Connect with us

أقلام وأراء

الأمن القومي الإسرائيلي بين وادي عارة وابو ظبي

بقلم العميد: أحمد عيسى/المدير العام السابق لمعهد فلسطين لأبحاث الأمن القومي

للوهلة الأولى قد يبدو للقارئ أن لا علاقة تذكر بين وادي عارة وابو ظبي وغيرها من العواصم التي ‏تعاقدت مؤخراً مع تل أبيب ضمن ما يعرف بإتفاقية التطبيع أو (إتفاقية إبراهيم) كالمنامة والخرطوم ‏والرباط، إلا أن قراءة المشهد من زاوية تفكير الأمن القومي الإسرائيلي تظهر أن هناك ترابطا وثيقا ‏بين الطرفين، لا سيما وأن التهديدات الجارية والمتوقعة للأمن القومي الإسرائيلي وهي المحرك ‏الرئيس لتصريحات أحد كبار ضباط الجيش الإسرائيلي المتعلقة بتحركات الجيش على شوارع وادي ‏عارة في حال نشوب حرب على الجبة الشمالية أو على عدة جبهات، وكذلك هي المحرك الرئيس ‏للمناورة البحرية المشتركة بين إسرائيل والولايات المتحدة وكل من أبو ظبي والمنامة.‏
من جتها كانت كل من الإمارات والبحرين قد شاركتا في مناورة عسكرية بحرية هي الأولى من نوعها ‏مع كل من إسرائيل والولايات المتحدة الأمريكية في البحر الأحمر يوم الأربعاء الماضي الموافق ‏‏10/11/2021، كما أن إسم وادي عارة كان قد سيطر على عناوين الصحف ونشرات الأخبار ‏التلفزيونية الإسرائيلية المركزية على أثر تصريحات رئيس شعبة التكنولوجييا واللوجستيك في الجيش ‏الإسرائيلي (يتسحاق ترجمان) لصحيفة معاريف الإسرائيلية يوم الجمعة الموافق 12/11/2021، ‏والتي قال فيها “في الحرب المقبلة لن تمر المركبات العسكرية التي تنقل الجنود والدبابات والعتاد ‏العسكري من شارع وادي عارة في المثلث الشمالي وذلك تحسباً من إندلاع مواجهات تؤدي إلى ‏تأخير وصول التعزيزات إلى جبهة أو جبهات القتال”. ‏
وهنا ينبغي التأكيد أن سيناريو وادي عارة الذي أثاره (ترجمان) هو المحرك الأبرز من بين محركات ‏أخرى للتطبيع مع الدول العربية أو بعضها الذي بدوره قاد للمناورة المشتركة المشار اليها سلفاً، حيث ‏أدرك المؤسسون الأوائل للدولة لحظة الإعلان عن قيامها العام 1948، وكذلك أدرك المراقبون ‏للمشهد الجيوسياسي الإسرائيلي ما بعد العام 1948، “أنه ومن أجل أن تحافظ إسرائيل على وجودها ‏يجب أن تتوفر ثلاثة شروط، يدور الأول حول عمل كل يلزم لمنع توحد العرب في قوة عسكرية ‏واحدة، ويتعلق الثاني بعدم خوض إسرائيل حرب على الحدود بالتزامن مع خروج الفلسطينيين ‏لإنتفاضة تعيق حركة الجيش على الشوارع العامة، ويدور الثالث حول حرص إسرائيل على تحديد ‏زمان ومكان ووتيرة الحرب.‏
تجدر الإشارة هنا أن هبة الشعب الفلسطيني للدفاع عن القدس والمسجد الأقصى في شهر مايو/أيار ‏الماضي والتي شارك فيها الشعب الفلسطيني في كافة مناطق العام 1948 بفعالية غير مسبوقة قد ‏كشف عورات شروط البقاء الثلاثة ولم يعد بالإمكان التحايل على الواقع وإخفاء هذه العورات أو ‏تغيبها عن ساحة الجدل العام في إسرائيل. ‏
فمن جهة صحيح أن العرب غير موحدين في قوة عسكرية واحدة، ولكن بالمقابل هناك قوة عسكرية ‏عربية إسلامية موحدة، تمتد من فلسطين (غزة) إلى طهران مرورا بلبنان وسوريا واليمن والعراق، ‏الأمر الذي دأبت المؤسسة العسكرية الإسرائيلية وكذلك مؤسسات البحث المتخصصة في قضايا ‏الأمن القومي منذ أكثر من خمس سنوات بوضعه على رأس قائمة تهديدات الأمن القومي، ومن ‏جهة ثانية أثبت الشعب الفلسطيني في الجليل والمثلت والنقب ويافا واللد والرملة خلال إنخراطه في ‏هبة الدفاع عن القدس والمقدسات أنه قادر على تشويش وشل الحياة بما في ذلك وقف التنقل على ‏الطرقات سواء داخل المدن المشتركة أو على الطرق العامة التي تمر بالمدن الفلسطينية، ومن جهة ‏ثالثة أثبثت هبة الدفاع عن القدس لا سيما معركة سيف القدس أنه لم يعد بإمكان إسرائيل تحديد ‏مكان وزمان ووتيرة الحرب، الأمر الذي ترى هذه المقالة أنه يفسر مسارعة لندن إلى إدراج حماس ‏في قائمة الإرهاب يوم الجمعة الماضي الموافق 19/11/2021.‏
أما من حيث دوافع إسرائيل للتطبيع مع الدول العربية، فقد أدركت مؤسسات التقدير في إسرائيل منذ ‏بداية الألفية الجديدة أن التغيرات الإقليمية والدولية التي بدأت تطفو على السطح في نهاية العقد ‏الأول من القرن الجاري تحمل في طياتها تهديدات للأمن القومي الإسرائيلي أكثر مما تنطوي عليه ‏من فرص، لا سيما فيما يتعلق بتموضع أمريكا في المنطقة وتصاعد الأصوات الأمريكية بتقييد ‏المساعدات الأمريكية لإسرائيل، الأمر الذي يجعل من أمن إسرائيل القومي في يد جيرانها أكثر مما ‏هو في يد أمريكا، وذلك من حيث (من بين أهداف أخرى) توفير الأموال الكافية لتلبية إحتياجات ‏إسرائيل الأمنية خاصة وأن موارد الأخيرة الطبيعية ليس بمقدورها توفير هذه الإحتياجات.‏
تأسيساً على ما تقدم يبدو جلياً لكل ذي بصيرة أن فلسطينيي العام 1948 وبعد أكثر من سبعة ‏عقود على محاولات أسرلتهم، إلا أن عنصرية إسرائيل ظلت أقوى من كل محاولات الأسرلة والدمج، ‏علاوة على أن إنتماءهم لفلسطين ظل أقوى وأصلب من أي وقت مضى، مما يجعلهم تهديدا لأمن ‏إسرائيل القومي ويضع إسرائيل في مشكلة غير قابلة للحل في المدى المنظور، كما يبدو جلياً لأي ‏مراقب أن إسرائيل ومعها أمريكا وعلى الرغم من المناورة المشتركة، إلا أن رهانهم على الأموال ‏الخليجية أكثر من رهانهم على القوة العسكرية لهذه الدول.‏
وفيما تدرك دول الخليج ذلك، الأمر الذي بدا واضحا في السياسة الخارجية لدولة الإمارات مؤخراً، إذ ‏بدأت تقترب أكثر من إيران وسوريا، إلا أن إنخراط الإمارات في التطبيع مع إسرائيل، يقوي ويشجع ‏الأخيرة على أرتكاب المزيد من الإعتداءات على الحق الفلسطيني في لحظة بدأ فيها الراي العام ‏العالمي يدرك أن إسرائيل هي دولة عنصرية ومصدر تهديد اساسي للأمن والسلم العالمي، الأمر ‏الذي يبقي الصراع مفتوحاً على كل الإحتمالات، ويضع في نفس الوقت المزيد من الأثقال على ‏كاهل الأجيال الإماراتية العربية الأصيلة الشابة في محاولتها تصحيح ما أفسده الشيوخ. ‏

اكمل القراءة
Advertisement
اضغط للتعليق

أترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *