Connect with us

أقلام وأراء

الاقتصاد الفلسطيني والعقد الاجتماعي

بقلم:ايهاب عودة

قد أعطانا جان جاك روسو الكاتب الفرنسي عدة أفكار ونظريات حول كيفية بناء دولة ديمقراطية قائمة على ‏اكتساب المواطن لكامل حقوقه، ومن الممكن أن نلخص ذلك في مقولة قد اكتسبت الشهرة على لسانه وذلك ‏عند تحديده المعيار المناسب لمعرفة الديمقراطية المطلوبة لقيام دولة، وذلك عندما قال ” أن الدولة تبنى على ‏سلطة تحكم ومحكوم يطيع، فنشأ بينهما عقد اجتماعي يفرض بأن يقوم كل منهما بواجبه، فإذا أخل فريق ‏بواجبه يحق للفريق الأخر فيه العقد والثورة “، ويبنى على هذا أن المسؤولية الاجتماعية تقع على جميع ‏أفراد الدولة للارتقاء بالموطن الذي ينتمون له‎. ‎
وتأسيساً على ذلك قد جاءت الدساتير العالمية بشكل عام والقانون الأساسي الفلسطيني بشكل خاص لإعطاء ‏الحقوق لأصحابها من دون أن يسمح لأي شخص بالتعدي عليها، ويتبين ذلك من خلال المواد الواردة في ‏القانون السابق ذكره، ومثال ذلك ما جاء في المادة (٣٢) من القانون الأساسي الفلسطيني والتي تنص كما ‏يلي ” تقوم على تشديد أي اعتداء كان على الحرية الشخصية أو حرمة الحياة الخاصة للإنسان وغيرها من ‏الحقوق والحريات العامة التي يكفلها القانون الأساسي الفلسطيني، وتضمن السلطة الفلسطينية تعويضاً عادلاً ‏لأي شخص وقع عليه ضرر”، والكثير من المواد التي يتضمنها القانون الأساسي الفلسطيني تكفل العيش ‏بكرامة لكل مواطن فلسطيني، وذلك عبء واجب تنفيذه يقع على السلطة الوطنية الفلسطينية‎. ‎وربطاً فيما ‏سبق يمكننا القول إن الدولة الفلسطينية حالها كحال الكثير من الدول التي تتبنى نظريات الديمقراطية ‏المحلية وعلى رأسهم نظرية العقد الاجتماعي التي أسسها جان جاك روسو في القرن الثاني عشر والتي ‏تبني العلاقة على توافر ركن الرضا ما بين الطبقة الحاكمة والشعب.
• وهنا يثور السؤال: أين الدولة الفلسطينية ونحن في نهاية عام ٢٠٢١م مما تم تبنيه في القانون ‏الأساسي الفلسطيني؟ لا يخفى على أحد أن الشعب الفلسطيني قد عرف بأنه ذو أشهر قضية في ‏العصر الحالي وذلك بسبب وقوعه تحت سطوة الاحتلال الإسرائيلي، وقد عانى الكثير من الويلات ‏التي تفوق الاحتمال البشري وذلك بداية من النكبة واستمراره إلى غاية اللحظة‎. ‎
وأما على الصعيد الداخلي فإن الوقت الحالي يعد أسوأ فترات يعيشها الشعب الفلسطيني من كافة الجوانب ‏وخاصة الوضع الاقتصادي الذي يعاني بل يمكن اطلاق مصطلح الموت الاقتصادي وذلك بناء على ما يمر ‏فيه الشعب الفلسطيني من حالة اقتصادية مزرية، ففي الوقت الحالي يعاني الشعب الفلسطيني من غلاء ‏الأسعار المبالغ فيه، وذلك مع التنبيه الى أن الحد الأدنى للأجور وفقاً لما أقرته الحكومة الفلسطينية في عام ‏‏٢٠١٢ (١٤٥٠ شيكلا) أو الأجر الذي سيطبق بدءاً من العام المقبل (١٨٥٠ شيكلا)، فإن في حال بقاء ‏سريان هذا القرار فإن معظم المواد في القانون الأساسي الفلسطيني والتي تناولت ضمان المحافظة على ‏كرامة المواطن ما هي إلا حبر على ورق، وهنا تتولد إشكالية يجب على الحكومة الفلسطينية إيجاد حل ‏سريع وواقعي قابل للتنفيذ قبل الوصول إلى مراحل الفقر المدقع بين أفراد الشعب الفلسطيني والتي اعتقد ‏أنه قادم لا محالة إذا ما بقيت الدولة الفلسطينية تعتمد على المساعدات الإنسانية القادمة من الخارج والتي ‏تذهب معظمها لسد نفقات الموظفين وليس لبناء مستقبل اقتصادي افضل من خلال خلق بنية تحتية ‏اقتصادية تضمن للأجيال القادمة مستقبلا افضل‎. ‎وبالعودة إلى الشارع الفلسطيني نرى أن شعور عدم الرضا ‏اتجاه الحكومة الفلسطينية الحالية هو غالب على أي أراء اخرى، وإن وقوف عجلة الاقتصاد الفلسطيني عن ‏الدوران لأكثر من عام ونصف من تاريخ انتشار جائحة الكورونا في فلسطين لا يمكن أن يتوافق مع غلاء ‏أسعار السلع الأساسية التي تضمن للمواطن الفلسطيني البقاء فقط وليس الرفاهية في المعيشة، وذلك على ‏عكس الكثير من الحكومات العالمية التي قدمت الدعم بشكل مباشر ومتواصل طوال جائحة الكورونا، وفي ‏مثل هذه الدول نستطيع القول إن هناك رضا في العقد ما بين الحاكم والشعب وذلك على عكس الواقع ‏الفلسطيني الذي لا يوجد فيه أي إمكانية لتطبيق نظرية جان جاك روسو، ولذلك يمكننا القول إن القانون ‏الأساسي الفلسطيني والذي يعد اعلى الهرم في التشريعات الفلسطينية من حيث درجة الإلزامية، هو قانون ‏يصعب تطبيقه عملياً وتبقى المواد المكونة له غير قابلة للتنفيذ، وذلك يثبت لنا إن المادة رقم (٣٢) من ‏القانون الأساسي الفلسطيني والتي ذكرناها سابقاً والتي تحمل فكرة حماية الحقوق للمواطن الفلسطيني لا ‏يمكن أن يتم تنفيذها وخاصة من الجانب الاقتصادي الحالي المنتشر في فلسطين، وهناك مواد كثيرة لا يتم ‏تطبيقها تتعلق بالاقتصاد من ذات القانون مثال ذلك المادة رقم (٢٥) والتي تنص على إن العمل حق لكل ‏فلسطيني ونحن نرى أن هناك اكثر من نصف مليون فلسطيني عاطل عن العمل في جميع طبقات المجتمع، ‏سواء أصحاب الشهادات العلمية أو أصحاب الخبرة المهنية وهذه حقيقة واضحة غير قابلة للنقاش فيها.‏
وفي النهاية نستطيع القول أن مقومات الدولة التي ينص عليها القانون الأساسي الفلسطيني غير متوافرة ‏بشكل كامل لدينا وذلك يتم تأكيده من خلال عدم تطبيق أغلبية مواد القانون الأساسي الفلسطيني في الواقع ‏الفلسطيني‎. ‎وأما على صعيد نظرية جان جاك روسو فلا يتوافر منها إلا عنصرين وهما الطبقة الحاكمة ‏والشعب فقط، مع عدم توافر الركن الأهم للنظرية وهو الرضا لدى الطبقة المحكومة، والذي من الممكن أن ‏ينعدم بشكل كبير جداً اذا ما بقيت الحالة الاقتصادية كما هي عليه في الدولة الفلسطينية‎.‎

اكمل القراءة
Advertisement
اضغط للتعليق

أترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *