Connect with us

أقلام وأراء

المقدسيون محرومون من حق الإقامة والمواطنة!‏

بقلم:المحامي إبراهيم شعبان

جاء في الأنباء أن ما يسمى بوزير العدل الإسرائيلي، بموافقة المستشار القانوني للحكومة ‏الإسرائيلية، صادق على سحب الهوية المقدسية للاسير المحرر المقدسي القانوني طالب العدالة ‏والحرية المناضل صلاح الحموري ، رغم أن قانون لم الشمل كان قد ألغي في وقت سابق من ‏هذا العام. وبذا تتحقق العدالة الإسرائيلية المزعومة وتمشي قدما في تحقيق هدفها في إبعاد ‏آلاف المقدسيين عن مسقط رأسهم وعن مدينتهم العزيزة على قلوبهم والمتيمين بها عشقا وحبا، ‏واستقدام آلاف اليهود الغرباء الذين لم يتنسموا هواءها ولا لمسوا ترابها، ليحلوا محلهم من ‏رقاع العالم المختلفة والمشتتة،في عملية تهجير قسري، لخلق توازن ديموغرافي مزعوم موعود ‏في المدينة المقدسة.‏
قدر الفلسطينيين المقدسيين وعهدهم أن يولدوا في القدس بكل جزئياتها وحاراتها وأحيائها ‏ومسمياتها، ليتولوا حمايتها وصيانتها من كل تهديد وعبث، والمحافظة على مقدساتها مسجدا ‏وكنيسة وتراثا ووطنا، ورغم ذلك القدر المرسوم إلا أن محاولات إضعافه لم تتوقف من الخامس ‏من حزيران/ يونية من عام 1967، وحتى يومنا هذا، بل ازدادت الهجمة الشرسة على أبناء ‏القدس بحيث تناولت حياتهم الخاصة وهددتها في مواضع عدة، لعل أبرزها وأوضحها ما يسمى ‏بالمفهوم الإسرائيلي بخطر سحب الهوية وحق الإقامة في القدس العربية إلى الأبد المحتلة مؤقتا ‏لمواطنيها الفلسطينيين دون غيرهم. بينما ينعم الإسرائيليون بكل مزايا الإقامة في القدس ويحرم ‏الفلسطينيون منها على أساس عنصري تمييزي فئوي يصل في ذروته لسحب هويتهم وطردهم ‏من مدينتهم إلى الفراغ حيث لا ينتمون.‏
بدأ هذا الصراع المرير للمقدسيين مع الإحتلال الإسرائيلي العسكري لمدينة القدس وإجراء ‏إحصاء سريع للسكان في القدس العربية التي كانت مساحتها ستة كيلومترات ونصف، حيث ‏بلغوا ثمانية وستين ألفا. وما لبث الإسرائيليون أن قاموا بتوسعة حدودها إلى سبعين كيلومتر ‏أنذاك. وفي خطوة لتجميل وجه الإحتلال البشع قام الإسرائيليون بمنح المقدسيين الفلسطينيين ‏مركزا قانونيا وسطا بشعا بينما هم يسعون لعمليات تهجير قسري على قدم وساق. فقد اعتبر ‏المقدسي الفلسطيني مقيما ولم يعتبر مواطنا إسرائيليا. وأراد المحتل أن يوهم العالم بوجود ‏تعاون بين الجندي المحتل والمدني تحت الإحتلال. وأراد خلق شكل فسيفساء جميلة مزعومة ‏للرأي العام الغربي في علاقات التعايش بين المقدسيين كأقلية دون حقوق وبين المحتلين ‏الإسرائيليين كأغلبية تملك كل الحقوق.‏
الغريب والمستهجن أن الفلسطيني المقدسي ولد وترعرع وكبرطيلة مراحل حياته في أحياء ‏القدس العربية على اختلاف مسمياتها، وشرب من مائها وتنسم هواءها وعشق ترابها والتصق ‏بتراثها، وقبر أجداده فيها وأقام صروحا سكنية فيها طيلة التاريخ المعروف، أكثر من أي ‏مستوطن إسرائيلي آخر، بل أكثر من الوزراء الإسرائيليين أنفسهم الذين وفدوا من منابع شتى، ‏والقضاة الإسرائيليين الصهاينة ذاتهم، حتى قضاة المحكمة العليا التي وفدوا إليها مهاجرين، ‏وبعد ذلك كله يغدو الفلسطيني المقدسي المولود على أرضها مهددا بطرده من مدينته التي أحبها ‏وعشقها، لا لسبب سوى أنه من حقه المشروع أن يحب حبيبته بالطريقة التي يرغب بها.‏
من هنا ابتدع الإسرائيلي الماكر ولجأ إلى ما يسمى بقانون الدخول لإسرائيل لعام رغم قدمه ‏قبل 1952، ورغم أن المقدسي الفلسطيني بقي على أرضه، ولم يدخل إسرائيل لا غازيا ‏ولا محتلا بل العكس هو الذي حصل حينما دخلت القوات الغازية العسكرية الإسرائيلية ‏وعكرت صفو حياته بل جعلتها جهنما لا تطاق. وذهبت المحكمة العليا الإسرائيلية حينما تم ‏اللجوء إليها من بعض الواهمين في العدالة الإسرائيلية، لحجة واهمة ضعيفة تقضي بتأييد ‏تطبيق هذا القانون على الفلسطينيين المقدسيين متخلية عن أبسط قواعد النزاهة والعدالة ‏والقانون الطبيعي وانحازت إلى قوى العسكر والإحتلال والظلم والتمييز العنصري وعدم ‏المساواة. وغدا المقدسي الفلسطيني بدون أية هوية قانونية ومركز قانوني بل فاقدا لها جميعا من ‏أجل إرضاء محتل عسكري يسلب حقوق المدنيين. وفي المقابل سكوت غربي أوروبي ‏وأمريكي وصليب أحمرعلى سلب حق الفلسطيني المقدسي في المواطنة والإقامة وكأنه إقرار ‏ضمني بهذا السلب لأنهم لم يقوموا باي إجراء مناهض لهذا السلب.‏
وامتدت المأساة والمعاناة واتسعت ووسعت وبلغت حد الصلب، بان شمل هذا الإجراء القميء ‏البشع وغير الشرعي وغير القانوني عائلة المبعد وأطفاله وأسرته. وغدا الجميع مهددين بسحب ‏الهوية والإقامة والطرد من القدس لمجرد عقيدة غير عقيدة المحتل ومحالفة له وممكن أن تكون ‏مناهضة له. لذلك رأينا سلسلة من حالات الطرد للمقدسيين الفلسطينيين بحجة أنهم أقاموا في ‏مكان آخر ونقلوا مركز حياتهم لمكان آخر أو أنهم حصلوا على جنسية دولة أخرى. وكأن ‏الإسرائيلي بريء من هذا المرض الذي يسمى بازدواج الجنسية مع أن معظم التقارير تشير إلى ‏أن معظم الإسرائيليين يحوزون جنسية أخرى وليس مكان إقامة آخر، لكنها عدالة ومساواة ‏ونزاهة المحتل العسكري الإسرائيلي.‏
العقلية الإحتلالية الإسرائيلية العسكرية العنصرية تعلن وبوقاحة أنها تطبق القانون، رغم علمها ‏وعلم قضاتها على اختلاف مراتبهم، بأن ما يسمونه قانونا، هو محض تمييز عنصري واضح ‏وفاضح قائم على الجنس والدين والرأي والأصل الإجتماعي وانحراف تشريعي تمارسه ‏السلطات والمحاكم لمجرد أن الطرف الآخر هو عربي فلسطيني مقدسي. بل إن هذه القوانين ‏العنصرية الإسرائيلية تتناقض مع مواثيق حقوق الإنسان لعام 1966 التي صادقت عليها ‏إسرائيل في عام 1991، والإعلان العالمي لحقوق الإنسان كجزء من القانون الدولي العرفي، ‏وقبلتها كجزء من منظومتها القانونية الداخلية، ولكنهم في صمم وعمى كامل عما يصيب ‏الفلسطينيين وعائلاتهم نتيجة لهذه القوانين الظالمة المجحفة بابسط حقوق الإنسان.‏
بعد خمسين عاما ونيف من الإحتلال الإسرائيلي لمدينة القدس العربية، ما زالت السلطة ‏العسكرية الإسرائيلية المحتلة سادرة في غيها باعتبار مواطني القدس مقيمين وليسوا بمواطنين، ‏حتى تحرمهم من حقوقهم السياسية والمدنية، وحتى تفرغ القدس من أهلها وبخاصة بعد أن ‏اختلت الفسيفساء اختلالا واسعا لصالح الفلسطينيين، وبعد فشل السياسة الإسرائيلية التفريغية ‏في ربوع القدس، وصمود أهل القدس رغم الضائقة السكنية والتهديدات المستمرة بالنفي ‏والإبعاد خارج حدود مدينة القدس حيث ينتظرهم العذاب والشوق لتنسم مدينتهم التي لا يعادلها ‏مدينة في العالم أو في فلسطين أهمية ولا جمالا. ‏
أي يهودي وأية يهودية يدخل الدولة الإسرائيلية رغم أنه ولد في أصقاع الأرض المختلفة، ‏يتمتع بصفة المواطن وبكل الحقوق السياسية والمدنية والإقتصادية والإجتماعية والثقافية بغض ‏النظر عن أصله الجغرافي وثقافته وثروته وجنسه وعرقه ورايه السياسي. أما العربي ‏الفلسطيني المقدسي المولود على هذا الثرى المقدسي وعاش في كنفه، فلا يتمتع بتلك الحقوق ‏بل يهدد بفقدها وطرده من موطن أجداده إلى منافي الشقاء والتعاسة بعيدا عن قدسه وموطنه، وهو يردد وطني لوشغلت بالخلد عنه نازعتني إليه في الخلد نفسي!!!‏

اكمل القراءة
Advertisement
اضغط للتعليق

أترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *