Connect with us

أقلام وأراء

تصنيف الاحتلال لمؤسسات حقوقية فلسطينية بالإرهابية المخاطر والتحديات والمسؤولية الفلسطينية

بقلم: جمال زقوت

أثار إعلان وزير الجيش الإسرائيلي “غانتس” بتصنيف ستة مؤسسات حقوقية فلسطينية بأنها إرهابية؛ استنادًا إلى ما يُسمّى ‏‏”قانون مكافحة الإرهاب لعام 2016″، ردود فعلٍ واسعة على الصعيد الدولي وحتى الإسرائيلي. وقد تركّزت هذه الردود بصورة ‏أساسية على التعسُّف الذي يُظهر مدى الاستخفاف بحالة حقوق الإنسان الفلسطينية ودور المؤسسات العاملة في هذا المجال، ‏سيّما للمكانة الهامة التي تحتلها بعض، بل معظم، هذه المؤسسات، ودورها المهني الريادي في الدفاع عن حقوق الإنسان ‏الفلسطيني، محليًا وعلى صعيد منظومة ومؤسسات حقوق الإنسان الدولية، وبعض وكالات الأمم المتحدة مثل مجلس حقوق ‏الإنسان والمجلس الاقتصادي والاجتماعي للأمم المتحدة، والتي عبّرت هي الأخرى عن رفضها لهذا القرار.‏

إن تجرّؤ وزير الحرب الإسرائيلي على استخدام ما يسمى “قانون مكافحة الإرهاب لعام 2016” على مؤسسات تعمل تحت ولاية ‏السلطة الوطنية، وإشرافها الإداري ووفقًا للقوانين الفلسطينية، يُشكّل إعتداءً، ليس فقط على هذه المؤسسات ومنظومة حقوق ‏الإنسان والمجتمع الفلسطيني برمّته فحسب، بل إنه في الواقع يشكل انتهاكًا إضافيًا خطيرًا يُلغي رسميًا الولاية القانونية للسلطة ‏الوطنية الفلسطينية ودورها في مجرد إدارة شؤون الفلسطينيين، حتى بمفهوم الحكم الذاتي الذي بموجبه تشكّلت السلطة الوطنية وما ‏زالت تعمل على أساسه.‏

إن هذا الإعلان يضع السلطة الوطنية أولًا، ومعها كافة الأطراف الإقليمية والدولية، أمام تحديّاتٍ استراتيجية؛ يأتي في مقدمتها ‏مكانة ووظيفة السلطة الفلسطينية من حيث كونها مسؤولة عن إدارة شؤون الفلسطينيين في الأرض المحتلة، والتي، باستثناء ‏اتفاق أوسلو لهذا الدور والمسؤولية المباشرة عن شعبنا في القدس وإخراج الانقسام لهذه المسؤولية المباشرة عن أهلنا في قطاع ‏غزة، فإنها واقعيًا باتت تنحصر في باقي مناطق الضفة الغربية داخل تصنيفات “أ، ب” فقط، ليأتي هذا القرار الأكثر خطورة، ‏فيُلغي، عمليًا، الولاية القانونية للسلطة الوطنية حتى على ما تعتبره حكومة الاحتلال مسؤولية إدارية للسلطة على سكان المدن ‏والبلدات الواقعة داخل ما يسمى تصنيفات “أ،ب”، خاصة أن جيش الاحتلال كان قد ألغى ومنذ 28 ايلول لعام 2000 ‏المسؤولية الأمنية للسلطة الفلسطينية عن هذه المناطق، وحوَّل ما يُعرَف “بالتنسيق الأمني”، الذي كان جوهره يمنع إسرائيل من ‏القيام بمسؤلية أمنية مباشرة داخل ما يسمى مناطق “أ”، إلى مجرد تعاون باتجاه واحد لحماية أمن إسرائيل والاسرائيليين، دون أي ‏اهتمام أو اكتراث بأمن الفلسطينيين، أو مكانة وولاية السلطة الفلسطينية على هذه المناطق، رغم أنه كان من المفترض لهذه ‏الولاية أن تمتد لتشمل كامل الضفة الغربية في منتصف عام 1997، أي بعد ثمانية عشر شهرًا منذ تنصيب أول مجلس تشريعي ‏للسلطة في كانون الثاني 1996، في وقت أن الولاية القانونية بدأت منذ تنصيب هذا المجلس.‏

إذًا كما هو واضح، فإن حكومة الاحتلال تضع بإعلان هذا القرار أمام السلطة الوطنية، ليس مجرد تحديّات إزاء كيف يمكن لها ‏مواجهته أو احتوائه، بل في الواقع، فإنه يضعها أمام سؤال مكانتها القانونية في علاقتها مع الاحتلال، وكذلك في جوهر وظيفتها ‏لرعاية مصالح الفلسطينيين السياسية والقانونية، بل والدفاع عن حقوقهم الوطنية؛ حيث أن تنفيذ قانون ما يسمى “مكافحة الارهاب ‏لعام 2016، على مناطق السلطة الفلسطينية إنما يشكل ضمًا قانونيًا لهذه المناطق، وفي نفس الوقت إلغاء لمكانة السلطة ‏الوطنية الاعتبارية، وفي أحسن الأحوال فإنه يبقيها كامتداد أو مجرد وكيل لحكومة الاحتلال وإدارته المدنية التي أعيد العمل بها ‏‏”كحكومة مدنية” لجيش الاحتلال في الضفة الغربية. هذا هو جوهر القرار وما يطرحه من أسئلة وتحديات على جميع مكونات ‏المجتمع والشعب الفلسطيني، خاصةً السلطة الفلسطينية، ومنظمة التحرير الفلسطينية التي سبق وأبرمت الاتفاقات “المنتهكة” مع ‏اسرائيل، والتي تشكل في نفس الوقت مرجعية السلطة الوطنية وفقًا لقرار المجلس المركزي بتأسيسها في 12 تشرين الاول 1993، ‏والذي صادق في نفس دورته على إعلان المبادئ.‏

إن إعلان هذا التصنيف يتجاوز في بُعديْه القانوني والسياسي، الانتهاكات للاتفاقيات الموقعة، التي دأبت حكومة الاحتلال على ‏القيام بها منذ اليوم الأول لإنشاء السلطة الوطنية، أو تلك التي تمارسها وفقًا لقرارات عسكرية منذ ايلول عام 2000، والتي ‏تمادت فيها لتشمل هدم بيوت واجتياحات وإغلاق مؤسسات ومصادرة أموال واعتقالات، ومنع سفر وغيرها من الانتهاكات، والتي ‏في الحقيقة كان لصمت وتهاون السلطة على مثل هذه الأعمال، والتعامل معها وكأنها أمر واقع مقبول، ويُشكل جزءًا من حياة ‏الفلسطينيين اليومية، مشجعًا لتمادي اسرائيل وصولًا لهذا الإعلان، وكأنه لا وجود للسلطة الفلسطينية إلا للقيام بما لا تريد ‏اسرائيل تحمُّل مسؤوليته، تمهيدًا لحصر دورها بما تريده اسرائيل منها فقط، وبما يشمل سؤال الحقوق المدنية للسكان، وبهذا ‏المعنى؛ فإن اسرائيل لا تلغي فقط مكانة السلطة الوطنية، بل وتُكرس مكانةً بلا أي مرجعية قانونية للمواطنين الفلسطينيين تعيدهم ‏لمكانة “البلا” التي كانت تدونها على ما كان يعرف بوثيقة “اللاسيه باسيه” الصادرة عن الإدارة المدنية، والتي ما زالت تُصدرها ‏داخلية حكومة الاحتلال لبعض سكان القدس.‏

دون قراءة هذا الإعلان بهذا المضمون، وما يحمله من مخاطر وتحديات وجودية لمكانة السلطة الفلسطينية، والتي إن تعاملت ‏معه كما الانتهاكات الأخرى السابقة، فهي فعليًا بذلك تكون قد كرَّست قبولها لدور الوكيل لمسؤوليات “الإدارة المدنية”، وبهذا فهي ‏تقبل بتجريد المواطن الفلسطيني من حقوقه التي كفلها القانون الدولي والقانون الدولي الإنساني، في إطار المسؤوليات المفروضة ‏على قوة الاحتلال، وهذا ما يتطلب التوقف أمامه بكل جدية ومسؤولية، وفي مقدّمته وقف نزيف الانقسام الذي شكّل مصدرًا ‏جوهريًا لتمادي الاحتلال بارتكاب مثل هذه الجرائم العنصرية. فجريمة بهذا الحجم، تستهدف مكانة وحقوق الفلسطينيين ‏بمضمونها، وتُشكل امتدادًا لما يسمى “بقانون القومية” الذي يحصر حق تقرير المصير في هذه البلاد لليهود دون غيرهم، ‏تستوجب من القيادة الفلسطينية التوقف مليًا أمام أبعاده المباشرة والاستراتيجية، وأن تتقدم دولة فلسطين العضو المراقب في الأمم ‏المتحدة بمشروع قرار لمجلس الأمن لفضح الطابع العنصري الذي يقف خلف هذه السياسة الاسرائيلية لردع حكومة الاحتلال عن ‏مخططاتها لتذويب الهوية الوطنية والتمادي في انتهاكاتها لحقوق الشعب الفلسطيني الوطنية وجرائمها ضد حقوق الإنسان في ‏فلسطين.‏

إن المواقف الرسمية الأولية التي صدرت حتى الآن تُشكل خطوة في الاتجاه الصحيح؛ إذا استُكملت بخطوات سياسية وقانونية ‏ملموسة لمواجهة مخاطر هذا القرار على السلطة نفسها، بالإضافة لحالة حقوق الانسان في فلسطين. بينما الإكتفاء ببيانات ‏التنديد، أو قصر نظر البعض بالتعامل مع هذا القرار وكأنه مجرد استهداف اسرائيلي لمؤسسات ليست على وفاق مع سياسات ‏وممارسات السلطة ومؤسساتها الأمنية تجاه حالة حقوق الإنسان الفلسطيني، ودأبت على القيام بواجبها في مواجهة انتهاكات ‏السلطة لهذه الحقوق، فإن مثل هذه النظرة، إن وجدت، تشكل خطرًا داهمًا على الكل الفلسطيني، بما في ذلك على كيانية السلطة ‏ذاتها. كذلك الأمر بخصوص التعامل مع الموقف الأمريكي الحذر إزاء القرار؛ والذي لم يتجاوز حتى الآن الامتعاض من أثره ‏على حقوق الإنسان، وأنه لم يتم التشاور معها بشأنه، دون الالفتات لمضمون الخطر الاستراتيجي لهذا القرار حتى إزاء المواقف ‏المعلنة والضبابية، كالحديث عن الالتزام بحل الدولتين. ذلك كله يفرض مضاعفة الجهود الفلسطينية على الصعيدين الرسمي ‏والأهلي وفق خطة متكاملة من الجميع، وكلٍ من موقعه لمواجهة هذا القرار بهدف كسره وإلغائه، وبما يشمل، ابتداءً، التوقف ‏الكامل عن أي إساءة لحقوق الإنسان داخليًا، وتصويب الرؤية لمؤسسات المجتمع المدني باعتبارها شريكًا أصيلًا في معركة ‏صمود المواطن الفلسطيني التي يجب أن تشكل عصب السياسة والاستراتيجية الفلسطينية في إطار رؤية وطنية متكاملة على ‏الصعيدين الرسمي الموحد والشعبي عبر تشكيل حكومة وحدة وطنية، وقيادة وطنية موحدة في إطار منظمة التحرير وهمّها ‏الأساسي تعزيز صمود الشعب ووحدته، واستعادة مكانة القضية الوطنية، وحقوق الشعب الفلسطيني كشعب يناضل من أجل ‏انتزاع حقه الطبيعي في تقرير مصيره وتجسيد حقوقه على أرض وطنه كباقي شعوب الكون.‏

اكمل القراءة
Advertisement
اضغط للتعليق

أترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *