Connect with us

أقلام وأراء

في ذكرى اعلان وثيقة الاستقلال: نظرية اسرائيلية جديدة ترسم مستقبلاً قاتماً للدولة

بقلم: د. عبد الله موسى أبو عيد

صدر مؤخراً كتاب جديد لمؤلفه الأكاديمي ميخا غادمان (‏Micha Godman‏) المقرب من رئيس الوزراء ‏نفتالي بينت، عنوانه (مصيدة 67) واشتمل الكتاب المذكور على مقترح أطلق عليه اسم “ثماني خطوات ‏لتقليص الصراع”، أي أن الموضوع الرئيسي للكتاب يحتوي على نظرية جديدة دعاها (تقليص الصراع – ‏Shrinking the conflict‏) وهذه النظرية انما تعتبر تكراراً لنظريات سابقة وردت في برنامج الرئيس ‏ترامب وضمن أفكار بنيامين نتياهو والتي كانت تدعو إلى التهدئة والسلام الاقتصادي، إلا أن غادمان، ‏صاحب النظرية الجديدة، أكثر من زخرفة نظريته (تقليص الصراع) ووضعها في قوالب جذابة طمعاً في ‏زيادة رونقها وخداعها للشعب الفلسطيني.‏
وتعتمد هذه النظرية الجديدة، بالدرجة الأولى، على ما دعاه (الاجماع الخفي) بين مختلف التيارات السياسية ‏والايديولوجية في اسرائيل حول الحاجة للانفصال عن الفلسطينيين وضرورة الاحتفاظ بأراضيهم تحت سيادة ‏‏(وليس سيطرة !!) اسرائيل!! بالإضافة إلى عملية ادارة الصراع بدلاً من حله، وذلك عن طريق تقليصه ‏وليس انهائه لأن النظرية تعتقد بأن التفاوض لحل هذا الصراع حلاً جذرياً يعتبر امراً غير مجد، والسبب ‏واضح حيث أن السلطات الاسرائيلية المختلفة ترفض الانسحاب من الاراضي الفلسطينية المحتلة وتصر ‏على ضمها ضماً قانونياً وواقعياً بالتدريج وعلى نار هادئة!‏
وتجدر الاشارة إلى أن هناك موقع الكتروني رائج في اسرائيل يحمل نفس الاسم “تقليص الصراع” وشعاره ‏‏(خطوات صغيرة بأثر كبير) وتشتمل النظرية المذكورة على الاجراءات التالية:‏
‏1-‏ ربط جزر الأرخبيل الفلسطيني ببعضها بواسطة شبكة معقدة من الطرق والانفاق والجسور تديرها سلطة ‏فلسطينية تمكن الفلسطينيين من التنقل في عموم الضفة الغربية بدون الاحتكاك بحواجز الجيش ‏وبمستوطني الضفة.‏
‏2-‏ انشاء محطة ركاب في الضفة الغربية لتسهيل عمليات سفر المواطنين الفلسطينيين من مطار بن ‏غوريون.‏
‏3-‏ توسيع جسر الملك حسين لتسهيل سفر الفلسطينيين إلى الخارج.‏
‏4-‏ زيادة تصاريح العمال الفلسطينيين للعمل داخل الخط الأخضر.‏
‏5-‏ انشاء مصانع في المدن الرئيسية في الضفة الغربية لإيجاد أعمال لفائض العمال.‏
‏6-‏ تسهيلات تجارية عبر الموانئ الاسرائيلية.‏
ملاحظات هامة على النظرية:‏
‏1-‏ تشير النظرية إلى أن هذه المقترحات تعفي الطرفين من المفاوضات المعقدة، والطويلة والتي لن تجدي ‏نفعاً على الأرجح حسب قول صاحبها. لذلك اعتبر مقترحاته بديلاً عن هذه المفاوضات التي يصفها بأنها ‏بدون جدوى في مجال ايجاد حل نهائي للصراع.‏
والرد عليه هو أن الحل الحقيقي المؤدي إلى احلال السلام في المنطقة يجب أن ينشأ عن مفاوضات ‏متكافئة بين الطرفين. كما وإن هذه النظرية انما تعتبر وسيلة أكثر جاذبية من سابقاتها لإدارة الصراع، وليس ‏حله أو تقليصه، أي أنها تدعو إلى تأجيل الحل، وبذلك تبقى الأمور كما هي، بل أنه على الأرجح، أن ‏الحل الحقيقي والنهائي للصراع سوف يزداد تعقيداً مع مرور الزمن، إذ أن العقبات تزداد مع مرور الزمن. ‏وكافة الصراعات المعقدة دولياً كان حلها فقط عن طريق التفاوض بحسن نية وبإعطاء الحقوق المشروعة ‏لأصحابها حسبما تنص عليه قواعد القانون الدولي ونصوص ميثاق الأمم المتحدة.‏
‏2-‏ النظرية المذكورة تنص صراحة على أمور هامة وخطيرة أهمها أنها تشير إلى بقاء السيادة على كامل ‏الأرض الفلسطينية المحتلة في يد اسرائيل.‏
ولا نعتقد بأن هناك الكثير من الفلسطينيين الذين يقبلوا بهذا الوضع. فالشعب الفلسطيني يتمسك بحقوقه ‏السياسية المشروعة وعلى رأسها حقه في تقرير مصيره على أرض وطنه وفي انشاء دولته المستقلة ذات ‏السيادة. وهو لن يقبل بهذا الحل الذليل الذي يبقيه عملياً وفعلياً خاضعاً للسيطرة الاسرائيلية ويحرمه من حقه ‏الطبيعي والقانوني في العيش بسلام وحرية في دولة مستقلة ذات سيادة يمارس فيها حرياته العامة وكافة ‏حقوق المدنية والسياسية والاجتماعية والثقافية والاقتصادية التي كفلتها له قواعد القانون الدولي وقرارات ‏مجلس الأمن، التي تعتبر اسرائيل ملزمة بتنفيذها وليس بالتحايل عليها.‏
‏3-‏ المقترحات الواردة في نظرية “تقليص الصراع” هي بضاعة قديمة تمت زخرفتها وعرضها عرضاً أكثر ‏جاذبية من سابقاتها التي رفضتها القيادة الفلسطينية وكافة فصائل الشعب الفلسطيني، ولا شك في أن ‏تطبيقها، أن تمت المصادقة عليها، إنما يزيد الأمور صعوبة وتعقيداً ويجعل أية حلول سلمية شبه مستحيلة، ‏كما وأن من شأنه اطالة الاحتلال واستمرار العنف مما يؤدي إلى الإخلال بالسلم والأمن الاقليمين والدوليين.‏
‏4-‏ من المضحك أن النظرية المشار إليها لم تذكر، ولو مرة واحدة، بأن هناك احتلال عسكري من قبل ‏اسرائيل، وأن الصراع انما هو نتيجة لهذا الاحتلال ولاستخدام القوة المسلحة لإخضاع شعب بكامله بالقوة. ‏كما وأنه اعتبر الصراع وكأنه صراع بين طرفين متكافئين وكأنه صراع بين دولتين، متناسية أنه صراع على ‏الوجود وعلى حرية شعب سلبت منه بالقوة المسلحة.‏
‏5-‏ لعل أخطر موضوع في النظرية المذكورة هو أنها تركز على أنه من حق الفلسطينيين اعتبار الجزر ‏المذكورة بأنها دولة، وهذا من شأنه تضليل بعض الدول وقطاعات واسعة من الرأي العام الدولي لاعتقادهم ‏بأن هناك فعلاُ دولة فلسطينية قائمة، حتى ولو لم تكن مُستَقلة وذات سيادة.‏
‏6-‏ وأخيراً يجب الاشارة إلى أن حل الصراع لن يحدث إلا إذا امتلك الشعب الفلسطيني عناصر القوة ‏الاساسية وعلى راسها وحدته الوطنية وقيادة منتخبة انتخاباً حقيقياً وديمقراطياً وتمتلك ارادة النضال وأصبح ‏الشعب يتمتع بحرياته العامة وبديمقراطية حقيقية، كذلك يتطلب الأمر تنظيم صفوف الشعب وقيام جبهة ‏وطنية حقيقية، على غرار ما تم في سبعينيات القرن الماضي. بالإضافة إلى الانفتاح على الراي العام ‏الدولي والقدرة على تحريك الاصدقاء لمساعدتنا وامكانية ايصال قضايانا الى هذا للرأي العام.‏

اكمل القراءة
Advertisement
اضغط للتعليق

أترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *