Connect with us

أقلام وأراء

عن مخاطر كذبة الحماية الأميركية الإسرائيلية للدول العربية

بقلم: لميس أندوني

منذ الغزو الأميركي للعراق عام 2003، أصبح مصطلح “الدول السنّية” كثير الاستعمال في الخطاب الأميركي الرسمي، وفي اللغة الأكاديمية، لكن التركيز عليه باعتباره وصفاً يخدم الاستراتيجية الأميركية في المنطقة يدخل في مد وجزر، وفقاً للتطورات والحاجة الأميركية – الإسرائيلية من تعميق ربط الأمن العربي بالدولة الصهيونية.
برز التقسيم المذهبي خلال الحرب الإيرانية العراقية (1981 – 1988) بغرض إحلال إيران بدلاً من إسرائيل مصدراً للخطر الوجودي الاستراتيجي. ومن دون دخول في تفاصيل بدايات الحرب المدمرة ومراحلها، استفادت واشنطن من استمرارها، والتقلب بين تأييد طرفيها بغرض إضعافهما، وبالأخص العراق، وإخراج هذا البلد العربي المحوري من إطار الصراع العربي – الصهيوني.
أشعل الاحتلال الأميركي في العراق نار الطائفية، وأطلق شرارة العنف الطائفي، وإن كانت إيران، بتأييدها أحزاب “الشيعية السياسية” التي استطاعت إتقان لعبة التوازنات السياسية بين أميركا وإيران، مكّنتها من قيادة حكومات متعاقبة في العراق، ساهمت في تعميق الفرز الطائفي في العراق والمنطقة. وجاء دخول تنظيم القاعدة وابنها الأكثر توحشاً، تنظيم الدولة الإسلامية (داعش)، غير البعيد عن أصابع مخابرات إقليمية وعربية، ليرسّخ أسس ذعر طائفي، ما زلنا نعيش تداعياته السياسية والاجتماعية على المنطقة.

وكانت أميركا وإسرائيل أكبر المستفيدين من أتون العنف الطائفي، فبدأ الحديث عن “هلال شيعي” وحاجة الدول العربية “السنية” لحماية من إيران فحسب. لكن، لعلّ أهم عامل خدم واشنطن بشكل مباشر، وإسرائيل بشكل غير مباشر ومن ثم مباشر، في قضايا الأمن العربي بشكل معمق، هو خطر الإرهاب القاعدي والداعشي، فالتحالفات التي قادتها أميركا لمواجهة “داعش” جعلتها، هي وإسرائيل، حامية الأمن العربي الداخلي، وليس الخارجي فحسب، فالتحالفات ضد إيران، الخطر الخارجي بالمفهوم الأميركي، مطلوب لتحويل الأنظار عن التهديد الإسرائيلي، لكن الخطر “الداخلي”، والمتسلل عبر حدود من دول عربية إلى أخرى، أنتج تحالفتٍ تخرق مفهوم الأمن الوطني الداخلي في كلّ بلد عربي على حدة، وكلها مجتمعة في آن واحد. وقد تم تقديم فكرة إحلال إيران مكان إسرائيل عدواً استراتيجياً، وتقبل كثيرون بالفعل فكرة حماية أميركية، وبدأ بعضهم يتقبل حماية إسرائيلية من خطر “داعش” ومشتقاتها الإرهابية، فهي تمثل خطراً لا حدود جغرافية له، وقد ينطلق الوحش من كلّ مجتمع عربي، فالذعر في المجتمعات من أهم أدوات فرض الأحكام العرفية وتبريرات التدخل الأجنبي، لأنّها تفقد الإنسان ثقته بمفاهيم السيادة والحرية، فأصبحنا نسمع نغمة “داعش أخطر من إسرائيل” بل سمعنا نغمة أكثر خطورة، أنّ “إسرائيل تحمينا من داعش”. بل تم أيضاً توظيف الخوف من “داعش” وأخواتها وبناتها، في تبرير التطبيع والمعاهدات مع إسرائيل، ولم يكن دائماً على ألسنة مسؤولين فقط، بل من بعض النخب أيضاً، بل ليس من الغريب أن نسمع تأنيباً من بعض أفراد النخب الاجتماعية لحركات مقاطعة إسرائيل، لأنّ الدول العربية في حاجة إلى حماية أميركا وإسرائيل من “داعش”. وثمة دول عربية أسست لتيار مذهبي طائفي متطرّف بين السنّة، بدعم من وكالة الاستخبارات الأميركية، لإرسال آلاف من الشباب العربي إلى أفغانستان في أواخر السبعينيات وأوائل الثمانينيات “لمحاربة الشيوعية” يتم تغييبها والتغاضي عنها في السرد التحليلي لما يحدث وما حدث، وباسم محاربة “داعش” تسقط كلّ الخطوط الأمنية للأمن الوطني والعربي.

لكنّ ما صلة ذلك كله بالمعاهدات الإبراهيمية التي بدأت باتفاقية تطبيع غير مسبوق في أبعادها وحجمها بين الإمارات وإسرائيل؟ نعي أنّ أميركا كانت دائماً تسعى إلى إظهار إيران عدواً استراتيجياً للعالم العربي بدلاً من إسرائيل، وبالتحديد منذ سقوط الحليف الأهم لإسرائيل في المنطقة، شاه إيران عام 1979، لكن بروز “القاعدة”، ثم “داعش” كان له أيضاً دور في التأثير على نخب عربية، ليس في دول الخليج فحسب، بل لدى نخب الأنظمة التي تفتقر إلى أي صلة بالتاريخ أو الوعي الجمعي. ومثالاً بعض المسؤولين في الإمارات، الذين لم يجدوا أيّ مشكلة في تقبل الرواية الصهيونية والمستعمرات الصهيونية في الضفة الغربية، بما في ذلك ضم القدس المحتلة وتهويدها.
لقد نشأ جيل من النخب الحاكمة يرى في انتصار القوة الحقيقة الوحيدة، وتغير تفكير النخب المستفيدة من الارتباط بأميركا وإسرائيل، وبدأ ترويج فكرة إسرائيل حامية لأنظمة عربية، وهذا أحد العوامل التي أدت إلى التفاهمات الإبراهيمية، إضافة إلى المصالح الاقتصادية التي نتجت عن تزاوج السياسة والبزنس الذي أدّى ويؤدّي إلى تشويه في الوعي، وإلى سقوط نخب من وهم الحماية الأميركية الإسرائيلية لأنظمة ونخب لا تعتمد في حكمها على تمثيل الشعوب، بل على قمع الحريات واحتكار السلطات والموارد الاقتصادية، لأنّ ذعر السلطات والنخب، في الجوهر، هو الخوف من الشعوب، وهو أعمق من خوفهم من إيران، وحتى من “داعش”.

يكتب الدبلوماسي الأميركي السابق المؤيد لإسرائيل، دينيس روس، في مقال له نشره أخيراً، أنّ الخوف من انسحاب أو انكفاء أميركي جعل بعض الساسة العرب في الدول “السنية” يرون في إسرائيل الحامي القوي للأنظمة العربية، بالتالي جاء الحماس لتوقيع الاتفاقيات الإبراهيمية وتوسيعها، خصوصاً، وهنا ينقل روس على لسان مسؤول خليجي قوله إنّ هذه الأنظمة استنتجت أنّ إسرائيل باقية في المنطقة. وإصرار روس وآخرين على تسمية هذه الدول بـ”السنّية” مقصود، فالمطلوب جعل إسرائيل الحليف الطبيعي في مواجهة إيران وحلفائها الشيعة في المنطقة ومتطرفي السنة، وهذا ما يريد ترويجه، لكنّ المشكلة في تصديق الكذبة، فاستعمال وصف السنّة يخدم بث الفرقة بين العرب، ومن الضروري أن ينغرز في مفاهيم شعوب المنطقة. وطبعاً لا يشمل هذا الخوف على المسلمين السنّة القلق أو الاهتمام بحماية الشعب الفلسطيني، لأنّ هناك فرقاً بين “سُنّة وسُنّة”، وفقاً لموقف إسرائيل وأميركا من حقوق الشعوب، فالمصالح السياسية الإسرائيلية والأميركية هي التي تحكم السياسات، فلن تقف أميركا أو إسرائيل مع أحد وتحميه، من دون انضمامه إلى الاتفاقيات الإبراهيمية، والاتفاقيات التي سبقتها. وإسرائيل ترى في الهوية العربية نقيضاً لهويتها الصهيونية. لكنّ المسؤولية تقع على النخب العربية، التقدمية والمثقفين والأحزاب، لأنّ أغلب النخب الحاكمة لن ترتدع، بل يمكن أن تستقوي بالحماية الإسرائيلية. ولذا لا بد من تكرار نشر الوعي ضد التطبيع الذي ليس خطره على القضية الفلسطينية فحسب، بل أيضاً على مستقبل الحريات والتنمية والأمن الوطني والقومي العربي، فبعض النخب الحاكمة ستستمر في أوهامها، إلى أن تستنفد مواردها ومصادرها المالية، وعندها يكون الوقت قد فات..

عن “العربي الجديد”

اكمل القراءة
Advertisement
اضغط للتعليق

أترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *