Connect with us

فلسطين

التسعينية عبلة قليبو.. مخزون معرفي متميز ومستودع اسرار مقدسية نابض

القدس – “القدس” دوت كوم- محمد زحايكة- استمعت والصديق عماد منى مدهوشين متعجبين للتسعينية المقدسية عبلة قليبو الدجاني ، ام حسن ابنة ال 91 عاما ، وهي تجلس في صدر بيتها العامر في حي واد الجوز كرم العلمي بكل فخامة ووقار المرأة المقدسية الواثقة بنفسها وبدورها في الصمود والدفاع عن الاجيال وفي بناء الانسان الفلسطيني المتشبث بذاكرته الحية مدى الحياة .
عبلة المقدسية حتى النخاع شاركتنا بزاوية من زوايا ذاكرتها الفياضة وروت لنا حكاياتها المشوقة عن حقبة زمنية مضت بنبرات صوتها الواضحة وهي ترمقنا بنظرات حادة وكأنها تريد ان تستشف مدى وعمق تاثير روايتها علينا فراحت عندما شعرت بالامان تتدفق وتسترسل في الحديث بشغف ملحوظ عن أيام زمان لترسم لنا بعض ملامح ذاك العصر الذي ما زال الحنين اليه يضطرم في النفوس رغم ما اكتنفته من احداث ومآسي كان ضحيتها الشعب الفلسطيني في كل مكان .
الافاضة ..
ولم يأخذ الحديث او الدردشة مع المقدسية عبلة قليبو ترتيبا معينا وانما تركنا لها حرية الافاضة من ذاكرتها الثرية والاطلال على ما شاءت من احداث حسب اهتماماتها في الزمن القصير والمتاح لهذه الدردشة وطبعا الحيوية في السرد والبوح والتذكير بنمط المعيشة وحال الناس والاحوال في تلك الايام الخالية .
فتبدأ في السرد ، عفو الخاطر وفي وصف معيشة الناس في القدس زمن الانتداب البريطاني، والذين كانوا يمارسون حياتهم العادية في ظل نظام متكامل فيه الاسواق المحلية والمتاجر والدوائر الرسمية التابعة لحكم الانتداب كما والشرطة والبلدية والغرفة التجاربة والشؤون الاجتماعية والمستشفيات والبنوك والعيادات والاطباء والمحامين والمدارس والمعاهد والمتعلمين في الفترة الانتدابية التي استمرت زهاء 30 سنة .
ثم تاخذنا بذاكرتها الفولاذية التي لا تغيب عنها شاردة ولا واردة الى الحقبة العثمانية من خلال ما كانت تسمعه من الاجداد والاباء فتروي ظاهرة توسع اهل البلدة القديمة من القدس الى خارج الاسوار بداية بدفن الاموات في مدافن ومقابر خارج نطاق سور القدس من الناحية الشرقية والجنوبية لتتمدد وتتوسع مع مرور الزمن على طول هذه الناحية فيما كان اغلب سكان القدس يقطنون داخل السور ، وتحديدا في وقت السلطان العثماني عبد الحميد الثاني ، اخر سلاطين الدولة العثمانية والذي كان جيشه يحكم السيطرة على البلاد ومنها فلسطين الجزء الجنوبي من بلاد الشام .

السفربرلك..

وهنا تستذكر معاناة اهل البلد نتيجة المجاعة ايام السفربرلك التي تزامنت مع اندلاع الحرب العالمية الاولى بداية العقد الثاني من القرن العشرين حيث تضيء على مشهد من تلك الايام تمثل بقيام البعض في البحث في روث الخيول والجمال التي كانت في احد الاسطبلات بالقرب من ابواب الحرم الشريف والتقاط حبات القمح وتجميعها وطحنها لعمل الخبز اتقاء للمجاعة المستفحلة في تلك الايام والتي كان كل او معظم التموين يرصد للمجهود الحربي والجيش العثماني بينما الناس الجوعى يلتقطون ما يخلفه وراءه من فتات وبقايا طعام من قشر برتقال وخضار وحبوب القمح والشعير … ؟؟
وتواصل ام حسن قليبو التدفق في حديثها مختارة ما شاءت من ملامح تلك الحقبة الزمنية “
انعم الله على جدتي من ناحية ابي بتسعة صبيان ، وكان من مهماته جلب المواد التموينية الى فلسطين ،بما فيها القدس ، من قمح وسكر وعدس وبرغل وبهارات وخلاف ذلك وكان يتم عرض تلك البضائع في محله بشارع سوق البازار ، شارع داود نمرة 27 و 29 وتمتد تلك المنطقة بين باب الخليل حتى مفرق ما يعرف بحارة اليهود .
وتصف ام حسن قليبو طبيعة العلاقة القوية التي كانت تربط جدها لابيها بالسلطان العثماني ، لذلك واصل عملية استجلاب مواد التموين التي ورثها عن ابائه واجداده بمباركة من السلطان العثماني والوالي حاكم البلد . وعليه كان الجد الحاج داود طاهر الداوودي الدجاني يعتبر من ورثة وسدنة مقام وضريح سيدنا داود ومسجده الذي كان خارج السور العتيق في الزمن السالف فيما بات يعرف اليوم بقلعة داود على مدخل باب الخليل في الجهة الغربية من القدس العتيقة .

داود وسليمان في سالف العصر والاوان..

وشطحت بنا ذاكرة ام حسن الى ربما ثلاثة آلاف عام قبل الميلاد حيث زمن سيدنا داود وابنه سليمان وقصة بناء سور المدينة القديم واعادة ترميمه بعد ان تهدم في الحروب ايام الملك هيرودس من خلال الاستفادة من الذهب الخالص الذي كانت مصنوعة منه ابواب السور .
وتربط التسعينية ام حسن قليبو هذه الاشارات من العهد القديم لتصل بنا الى رواية قصة مؤثرة عندما حاول الانجليز الاستيلاء على مفتاح الوقف والمقبرة المقدسة من عائلة الدجاني والتي تعطلت عندما منحت السلطات البريطانية مهلة لاثبات ملكيتها وحق التصرف بهذا الوقف من السلطنة العثمانية حيث انتدبت العائلة مندوبا للباب العالي في اسطنبول لجلب المستند او البراءة في الوقت المحدد والمهلة الممنوحة ، وبالفعل تمكن المندوب من احضار المستند ولكن في طريق العودة تعرض لمشكل مع قطاع طرق او ما شابه فسقط المستند وفقد في مياه النهر . ولما وصل المندوب او المبعوث في الموعد المحدد وفي المكان المعين وقبل ان يروي ما حدث معه هداه الله لاداء الصلاة في التو واللحظة وعندما انتهى من الصلاة وثنى السجادة لمح المستند تحتها ، فنطق بالشهادتين على هذه المعجزة التي لا بد وان الملائكة هي التي أحضرت المستند المفقود ..؟؟ وبالتالي تمكنوا من المحافظة على مفاتيح المسجد والضريح ؟؟ وواصل الدجانية الاحتفاظ بالمفتاح حتى استولى عليه المحتلون الاسرائيليون بعد حرب 1967 .. ؟؟
ولا تنسى محدثتنا التسعينية عبلة محمد داود طاهر الداوودي الدجاني المولودة عام 1930 الطريق التي كانت تسلكها وصويحباتها لقراءة الفاتحة على روح جدها بعد ان توفاه الله بين مقبرة ماميلا وبرج صهيون واداء صلوات الفجر في مسجد النبي داود . وتفتخر ام حسن بجذورها الممتدة الى سلالة الدواهدة الذين كانوا كثيري العدد والعدة ورجال علم ومال وجمال وفهم وذكاء ويقال انهم ينحدرون حتى ” 14 تاج ” من زمن سيدنا داود حسب تعبير ام الحسن قليبو ، التي لم نستطع فهم ما ترمي اليه من معنى لهذا التعبير غير المعروف .

السمن والعسل..

وتتحدث ام حسن قليبو عن املاك لا تأكلها النيران لجديها من ابيها وامها والتي كانت تنتشر في مختلف انحاء القدس القديمة مرورا بحارة اليهود وحارة الشرف حيث كان يوصف جدها لامها واسمه مصطفى بيك القطب بأغنى اغنياء البلدة القديمة ، فاجتمع الجدان ووضعا الذهب ع العسل لتصير امور العائلتين فوق الريح .. ثم يبدأ جدها الذي انجب تسعة اولاد محوطين بالله مع شقيقته وزوجته رحلاته للحج الى مكة والمدينة .. على اساس حجة بحاجة كما يقال ، فيجلبون الشاي السيلاني من آسيا الوسطى ومن بلدان افريقيا يحضرون منتجات متنوعة عبر ميناء حيفا او ما تسميه ” كوبر تاب ” اي القطار التجاري وما يحمله من مواد التموين من حمص وفول وعدس ومعكرونا….. الخ . فازدهرت تجارتهما وحققا ارباحا كبيرة بسبب علاقاتهما مع مسؤولي البلد الكبار في الحقبة العثمانية .
وللتحايل على الشرطة العسكرية العثمانية في ذلك الوقت بخصوص عدم تجنيد اولاد جدها التسعة ذكرت ام حسن ، انهم كانوا يضعون الفرشات والاغطية فوق الاولاد في مكان يقال له ” الركزة ” قبل ان تتم مداهمة البيوت فلا يجدون احدا ، فيغادرون للبحث في البيوت المجاورة وهكذا حتى يحولوا دون تسليم الاولاد الاذكياء الى الجيش التركي ولا يعودون في الغالب أحياء ..؟؟ اما الجد نفسه فلم يسلم من التجند ، ولكن بسبب اصابته بالجدري عينوه طباخا للجيش مما انقذ حياته من موت محقق..؟؟ كما نجا من الموت بالقائه في الماء لدى اصابته بالكوليرا في عرض البحر وكان من اعراضها الاسهال ، عندما سارعت زوجته لاخفائه في قسم الحريم او النساء حتى وصلوا الى البر بسلام .
وعن جدها لامها ، عبدالله بك العلمي قالت بانه شغل مديرا لسجن العبيد وهو تسمية مكروهة لحبس الدم او الرباط في باب الناظر او باب المجلس المفضي الى الحرم الشريف وكان من صلاحياته اصدار احكام الصلح والاعدام بحق المجرمين فيما شقيقه العم صالح كان وزيرا للمالية ورجاله يقومون بتحصيل الضرائب من الشعب . ومن مآثره في دمشق حماية الكثير من الارمن من الابادة على يد الاتراك .
وبلغت العلاقات ذروتها مع السلطان العثماني عندما تمت مصاهرتهم وتزوج ابيها امها أمنة على سنة الله ورسوله وبمباركة السلطان .

النكبة العائلية ..
ومن حاكم في الباب العالي الى حياة الناس العادية في زمن الانجليز ، عاش اجداد عائلة ام حسن خاصة في مقام الخانقاة الصلاحية فيما ذهب احد الجدين واعتكف في احد الاديرة بسبب ما تعرضت له العائلة من مؤامرات عسلية وفتيانية وعلمية بحق الزوجات والممتلكات نتيجة غيابهما عن البلاد والاعتقاد انهما فارقا الحياة .
وتروي ام حسن انها شاهدت خارطة كل فلسطين التي اعدتها دائرة المساحة والتنظيم والطابو في عهد الانتداب والتي قسمت اراصي فلسطين وهيأت الجزء الاكبر منها للعصابات الصهيونية ليسهل عليها استملاكها من اصحابها الشرعيين . حيث شاهدت بعينيها كيف قسمت الخارطة الى قطع متناثرة وكيف انتشرت مناطق مثل القطمون والطالبية ومناطق في مدن حيفا واللد وغيرها واضحة كعين الشمس في رابعة النهار على الخارطة لتكون من حصة العصابات . وتستذكر ام حسن بحسرة الاحياء التي عاشت فيها طفولتها كحي النمامرة والطاحونة والبقعة الفوقا والبقعة التحتا . وتعرج على الانفجارات التي وقفت وراءها العصابات الصهيونية زمن الانتداب في فندق الملك داود وسينما سميراميس قرب حديقة الجرس وما حصل فيها من أساطير عندما أخبرت صاحبة بخت تضرب في الودع احدى السيدات بآنها سوف تموت بعد سبع اشارات فقضت في انفجار فندق الملك داود فيما نجت اخرى لانها كانت تحت السرير وزوجها فوق السرير ..؟؟

ذاكرة من حديد..
ذاكرة التسعينية المقدسية ام حسن قليبو تعج بالكثير من التفاصيل التي تحتاج الى توثيق بعد تدقيق وتمحيص الوقائع حتى لا نخسر هذا التاريخ الشفهي الخصيب الذي لا يعوض اذا فقدناه . اما زوج ام حسن الراحل عارف قليبو الذي غيبه الموت قبل سنوات عن مئة عام .. فكان ذاكرة متحركة لا ينضب لها معين.. والمفجع ان تسجيلات كاملة بهذا التاريخ الحي معه ، قد فقدت نتيجة خطا فني قاتل .

اكمل القراءة
Advertisement
اضغط للتعليق

أترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *