Connect with us

أقلام وأراء

هل حالفنا التوفيق بقيام الدولة الفلسطينية تحت الإحتلال ‏الإسرائيلي؟!‏

بقلم:المحامي إبراهيم شعبان

في ذروة الإنتفاضة الأولى للشعب الفلسطيني وتحقيقا لحق الشعب الفلسطيني في تقرير ‏مصيره، وترجمة لقرارات الأمم المتحدة المؤيدة لحقوقه، ونفيا لمزاعم الغزاة وتأكيدا لحق ‏السيادة الفلسطيني على أرضه وترابه ، ونفيا لأية حقوق تاريخية أو دينية على التراب ‏الفلسطيني لغير الفلسطينيين ، وامتدادا للشخصية الفلسطينية القانونية بعد الحرب العالمية ‏الأولى، وبمفاجأتها العالم النائم القابل والساكت عن الإحتلال الإسرائيلي ، قام الرئيس الراحل ‏المرحوم ياسر عرفات اثناء عقد اجتماع المجلس الوطني الفلسطيني التاسع عشر في الجزائر، ‏بإعلان استقلال دولة فلسطين الذي كتبه وصاغه المرحوم الشاعر محمود درويش. وغدا هذا ‏اليوم الخامس عشر من نوفمبر/ تشرين الثاني عيدا وطنيا فلسطينيا يستذكر فيه الشعب ‏الفلسطيني قيام دولته القابعة نحت الإحتلال العسكري الإسرائيلي. ‏
وقد شكل إعلان الدولة الفلسطينية حسما للنقاش الدائر والمستعر وقتها بين مفكري الثورة ‏الفلسطينية حول فكرتين رئيستين تتمحوران حول إعلان الدولة وحول تشكيل حكومة في ‏المنفى. ويبدو أن فكرة إعلان الدولة قد انتصرت على فكرة حكومة في المنفى، رغم أن بيان ‏إعلان الدولة قد اشار إلي تشكيل حكومة مؤقتة في الإعلان، وعن قرب تحقيقه كنوع من ‏التوازن السياسي. ‏
بتوقيع اتفاقات أوسلو التي تضمنت عدم جواز التوصل لحلول نهائية في الوضع المستقبلي ‏للقضية الفلسطينية بشكل منفرد من قبل الشخصين القانونيين الموقعين على هذه الإتفاقيات ( ‏منظمة التحرير الفلسطينية وإسرائيل )، هدأ بل تجمد الحديث عن الدولة الفلسطينية العتيدة على ‏المستوى الرسمي،وعاد الحديث على استحياء بعد انتهاء الموعد المضروب لنهاية اتفاقية أوسلو ‏في عام 1999 كما رسمته الإتفاقية ذاتها. ‏
وعادت هذه الفكرة لترجمتها من إعلان إلى حقيقة قانونية، وذلك حينما وافقت الجمعية العامة ‏للأمم المتحدة بأغلبية كبيرة على الطلب الفلسطيني بتشكيل دولة فلسطينية فوق التراب ‏الفلسطيني المحتل. ولم تجد الجمعية العامة غضاضة في إقرار هذا الطلب بل أيدته لتوافر ‏العناصر التقليدية (شعب وسلطة وسيادة ) لقيام أي دولة في الساحة الدولية ووجدته متوافرا في ‏الطلب الفلسطيني رغم الإحتلال الإسرائيلي. إلا أن الجمعية العامة للأمم المتحدة لم تستطع أن ‏تقبل الدولة الفلسطينية ليومنا هذا عضوا كاملا في عضويتها بل قبلتها كعضو مراقب فقط.‏
وعليه قامت دولة فلسطين الوليدة بالإنضمام إلى منظمات دولية كالإنتربول والمحكمة الجنائية ‏الدولية، ومعاهدات ومواثيق دولية كثيرة لعلها تؤتي بثمار وآثار توقف العدوان الإسرائيلي ‏والقوات الإسرائيلية وتسرع في إيجاد حل سلمي للقضية الفلسطينية بعد فشل تطبيق قراري ‏مجلس الأمن 242 و338 السيئين والغامضين . ولكن الدولة الفلسطينية نفسها لم تنشر هذه ‏الإتفاقيات الدولية في داخل فلسطين وتحديدا في الجريدة الرسمية ( الوقائع) لتصبح جزءا من ‏القوانين الفلسطينية المعمول بها في فلسطين. وبذا بقيت حبرا على ورق بالنسبة للشعب ‏الفلسطيني وإن حملت إلتزامات دولية.‏
وتفاءلنا خيرا، حينما صدر القانون الأساس الفلسطيني ( الدستور) رغم أوسلو، بما تضمنه من ‏قواعد دستورية وديموقراطية وحقوق وحريات عامة وحقوق إنسان وترسيخها، وشكلّ انعكاسا ‏لوثيقة إعلان الإستقلال الفلسطيني في الجزائر، وخلناه مقدمة منطقية لقيام الدولة الفلسطينية ‏العتيدة المستقبلية المؤملة.‏
وما كان مجرد إعلان لقيام دولة فلسطينية على الورق، أضحى حقيقة قانونية بعد قيام دولة ‏بأركانها على الأرض الفلسطينية أو جزء منها وتحت الإحتلال الإسرائيلي. وهو بلا جدل ‏وضع غريب في العلاقات الدولية وفي المجتمع الدولي، على أية حال، توالى الإعتراف بهذه ‏الدولة وبهذا الشكل الخاص بها من دول كثيرة، وأحجمت الدول الغربية في مجملها عن ‏الإعتراف بها مستندة إلى حجة عدم سيادة وسيطرة الدولة الفلسطينية على إقليمها. وانقسم الفقه ‏الغربي بين مؤيد ومعارض لهذا الوجود القانوني، بل وامتد هذا الإنقسام إلى أعضاء الغرفة ‏التمهيدية للمحكمة الجنائية الدولية.‏
تعارف الفقهاء الدستوريون في هذا العالم المترامي الأطراف، وفي جميع أشكال الدول ونظم ‏الحكم فيها على وجود ثلاث سلط فيها، واحدة تسمى السلطة التشريعية وظيفتها سن التشريعات، ‏وثانيتها تسمى السلطة التنفيذية تسعى لتقديم خدمة الأمن والتربية والتعليم والصحة في إقليمها، ‏أما السلطة الثالثة فهي السلطة القضائية لتفصل في المنازعات بين الأشخاص الطبيعيين ‏والإعتباريين الخاصين والعامين. فاين نحن في الدولة الفلسطينية من هذا الشكل الدستوري ‏للسلط. ولماذا لا توجد سلطة تشريعية وتغيب عن الساحة الفلسطينية حيث تشرع وتخضع ‏السلطة التنفيذية لمراقبتها حتى لا تغدو وحشا تأكل كل من يعترض طريقها كما وصفها هوبس ‏الكاتب الإنجليزي. بل أين السلطة القضائية المستقلة عن السلطتين الأخريين ومنعهما من ‏التدخل في شؤون السلطة القضائية. السلط الفلسطينية غائبة أو مغيبة ما عدا السلطة التنفيذية ‏مدعومة بقوى الأمن على اختلاف مسمياتها.‏
الدولة عموما والفلسطينية خصوصا مثقلة بالتزام تحقيق سيادة القانون وحماية الحقوق ‏والحريات العامة الفردية والرقابة القضائية على أفعال السلطة التنفيذية. فأين نحن الفلسطينيون ‏في الدولة الفلسطينية وعلى إقليمها من هذا الإلتزام . فهل تحترم الأحكام القضائية وتنفذ من ‏قبل السلطة التنفيذية تنفيذا لأحكام القانون الأساس وقانون حقوق الإنسان المكتوب والعرفي. ‏وهل حقنا في الراي والتعبير عنه وحقنا في التظاهر والتجمع والإضراب مقدس في ظل الدولة ‏الفلسطينية أم ان الموضوع نسبي.‏
وحتى لا نجلد أنفسنا كثيرا، نتساءل عن حقوق الأسرى الفلسطينيين والجهود التي تبذل للإفراج ‏عنهم، اليسوا رعايا فلسطينيون بل رعايا متقدمين في المرتبة. أليس حق الإنتخاب والترشيح ‏على رأس الحقوق السياسية لأي مواطن في أية دولة، فلماذا لا يمارس الفلسطينيون هذه الحقوق ‏على إقليمهم في برلمانهم وفي نقاباتهم وفي مجالس حكمهم المحلية، ولماذا تختصر الديموقراطية ‏بهذا الشكل المشوه؟!‏
ناهيك عن أسئلة خلقها كيان الدولة الفلسطينية وبقيت بدون إجابة حاسمة في هذا الوقت تتعرض ‏لتعريف من هو الفلسطيني في ظل الأوضاع الحالية. فالفلسطينيون منتشرون في أقاليم كثيرة ‏منها الأردن وإسرائيل وسوريا ولبنان، ووجود الدولة الفلسطينية يثير أسئلة حول مركزهم ‏القانوني ومدى شرعية الإلتحاق بدولتهم، بل يمتد هذا التساؤل لتواجدهم في دول أخرى.‏
الأخطر من ذلك كله أن الإحتلال الإسرائيلي الطويل الأجل بل الأطول تاريخيا في العصر ‏الحديث يهدم اركان الدولة الفلسطينية عبر ممارساته العنصرية فهو يمارس الإعتقال الإداري ‏بحق مواطني الدولة الفلسطينية، ويهدم المنازل على أرض الدولة الفلسطينية بحجج شتى، ‏ويغلق المناطق الفلسطينية بذرائع بالجملة، ويصادر التراب الفلسطيني ليبني عليه مستعمرات ‏متوحشة وغير قانونية وتشكل جريمة حرب، فيما تحتاج قوات الأمن الفلسطينية إلى إذن من ‏القوات الإسرائيلية لدخولها منطق بي وجيم لتحل خلافا عشائريا أو مدنيا أو مهنيا. كيف يمكن ‏التوفيق بين كل ذلك ومفهوم السيادة الوطنية.بل قام بضم القدس الشريف العاصمة الأبدية للدولة ‏الفلسطينية إلى كيانه الغاصب في نفي صريح للدولة الفلسطينية.‏
نعود إلى السؤال المركزي بعد ثلاثة وثلاثين عاما على إعلان الدولة الفلسطينية، هل حالفنا ‏التوفيق حينما أبدلنا اسم السلطة الوطنية الفلسطينية بالدولة الفلسطينية. وهل كان إقامة حكومة ‏فلسطينية في المنفي أكثر نفعا، ام أن رمي مفاتيح الضفة الغربية في وجه المحتل الإسرائيلي ‏أكثر ثورية وصحة. أسئلة تطرح اليوم وغدا، فحتى هوميروس يخطىء أحيانا. ‏

اكمل القراءة
Advertisement
اضغط للتعليق

أترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *