربي الرديء”، في ظل انفراط عقد التضامن العربي، وشلل الجامعة العربية ومؤسساتها، وتراجع مكانة القضية الفلسطينية، وانفضاض الأشقاء والاصدقاء عنها، وانكفاء كثير من الدول على همومها الذاتية ومشاكلها الداخلية. كل ذلك قاد إلى موجة التطبيع المجاني مع دولة الاحتلال التي يجري التعامل معها كدولة طبيعية، وهي في ذروة تطرفها اليميني ونزعتها الاستيطانية والتوسعية، وأطماعها المعلنة في أراضي ثلاث دول عربية، ومُضِيّها قُدُما في بناء وتوطيد نظام التمييز العنصري الصارخ في فلسطين.

استقطبت الثورة الفلسطينية المعاصرة في بداياتها كثيرا من المناضلين والمثقفين العرب والأجانب، فانتسبوا لها وناضلوا في صفوفها، وشمل ذلك جميع فصائل العمل الوطني من دون استثناء، بعض هؤلاء المناضلين قدّم حياته واستشهد في سبيل القضية التي انتمى لها، وبعضهم ظل في صفوف الثورة الفلسطينية ومؤسساتها لسنوات وعقود طويلة، فتبوأوا مناصب قيادية رفيعة، واكتسب بعضهم الهوية والجنسية الفلسطينية بعد عودة قيادات منظمة التحرير إلى أرض الوطن.

ولكن جاذبية الثورة والقضية الفلسطينية تراجعت بعد سلسلة الأحداث التي مرت بها وخاصة مع خروج قيادة المنظمة ومسلحيها من لبنان عام 1982، ثم توقيع اتفاق أوسلو وما تلاه من اتفاقيات وقيود وواقع جديد، ثم التطورات الداخلية التي شهدتها تجربة بناء سلطة حكم ذاتي فلسطينية تحت الاحتلال، وما شاب هذه التجربة من ثغرات سواء بالعجز عن تحويل هذه السلطة إلى دولة، والانقسام الذي ابتلينا به، وتراجع المد القومي على امتداد العالم العربي، ونتائج حربي الخليج، كل ذلك ساهم في تراجع دعم القضية الفلسطينية وحوله من حالة جماهيرية إلى حالة نخبوية. طبعا لا يمكن أن نغفل الاستثناءات لهذه الحالة وخاصة فعاليات التضامن الواسعة والمليونيات التي طافت شوارع المدن العربية خلال الانتفاضة أو حتى خلال مواجهات شهر ايار الماضي، لكن ذلك لا يغير تشخيص الحالة التي ربما تنعكس في شكل تضامن العرب مع القضية الفلسطينية، من الانخراط اليومي المباشر إلى أشكال التضامن والهبات الموسمية.

عامل آخر ساهم بلا شك في هذه الحالة، وهو أن منظمة التحرير حين كان لها ما يشبه الدولة في لبنان “جمهورية الفاكهاني”، كانت لها مؤسساتها العسكرية والثقافية والإعلامية والبحثية القادرة على اجتذاب النخب والكفاءات العربية، حتى المعارضين المغضوب عليهم من أنظمتهم كانوا يجدون في الفصائل الفلسطينية عنوانا يلوذون به، هذه الحالة تراجعت بشكل حادّ بعد قيام السلطة إلى درجة يمكن القول معها أن كثيرا من المناضلين الفلسطينيين، وليس العرب فقط، ابتعدوا عن المنظمة ومؤسساتها ومشروعها السياسي.

الراحل سماح إدريس كان استثناء عن التوصيف السابق، فهو لم يكن مجرد ناشط ومتضامن مع فلسطين، بل كان فاعلا في ميادين الثقافة والأدب والنشر والترجمة والكتابة، كما كان ناشطا في صفوف المجتمع المدني اللبناني. وهو انتسب إلى تيار النضال الوطني الفلسطيني، من بوابته العلمانية واليسارية على خطى تلاميذ الحكيم، بعد خروج منظمة التحرير وقيادتها من بيروت، وتوثق ارتباطه بفلسطين وقضيتها مع استشراء موجة التطبيع. وازداد سماح التصاقا بالفلسطينيين وعنوان وجودهم في لبنان “المخيم” في وقت سعت قوى طائفية وانعزالية لبنانية لشيطنة المخيم وتصوير الوجود الفلسطيني بانه سبب لكل مآسي لبنان ومشكلاته، فحرّضت على الفلسطينيين وعملت على حرمانهم من أبسط حقوقهم الإنسانية والاجتماعية، بينما ارتبط الراحل بمخيمات الثورة التي تحولت مخيمات للبؤس في لبنان، وصادَقَ أطفال المخيمات وتبنى قضايا المخيم كجزء من التزامه تجاه الشعب الفلسطيني، وهكذا بكاه فلسطينيو لبنان بكل الحزن والحب الذي يليق بمن ارتبط بهم وكرس حياته من أجلهم.

عزاؤنا في سماح إدريس أن من كان مثله لا يموت بسهولة حتى لو دفن جسده تحت التراب، بل سيبقى ذكره حاضرا في وجداننا وملهما لكل أنصار الحرية والعدالة الإنسانية على مرّ الأجيال.

اكمل القراءة
Advertisement
اضغط للتعليق

أترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *