Connect with us

أقلام وأراء

حينما يعود الشهداء … وهم العائدون … ‏

بقلم:يونس العموري ‏

قليلا من الصبر ، انتظروا الأقصوصة من اولها ، هنا ارتقى الشهيد ، وهناك كانت له رواية اخرى مع ‏الحياة ، وبدروب العشق كان ينتظرها، وبأزقة مدينته كانت له أحلام ورؤى وقد تكون اساطير، كان الشاهد ‏على فعل الذبح لمستقبل بسيط ينتظره ولقبلة يختلسها عند غروب الشمس، تأهب بكل وقاره اختفى عن ‏الانظار، وتاه بدروب الحقيقة ما بين الانتظار والمكوث عند بوابة بيت الرب ، صرخ صرخة مدوية بوجه ‏من يعتلي منبر جعجعة المفردات النحوية محاولا الا يخطئ بقواميس اللغة العربية ، وتجهم وجهه الجميل‎.
انتظروا قليلا … هنا النبي الفلسطيني الاول ابن البتول استشهد كشاهد على الذبح للمحبة منذ البدايات ، ‏ورابية الجلجلة بقيت الشاهدة على جريمة الصلب ، وما بين ناصرة البشارة وارض الميلاد كانت مسيرة ‏العذراء ، وكانت القيامة ، وبالسماء عاد المسيح كشاهد على الفعل والذبح والقتل بارض التاريخ … ‏والطريق واحد فما بين القيصر وقاطع الطريق الأن تبدو الصورة واحدة ، فمسيرة ال عمران من اقاصي ‏الشمال الى مغارة الميلاد دروب شائكة وجند القيصر بالطريق يتربصون ، وابناء يهوذا ما زالوا بالمكان ‏جالسين يبحثون عن انبياء المحبة المطاردين بتلال وجنان المسمى وطن الغار والتين والزيتون…‏‎ ‎
حينما يعود الشهداء وهم العائدون دوما ينتظرون وينظرون لواقع اللحظة ويمضون ، كأنهم يبعثون برسائل ‏البعث مرة اخرى ، هم اصحاب القرار وهم ارادة الفعل والفعل المضاد وهم من تصدى ويتصدون للعبث ‏وللفراغ ، ومن تحدى عبثية أصحاب القرارات الاخرى ، والعسس كان أن جابوا الطرقات بحثا عن ‏أحلامهم وأساطير أقاصيصهم، جاؤوا من البعيد نحو البعيد، وكان نداؤهم بعيدا ايضا ، والتخريب للذات سيد ‏اللحظة والموقف ، والذات هنا هي الذات الجمعية الجامعة لجموع الرابضين على أرض زهر اللوز ‏والزعتر البري النابت بين الصخور والروابي والتلال‎ …‎
كان لهم القرار بالتصدي للقرار المضاد ممن يتقنون لعبة المراوغة والبزنس الجديد والإتجار بالأوطان ‏والشعوب وبسطاء اللحظة، كان لهم الفعل بخربشة معادلات الأمن والآمان الوهمي، واسقاط نظريات التمرد ‏على الاستكانة، هم من صنعوا الارتباك للساسة المحترفين في لعبة الشد والجذب ومن أسقطوا الرهان على ‏قولبة الأزمان وفق رغبات الآخر، والآخر هنا قد يكون القيصر المرتبك والممسك بالعصا والجزرة، ومن ‏الممكن ان يكون من يحاول تطويع ارادة هؤلاء العائدين الى الحلم، وايقاظ النخوة‎..‎
حينما يعود الشهداء الى المشهد فكأنهم يصرخون بوجوه اللاهثين خلف سراب كاميرات البث لاستثمار ‏الوجع ، يقفون عند الخط الفاصل ما بين الحقيقة والسراب وهم يدركون أحقيتهم وحقيقتهم ومرامي الفاظهم ‏المسمومة حينما يحاولون بث سموم التطبيع والمعايشة والتعايش ما بين الشاة والسكين ، وللقادم مرة اخرى ‏الى عرش المبادرة ويبحث بالدهاليز عما يسميه المبادرة المباغتة الجديدة والتي قد يسميها ( مبادرة اللحظة ‏من القبلة العتيقة ) لإعادة زمام الإمساك بالتسوية السياسية وهو يدرك موت المبادرات والتسويات وهي كما ‏بعض الغيوم قوية الرعودِ شحيحة المطر، والموقف المبدئي المبني على الحق للفلاح بحراثة ارضه ‏والحرية للزرع ان ينمو وللحصاد ان يكون وللزهر ان يتفتح ، ومنهم من يزمجر بأعتى العبارات من ‏شاشات الطرف الأخر ، المتحدثين باللغة العبرية وبعض من عربية ركيكة ويعلو صوته بالشطر الغربي من ‏‏( اورشليم ) وكانه الفاتح المُبشر به من جديد‎ ..‎
حينما يعود الشهداء ويقفون على اطلال الأمكنة فثمة رسالة ومعنى للوقوف ولابد من القول البليغ المبين، ‏الذين خطوا بأقدامهم دروب سھول الأرض العطشى للأحمر القاني … وسطروا ملاحم الأقاصيص ‏والحكایا، والدمار سيطر ويسيطر على المشهدية الراهنة، فالواقع بات مسموما حاقدا لكل الفعل والافعال ‏الماضية منها والحاضرة، والمستقبل أصبح الغائب الجاثم على الصدور بالخوف السقيم من الجوع والتجويع ‏والذي بات الهدف للقابعين والمحشورين بيوميات احلامهم‎ ….‎
انتظروا قليلا فالرواة مختلفون وسرد الحكاية تتأول وفقا لأهوائهم، فمنهم من يقول ان الشهيد سقط سهوا ‏وتناسوا انهم اصحاب القرار ومناجاة الرب بلحظة الارتقاء تكون لهم وبقرارهم وبإرادتهم بمواجهة من ‏يغتال الحلم الفاصل ما بين الحقيقة والسراب.. وهو القرار بالحياة ولتكون ممكنة‎ …‎
حينما يعود الشهداء وينظرون الى الوجوه هل من الممكن ان يتألموا …؟؟ او عساهم بالصمت يلوذون …؟؟ ‏والسادة المتربعون على العرش ماضون بصناعة فنون التسوية لصراع وردة الجوري مع فأس الاقتلاع ، ‏والعابث بقوت ذويهم والطارد للبنين من المشهد والصامت عن هدم العرين لمن كان يؤوي أبطال الأزمان‎ ..
حينما يعود الشهداء وهم العائدون باستمرار ، تكون للعودة فلسفة اخرى بمفاهيم الفعل فهم وحدهم قد اضحوا ‏الرموز وصاروا الأيقونات والتعويذات المرتلة ترتيلا بمعابد المتضرعين لسداد رمق العيش والمتصارعين ‏مع وجودهم وأحقيتهم بالحياة في ربوع التين والزيتون والبلد الأمان المطمئن بعيدا عن غدر فنون التسوية ‏الواعدة برغد العيش في ظل الأحرف العبرية الدالة على امتهان كرامة العابرين ليلا للبوابات المتشابكة ‏والفاصلة ما بين العاشق وأنثاه القابعة بالشطر الآخر من الأسوار العاتية العالية‎ …‎
يداهمنا الشوق للاشتباك مع حقيقتنا، ويداهمنا الشوق لكرامة الأنبياء ومنهم نتعلم ونسطر معانينا ومرامي ‏مفرداتنا، ونتوق للعيش في فسحة الأمل من عطاء عودة الشهداء الى المشهد وهم العائدون بابتسامة محيرة ‏مقلقة لمن يتربص بصرخة الطفل القابض على لعبته في الدروب العتيقة..‏
ايها السادة بكل مواقعكم وبمختلف مناصبكم وبصرف النظر عن صراخكم الأجوف، لن يكون لكم الإنجاز ‏سوى الخراب، فالشهداء يتربصون بفعلكم وافعالكم وسيعبرون الى ثنايا ايامكم ولحظاتكم ويقضون ‏مضاجعكم فقد كان لعبورهم الى ھذا الشمال بھدف قول كلمة یحفظھا التاریخ.. وكان لمكوثھم ببطن الأرض ‏الحبلى بشقائق النعمان بھدف تعریة تاريخ اغتصاب فراشات زھر البرتقال، وبعودتھم الدائمة تدوینا لروایة ‏تارخ عشاق الحیاة، فموتانا یحضرون عند كل ابتسامة طفل یمارس لھوه في حواري مدینة الاسوار ویأتون ‏عند كل صبح مع قطرات الندى … ھذه الحكایة من اولھا … وھذه قصة من عبروا یوما .. فقد حلموا بلیلة ‏بحضن الجبل المنتصب شموخا على شاطىء حیفا وبمعمودیة بمیاه شواطىء یافا، وكانوا ان سمعوا نداء ‏حفیف اوراق اشجار الصنوبر، ونعیق اصوات غربان لیل غریبة عن المكان وطارئة بتاریخ الزمان، فمنھم ‏من ركب البحر وناجي القمر وشھد الموج على ملحمة سطرتھا أكفھم بعتمة لیل اضاءتھا انتصارات الحب ‏المتشكل بین ضلوعھم على قسوة من عاثوا بالأرض فساداً، وكانت ان احتضنتھم ارضھم ورحبت بمن ‏یأتون مھللین مكبرین مبتسمین فقد كانوا ھنا حیث وقف المسیح یوما مناجیا رب عرش السموات والارض ‏لیشھدوا انبلاج حقیقة اشیائھم كما البتول مریم حینما أتاھا عیسى المخلص نصیر فقراء كل الأزمان …. ‏جاؤوا لیرتلوا تعویذة جداتھم المعلقة بأفئدتھم منذ عرفوا ان ثمة وطناً مسیجاً بالغار والیاسمین وتنبت فيه ‏أرواح الأنبیاء المتجولة ما بین قدس الجلجلة وناصرة البشارة، مأسورا بثنایا خرفات تاریخ قتلة الحلم، ‏ومغتالي عصافیر البراري كونھا تشدو الصبح زقزقة عند أضرحة الشھداء …. أتوا عابرین ملوحین ‏بقبضات ایادیھم، وساروا بدروب منابت الزعتر والمیرامیة وبكل خطوة بمسیرتهم تنهیدة وأمل بأن تتوالى ‏خطوات العبور والتجوال … فهم الأن على أرض الله التي تسمى فلسطین … وكنعان حفر اسمها على ‏صخور تأبى ان تلین … جاؤوا من كل المدائن … وحطوا ترحالھم ببراریها ومارسوا عشقهم لأول مرة ‏تحت الشمس وقالوا كلمة من كلمات الرب بحضرتھا وامسكوا بشيء من حقیقتهم وعرفوا معنى ان تتوحد ‏روحك بقلبك وبما تؤمن بها ایمانا مطلقا فكانت بالتالي الحكایة … من كل الأجناس كانوا عربا وعجما ‏اتجهوا صوب شمس تلال الجلیل، وعزفوا سمیفونیة الخلود، حینما عبروا الأرض البكر اقشعرت ابدانهم ‏وأدركوا سر ابتسامة الشهداء، فركعوا وصلوا ورتلوا من مزامیر كنعان، وبكوا وضحكوا وخاضوا معركتهم ‏وحملوا أماناتهم وترجلت ارواحھم نحو السماء، مارسوا عشقهم فعشقتهم الأرض الطیبة وابتلعتهم ببطنها، ‏واعداء النهار جاؤوا بهم وفتشوا بثنایاھم ورسموا شارات حقدھم على محیاھم، وزرعوا لھم ارقاما فنبتت ‏اشجار الزیتون وتألقت اخضرارا … وظلت شاھدة على من عبروا … ھي قصص وروایات لأزمان كان ‏فیها اكتمال لمعنى ان تكون عاشقا مقاوما، تجوب الأرض وتستجدي فعل العبور، وتنتظر حتى تأتیك ‏البشارة وتتهيأ لیوم الولوج عبر الدروب والمتعرجات لتصعد الجبل الشامخ ھناك وتنحدر نحو السهل ‏المخضب بدماء الأولین، لتستشعر تاریخھم وتعلم حینھا معنى ان تقاوم وتقاتل على أرض فلسطین …. ‏انتظروا كثیرا، وظلوا بلا اسماء، فمنھم من قضى ببزتھ وبندقیتھ السمراء، ومنھم من ینتظر لحظة اعلان ‏حقائقهم‎ ..
حينما يعود الشهداء وهم العائدون دوما يوجهون نظراتهم الثاقبة المؤمنة نحو هذا الواقع المرير، وهو الشهيد ‏الشاهد الصارخ ،( انا عصفور باب القدس اعبرها شهيدا)‏‎ ..‎

اكمل القراءة
Advertisement
اضغط للتعليق

أترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *