Connect with us

أقلام وأراء

هل تعتبر الولايات المتحدة نفسها حكومة عالمية؟

بقلم: د. عبد الله موسى أبو عيد

لم يحدث في تاريخ البشرية أن كانت هناك حكومة عالمية تعتبر نفسها مسؤولة عن كافة دول ‏العالم وكل سكان هذه الدول بحيث تتصرف كما تشاء، ليس فقط ضد كافة الدول والحكومات، ‏بل أيضاً ضد الافراد والمواطنين، مهما كانت جنسيتهم ومن أي بلد كانوا، كما هو حال الولايات ‏المتحدة الامريكية، خاصة في زمن حكم الادارة الديمقراطية الحالية، التي قيل لنا أنها أفضل من ‏الادارات الجمهورية وأكثر ديمقراطية وتمسكاً بحقوق الانسان واحتراماً لها. لقد تدخلت كافة ‏الادارات الامريكية السابقة في شؤون العديد من دول العالم اما بتهديد بعضها أو بوضع قيادات ‏البعض الآخر من الدول على ( الارهاب)، وصولاً إلى غزو دول تجرأت على معارضتها أو ‏رفضت الخضوع لها,‏
الامر الجديد من الادارة الحالية برئاسة الرئيس، جوزيف بايدن، الديمقراطي جداً، بحق، هو ‏معاقبة أفراد عاديين كما حدث في لبنان قبل أيام، حيث أعلنت الاداراة الامريكية معاقبة ثلاثة ‏مواطنين لبنانيين هم النائب في البرلمان اللبناني (جمل السيد) ورجلي الاعمال: (جهاد العرب ‏ودانييل خوري)، والتهمة هي: (التلاعب المالي والفساد الذي يعرض سيادة لبنان ‏للخطر)،هكذا!!‏
لو كانت الولايات المتحدة مهتمة فعلاً بسيادة لبنان لما تدخلت في شؤونه الداخلية وساعدت ‏على زيادة حدة التوتر والمماحكات بين الفئات والاحزاب اللبنانية ولما دعمت اسرائيل في غزوها ‏للبنان عدة مرات وفي سطوها على الثروات الطبيعية اللبنانية واحتلالها لأراضي لبنانية ‏واعتدائها المتكرر على سيادته.‏
لا بد لكل من يسمع التهمة ويقرأ اسماء المتهمين من أن يعتريه عجب كبير: ادارة دولة كبرى ‏أجنبية، لا تربطها بلبنان أي رابط قانوني أو سياسي، يتيح لها إمكانية الحلول محل المحاكم ‏الوطنية في البلد ، واتهام عدد من مواطنيه بتهم داخلية تمس الاقتصاد اللبناني والسيادة اللبنانية ‏وكرامة رئيس الجمهورية وكافة أبناء هذا الشعب، وجهة الاتهام هي دولة عظمى ديمقراطية ‏تدعى الولايات المتحدة الامريكية !! أمر غريب لم يحدث سابقاً في تاريخ البشرية حتى في ‏عصر الظلام والقرون الوسطى.‏
الجميع يعرف بأن الولايات المتحدة الامريكية كانت تتخذ من حقوق الانسان حجة للتدخل في ‏الشؤون الداخلية لمعظم دول امريكيا اللاتينية (أي امريكيا الجنوبية والوسطى ودول حوض ‏الكاريبي) بموجب (مبداً مونرو) منذ اعلانه في عام 1821، حيث كان الرئيس منرو قد أعلن ‏تصريحه المشهور قائلاً: “امريكيا للأمريكيين” حيث كان يهدف من هذا التصريح افهام الدول ‏الاستعمارية الاوروبية أن “امريكيا أولى منكم بالسيطرة على دول جيرانها في امريكيا اللاتينية”. ‏وهذا ما حصل حتى بعد استقلال معظم تلك الدول في القرن التاسع عشر والقرن العشرين، ‏حيث غزت الولايات المتحدة أكثر من دولة مثل: كوبا وبنما وكوستاريكا وهايتي وغرينادا، ‏وتدخلت بوسائل متعددة اخرى في شؤون عدد من دول تلك القارة مثل ما حدث في تشيلي عام ‏‏1973 حيث دعمت قائد الجيش آنذاك الجنرال بينوشيه وحرضته على الاطاحة بنظام الرئيس ‏‏”سلفادور ايندي” وقتله والاستيلاء على السلطة، كما مولت وسلحت جماعات الكونترا في ‏هندراوس بهدف الاطاحة بحكومة نيكاراغوا الشرعية ذات الميول اليسارية ، كما استخدمت عدة ‏اساليب اخرى للإطاحة بعدة حكومات واستبدالها بعملاء للولايات المتحدة الامريكية في أكثر من ‏دولة في تلك القارة .‏
نستطيع القول بأن اسلوب معاقبة افراد عاديين من شعب آخر، هو لبنان، انما يعتبر اسلوباً ‏حديثاً مبتكراً لم يحدث في التاريخ المعاصر وهو ماركة مسجلة للإدارة الامريكية، وهو من الأمور ‏المضحكة ، وفيه انتهاك صارخ لسيادة دولة لبنان وكافة القيم الحضارية المتمثلة بحقوق الانسان ‏والعدالة واحترام الدول الاخرى وسيادتها واستقلالها، كما وأنه انتهاك للقضاء اللبناني وتعد على ‏صلاحياته.‏
وتجدر الاشارة هنا إلى أن هذا الاسلوب للإدارة الامريكية الحالية، يعتبر شبيهاً بأساليب الرئيس ‏المهزوم بالانتخابات الأخيرة، أي الرئيس ترامب. والغريب في الأمر أن الرئيس الحالي بايدن، ‏نجح في الانتخابات الأخيرة، في نوفمبر 2020، معتمداً على برنامجه المعارض لسياسات سلفة ‏ترامب المرتكز على برنامج حضاري!! أو هكذا زعموا، أي برنامج يراعي حرمة الدول الأخرى ‏وسيادتها ويحترم القانون والعدالة، وإذا بنا نرى هذه الادارة، الديمقراطية جداً، تنتهك، ليس فقط ‏فقط، كافة قيم الديمقراطية واحترام سيادة الدول الأجنبية، بل وإنزال عقوبات بمواطنين ينتمون ‏إلى دول أخرى، دون مراعاة واحترام سيادة تلك الدول في انتهاك صارخ للعديد من قواعد القانون ‏الدولي وقيم وأخلاق العلاقات السياسية بين الدول، التي دخل العالم في حروب عديدة من أجل ‏ارسائها ودعمها واحترامها. حقاً أن الولايات المتحدة في بلد العجائب!!! ويمكننا القول بلا تردد: ‏حقاً أن الرئيس ترامب كان أكثر جرأة وأقل تهوراً على النطاق الدولي خارج البلاد، من ادارة ‏الرئيس الحالي بايدن!! حيث أنه لم يستخدم هكذا اسلوب في الحلول محل القضاء الوطني، في ‏دولة صغيرة كلبنان، وفي انتهاك سيادتها بمثل هذا الاسلوب زاعماً بأنه يدافع عن لبنان وعن ‏العدالة وسيادة القانون فيها، بمعاقبة ثلاثة مواطنين تتهمهم الولايات المتحدة بنشر الفساد في ‏البلاد دون اتاحة المجال لأي منهم بالدفاع عن نفسه حتى في محاكمة صورية، وهكذا تكون ‏العدالة على الطريقة الامريكية!!!‏
الأمر اللف للنظر أن هذا الانتهاك لسيادة لبنان تزامن مع انتهاكات اخرى ارتكبتها عدة دول ‏عربية لسيادة هذا البلد العربي الصغير. فهل هذا الأمر مجرد صدفة!!‏

اكمل القراءة
Advertisement
اضغط للتعليق

أترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *