Connect with us

أقلام وأراء

أميرات البث الإذاعي في أرض العرب: إيناس جوهر في مصر … وميسون مناصرة في فلسطين

بقلم : نصار يقين

لم تعد حاجتنا ماسة فحسب، إلى الإعلاميين العرب الذين يمتلكون المهارات الكافية لتفكيك التضليل الإعلامي، الذي نتج عن رواية الخصم حول الصراع العربي الإسرائيلي، وإنما أصبحت الحاجة اليهم ماسة أكثر لتقوية الذات والنهوض بالكل واستغلال جميع الموارد والطاقات، واستخدام كل الأدوات لمنازلة المعتدي والمحتل والخانع. وايضا للخروج بأصواتهم واقلامهم من إحباط هذه المرحلة، وما بها من كآبة المشهد وسوء المنقلب وعتمات النفق. ومن هنا جاءت فكرة هذا المقال استئناسا بماضٍ واستعدادا لقادم.
فأثناء حرب 1973 اختار أبو الإعلام المصري، الدكتور “محمد عبد القادر حاتم” الإعلامية الإذاعية إيناس جوهر لبث البيانات العسكرية بصوتها، لقد كان صوت هذه الإذاعية في خطة حاتم المحكمة الدقيقة لطمأنة الشعب بتحقق النصر، هذه الخطة التي خدعت إسرائيل بعد أن أوهمتها بأن الجيش المصري يحتاج لوقت طويل قبل ان يصل حد الجاهزية للقتال. وهي خطة إعلامية متقنة وضعها ثائر عسكري خريج الكلية الحربية أولا، ثم حاملا لشهادة الدكتوراه في الحقوق ثانيا، وهو الثائر الذي كان له دور من قبل في الحرب النفسية الموجهة الى ضباط وجنود بريطانيا في قناة السويس قبل الجلاء.
عندما باغت المصريون عدوهم في تلك الحرب، كان عبد القادر حاتم وزيرا للإعلام ورئيسا للوزراء بالإنابة، وكان موجوعا من الإعلام الذي صاحب نكسة 1967، ولهذا قرر ان يكون مختلفا في تلك الحرب، فكان شعاره الصدق وسرعة نقل الأخبار لاستعادة ثقة الشعب المصري والعرب عموما في الإعلام الحربي، فكان في الميدان أشهر مراسل حربي وهو حمدي الكنيسي وعلى الميكرفون كانت إيناس جوهر، فماذا كانت إمكانات إيناس جوهر كي يُسند اليها ذلك الدور المهم في أدق لحظات التاريخ المصري والعربي الحديث !!!؟
خلف صوت إيناس جوهر، كان الماسبيرو المهيب على شاطئ النيل العظيم في قلب القاهرة، وما فيه من مشاعل أضاءت ونجوم تألقت في إنارة طريق الأجيال، فعقول هؤلاء لا تهدأ ولا تهجع عن مواصلة الإتيان يوميا بكل جديد في عوالم الأخبار والتثقيف والتنوير والترفيه أيضا.
عبد القادر حاتم الذي كان عمره وقتذاك خمسة وخمسون عاما، وهو من مواليد نفس السنة التي وُلد فيها جمال عبد الناصر، وربما كانت مماثلة السن بين الرجلين هي التي جعلت عبد الناصر يختار حاتم من خارج التنظيم السري لدور عظيم في الإرشاد القومي، وفيما بعد وقع اختيار حاتم على الشابة إيناس جوهر ليحمل صوتها أغلى وأعز بشارة للأمة جمعاء، بأن جيش مصر قد انقض على العدو وعبر القناة وسحق اسم بارليف، ودمر خط بارليف، وقتل ما قتل وأسر ما أسر من أفراد العدو، كل ذلك حدث قبل وقت قصير من إفطار الصائمين في العاشر من رمضان من العام 1393 للهجرة المباركة. لم يكن قد مر على تعيين إيناس جوهر في إذاعة الشرق الأوسط سوى أربع سنوات، استطاعت فيها أسر قلوب كل المستمعين العرب لبرامجها اللافتة والخاطفة لكل المستمعين، لم يكن الوصول الى مبنى الإذاعة والتلفزيون “الماسبيرو المهيب” سهلا أمام خريجة حديثة، فشدة المنافسة على الصعود إليه لا توصف، ولكن ذلك تم، وحصل لها ما حصل من كبار العاملين في المبنى العملاق الذين استخف بعضهم بقدرات شابة صغيرة وخريجة حديثة جاءتهم كزميلة، ولكنها صبرت في البداية وسرعان ما انطلقت بسرعة الصاروخ، لتصبح فيما بعد رئيسة لإذاعة الشرق الأوسط ثم رئيسة لكل الإذاعة المصرية. فماذا عملت إيناس جوهر حتى تقف على قمة أعظم بناء إعلامي في إفريقيا وفي كل بلاد العرب، إنه الماسبيرو المهيب. جاستون ماسبيرو، عالم الآثار الفرنسي الذي خدم مصر في المحافظة على كنوزها الأثرية، استحق في نظر جمال عبد الناصر أن يُخلد اسمه بتسمية هذا المبنى المهيب باسمه، فهيبة الماسبيرو تفوق مهابة كل القصور الملكية والجمهورية وكل المباني في مصر حتى الآن، وهو يمثل شيئا مهما جدا من طموح مصر، حيث تم تشييده بإرادة عظيمة جدا ومال قليل جدا، ينبىء عن قوة القرش الواحد من ذلك الجنيه المصري قبل ستين سنة، عندما أصدر عبد الناصر قراره ببناء الماسبيرو خلال سنة واحدة، على قطعة أرض مساحتها اثني عشر دونما بارتفاع مائة متر كاملة، يتألف البرج من مبنى دائري مهيب على كامل المساحة المخصصة للبناء، يعلوه مبنى عظيم عامودي آخر، يقف في منتصف البناء الدائري، لا يمكن حجبه عن الأنظار أو التغطية عليه من كل الجهات. يطل على نيل القاهرة في أجمل حالاته من منبعه حتى مصبه. ومن فوق الماسبيرو يرى الزائرون أول تفرع للنيل في القاهرة مشكلا جزيرة الروضة والمنيل أولا، ثم اللقاء ثم السير مسافة أخرى، ثم التفرع الثاني مشكلا جزيرة الزمالك ثم اللقاء مرة أخرى واستكمال سيره الطويل جدا.
في خطواتها الأولى في الشارع المصري، سمعت إيناس كل الحوارات خفيفة الظل والروح، واكتسبت سرعة الحوار والفهم والتعليق بأجمل لهجة ولكنة عربية. في طفولتها تعلقت بأغاني عبد الحليم حافظ، وقلدت الإمساك بالميكرفون، وقلدت الكثير من المطربات والمطربين العماليق في الزمن الفني الجميل في الخمسينات والستينات من القرن الماضي، وفي الجامعة حظيت بزمالات جميلة، أثرت في شخصيتها وأغنت خيالها وأفادت منها في عملها فور تخرجها. ومن ابناء دفعتها في كلية الآداب كان الموسيقار عمار الشريعي، الذي تعلمت منه كما تقول كيف تسمع الأغاني وكيف تتذوقها، وكان بينها وبين عمار الشريعي الكثير من الذكريات والمفاهيم التي أغنت كثيرا مقابلتها معه فيما بعد في الإذاعة.
بعد انضمامها لإذاعة الشرق الأوسط، جاءتها فرصة عظيمة لتنوب عن الإذاعية الكبيرة علا بركات أثناء سفرها في تقديم برنامج “بصبح عليك” فعملت الأعاجيب في جمال ورقي ما قدمته، ثم جاءت مشاركتها الطاغية في البرنامج الصباحي اليومي “تسالي” الشهير الذي قدمته هذه الإذاعة لسنوات طوال، والذي استقطب كل المستمعين بشكل ليس له مثيل في تاريخ الإذاعات العربية جميعها على الإطلاق، في ذلك البرنامج اليومي رددت لسنوات طويلة بيتين من الشعر للشاعر والفنان صلاح جاهين، يقول فيهما ” غمض عينيك وامشي بخفة ودلع ….. الدنيا هي الشابة وانت الجدع، تشوف رشاقة خطوتك تعبدك …. لكن انت لو بصيت لرجليك توقع … عجبي”. كلمات تبدو عادية، وشهرة صلاح جاهين وحدها لم تكن قادرة لإشهار هذه الكلمات وتخليدها بين عشرات الملايين بدون صوت إيناس جوهر، لأن صوتها الإذاعي أضاف ما يفوق السحر كثيرا الى هذه العبارات، وإلى جانب ذلك أُسندت إليها اهم الإعلانات القومية، وفي إذاعة الشرق الأوسط حظيت بزمالة كوادر إعلامية عظيمة الشأن ومنهم طاهر ابو زيد، وأميمة عبد العزيز وسناء منصور ومديحة نجيب، ودرية شرف الدين التي كانت تقرأ معها البيانات العسكرية في حرب رمضان/ أكتوبر الشهيرة.
عشقت وطنها وأحبت شعبها، واهتمت بقضايا الناس أكثر من قضايا الحكومة، حتى أنها ذات يوم فضلت نقل بعض الرسائل والأخبار لأبناء الشعب على نقل أخبار تعديل حكومي، فوشت بها السيدة آمال فهمي لوقفها عن البث الإذاعي فتدخل رئيس الوزراء وقتها ممدوح سالم في نفس اليوم لتعطيل قرار وقف إيناس جوهر عن العمل. إلى جانب عبقرية ونبوغ هذه الإذاعية فقد وجدت نفسها محط اهتمام كبار الساسة والأدباء والمشاهير الذين أرادوا الوصول إلى كافة شرائح وطبقات المجتمع عبر صوتها النافذ والعابر لكل الأحاسيس والمشاعر ومختلف المسافات والحواجز، وفي هذا الشأن قال عنها يوسف السباعي “وحدها إيناس جوهر هي التي تحرك كل الحواس، وغيره من المشاهير قالوا عنها الكثير. انتظر كبار القوم أدوارهم للجلوس امامها في حوارات وبرامج إذاعية، حتى أن فريد الأطرش عرض عليها استضافته كي ينقل الى العالم خبرا عن آخر امرأة خطبها، وفي بروفات وحفلات وأغاني عبد الحليم حافظ وجدت من الترحيب ما يذهل من الاهتمام قبل ما يسمعه الناس وبعدما يسمعه الناس، عندما كان العندليب يستضيف صفوة محبيه لإعادة الغناء في منزله بعد الفرح بنجاح الحفل الأول لأغانيه. تلك إيناس جوهر، حبيبة مصر ونجم الشرق الأوسط، والتي خدمتها إذاعة قوية وغنية، وذات بث إذاعي لعله الأقوى عالميا، حمل صوتها على أثير موجاتها إلى أربع جهات الأرض.
==========================
وأما حبيبة فلسطين وشعب فلسطين ونجمة إذاعة “أجيال” الخاصة فهي بالتأكيد الإذاعية والإعلامية “ميسون مناصرة”، التي وصلت إلى قلوب ابناء شعبها في زمنهم الصعب، وفي وقت كثرت فيه وتنوعت المصادر الإعلامية المرئية والمسموعة والإلكترونية المحلية والعالمية المنافسة، وميسون التي أطلق عليها الرصاص جندي أحمق دون الاكتراث بالزي المدرسي الذي كانت تلبسه، فأصابها في ساقها برصاص الحقد اللئيم فعرفت مبكرا قسوة الخصم، وفي جسدها رصاصة منه تذكرها بإجرام المحتل في كل خطوة تخطوها، وقد بلغ من شدة اطمئنان أبناء شعبها لبرنامجها الإذاعي “المجلة الإذاعية” أن بعثوا إليها بمختلف أنواع الرسائل الشاكية، ولعل أبلغها كانت من موظفي الدرجة العاشرة على سلم الرواتب في الوظيفة العمومية قبل ثماني سنوات، وهي رسالة استغاثة بعنوان “نتمنى الإنصاف يا سيدة ميسون” وجاء في الرسالة بأن الموقعين عليها والذين هم أشد شرائح المجتمع الفلسطيني فقرا، يطالبون السلطة الفلسطينية بـرفع رواتبهم الى الحد الأدنى للأجور كما هو مقرر في وطنهم !! وأضافوا ” نناشدكم بأن يتم العمل على تعديل رواتبنا، التي باتت لا تطعمنا ولا تكفي لسد احتياجاتنا الأساسية، وهذا يتمشى مع قرار مجلس الوزراء بتحديد الحد الأدنى للأجور، خاصة وأننا نعد من الطبقة الدنيا، التي لا يدافع عن حقوقها أحد، ونحن لا نصنع القدر بأنفسنا، نتمنى منكم الإنصاف وذلك من خلال طرح الموضوع للنقاش مع جهات الاختصاص”
وفي برنامجها الطويل المتنوع عبر إذاعة أجيال الخاصة، والتي أرادها القائمون عليها أن تكون مرآة حقيقية للواقع، وصدى صريحا للأحداث، والتي تبث من استوديو صغير في مدينة البيرة، استقطبت جُل ابناء وطنها لهذه الإذاعة بشكل لافت ومذهل، ولا نبالغ إذا قلنا بأنها أعادت الطلب على شراء أجهزة الراديو في اسواق فلسطين، لسماع هذه الإذاعة التي تهدف الى نشر ثقافة المعرفة عبر برامج مجتمعية تركز على إبراز الحدث الفلسطيني، برؤية تحافظ على التراث والموروث الفلسطيني المهدد بالسلب من قبل المحتل، والمهدد ايضا بالضياع بسبب انشغال الناس عنه، نتيجة انشغالهم بأمور عظيمة وقضايا متلاحقة تعصف بقضيتهم كل يوم بجديد ومفاجئ, وبكل مفزع ومقلق يغطي على ما سبق من ويلات ومصائب.
يدرك الإعلامي الفلسطيني حجم الخلاف مع المحتل، وحجم المسؤولية في مواجهة هذا الاحتلال، سواء كان ذلك في كشف نوايا المحتل ودحض روايته الكاذبة، التي هي من النوع المتكرر في الضلال والإضلال والهادف لقلب الحقائق في الديموغرافيا والجغرافيا، أو في التصدي لخططه والتشويش على برامجه، أو في تقوية الذات من اجل الوصول الى الندّية الميدانية مع المحتل. تدرك ميسون مناصرة أكثر من غيرها نظرة المحتل إلى الإعلام الفلسطيني أنها نظرة عداء شديدة جدا، فالاحتلال يخاف من تصرف الفلسطينيين بالإعلام كما يخاف من تصرفهم بالأرض، وفي مرات كثيرة كان القادة الإعلاميون الفلسطينيون أهدافا للاغتيالات من جانب الخصم. في الحرب المجنونة الأخيرة على قطاع غزة تم اغتيال الصحافي والإعلامي الفلسطيني الشهيد يوسف أبو حسين، وفي هبة باب العامود وسلوان والشيخ جراح رأت ميسون بعينيها مثل ابناء وطنها تنكيل المحتل بمراسلة الجزيزة والبطلة الإعلامية جيفارا البديري. هذا وضع الإعلامي الفلسطيني عامة، وأما ميسون فزيادة على ذلك تُعنى بكل ما يتصل بكل نواحي الحياة الفلسطينية، قبل شهرين وقفت مع مزراعي العنب في قرى القدس واستضافت شابين من قرية بيت دقو في مقابلة جريئة شنت غضبها على كل المقصرين في دعم قطاع الزراعة في فلسطين، وأعطت المجال لضيفيها لتشخيص مشكلة تسويق منتجهم الأساس في القرية وتفنيد مزاعم صدرت عن بعض المنتسبين لوزارة الزراعة الفلسطينية في تلك القضية، مُناصرة ميسون لقضية العنب الفلسطيني يمكن أن يتبعها مثل ذلك في قضية الزيت والزيتون الذي لا يجد اية عناية رسمية للمحافظة على سعره أو حمايته من منافسات مختلف الزيوت النباتية الأخرى التي تدخل السوق الفلسطيني بدون أية قيود، وما تحمله من أخطار صحية مقابل زيت الزيتون وما يحمله من فوائد صحية لا ينكرها احد، ونفس المُناصرة يمكن أن تمتد لكل المنتجات الفلسطينية في القطاعين الزراعي والصناعي والخدمي التكنولوجي المنتظر.
ميسون مناصرة المُستفَزة دوما من ممارسات عدوها، والمشحونة بكل مستويات الغضب حيال ذلك، هي ايضا مُستفَزة من القصور الرسمي والمؤسسي الفلسطيني والعربي في جميع أشكاله مضافا الى غضبها على جرائم المحتل، ما يجعل ما تحمله من جملة الغضب طاقة ملتهبة في وجه كل عوج وكل انحراف وكل محسوبية، وكل خلل في بنية المجتمع يُضعف قضيته، وما يجعلها مؤهلة لحمل مختلف الرسائل الإذاعية المهمة، التي تكفي للقيام بثورة إدارية، يُمكن أن تجلب أفكارا وتفتح مناقشات مجتمعية معمقة تشارك فيها نُخب كثيرة من مختلف القطاعات، تتجه نحو استشعار كل فعل إيجابي ممكن للفرد وللجماعة وللكل الفلسطيني، يُسهم في تقوية الذات لمكافحة حركة استيطانية وإحلالية مجرمة ومدمرة، تستهدف كل فلسطين وكل أمتها العربية والإسلامية.
وليس بالمستغرب ان تكون أول رسائلها موجهة الى قطاع سائقي مركبات العمومي، الذين ينقلون ثلاثة أرباع القوى العاملة واربعة أخماس طلاب المدارس والمعاهد والجامعات وباقي أبناء الشعب من ضعفاء ومرضى ومتسوقين، ذلك بأن هؤلاء السائقين هم الذين ينقلون صوتها الى كل فئات الشعب عبر استقبالهم لبث إذاعة أجيال، الثناء على هؤلاء السائقين وتسميتهم بالكنز المتحرك في هذا الوطن، والإشادة بموقفهم المشرف الذي كان قبل بضع سنوات، عندما رفضوا زيادة أجرة الركاب مقابل الموافقة على زيادة أسعار المحروقات، هذا الثناء عليهم شيء ضروري، قبل مطالبتهم بالترفق بأطفال فلسطين المرافقين لذويهم وعدم إرهاق ذويهم بدفع أجرة كاملة عنهم عندما لا يحجزون كراسي الركاب، تذكير هؤلاء السائقين بالمطالبة الدائمة بالترخيص لهم بكافة قدرات مركباتهم للحمولة، يجعلهم يوفرون على انفسهم وعلى ابناء وطنهم وقتا وتكلفة، وتخفيض منافع المحتل من حصيلة إيراداته من مصادر الطاقة التي يبيعها لشعبنا ويجني من ورائها الكثير، الذي يديم على الاحتلال ارباحا تمنعه من تحرير اقتصادنا عن كونه ذيلا لاقتصاده. وربما تذكيرهم بما كان يُعاقب به الانتداب البريطاني سائقي فلسطين للسيارات الفرنسية عندما كان لا يُرخص لهم إلا بربع قدرة سياراتهم على الحمولة، وهنا نتساءل هل يجوز للسلطة الوطنية الفلسطينية أن تتشبه بالمستعمر البريطاني في ذلك !!؟ وللأطباء والمدرسين يمكن أن تنقل ميسون لهم أصدق النصائح في حالات الإضراب في الصحة والتعليم، بعد التذكير بأهميتهم لشعبهم ووطنهم في ظرفه الصعب تحت أسوأ وأقسى احتلال عنصري. ويمكن مساءلة المهندسين عن خططهم لرفع قدرات ساحات المسجد الأقصى لاستقبال مليون مصلٍ على الأقل أيام الجمع والمناسبات الدينية العظيمة، وما الذي يمنعهم من التفكير في ذلك !!!؟؟ ويمكنها مساءلة وزارة المالية ودوائر الضريبة والمحاسبين وباقي الاقتصاديين عن جدوى تعقيد إجراءات حصول التجار الفلسطينيين على فواتير مقاصة عندما يفكرون بالبيع للداخل، وإلزامهم بدفع ضريبتها مقدما وقبل قبض ثمن بضاعتهم، الأمر الذي يرهق سيولتهم النقدية ويثنيهم عن المُضي في إجراءات البيع والاكتفاء بالشراء فقط من المورد الإسرائيلي كي تزداد شناعة التبادل في ميزان المدفوعات الفلسطيني لصالح خصمه بمستويات مخجلة، فهل أصبحت مصلحة الخزينة الفلسطينية في تضاد وتناقض وخلاف مع مصلحة اقتصاد الوطن وأبناء الوطن!؟ وكيفية الخروج من هذا الحالة العجيبة، بالملخص ولشديد الأسف، فإن النظام الضريبي في وطننا يشجع السلطة الوطنية ووزارة ماليتها فقط على الشراء من العدو لاسترداد المدفوع من تجارنا لتجار عدونا، وعدم البيع للطرف الآخر. هذه نماذج لما يمكن أن تتحدث فيه ميسون مناصرة لشعبها وأمتها، عدا عن مواضيع كثيرة في السلم الأهلي بعد أن فاقت الجرائم المتتالية في مجتمعنا كل خيال وكل توقع، وما يحصل لأهلنا في الداخل الفلسطيني من أعمال قتل لا يوجد ما يمنعه من الانتقال للضفة والقطاع ما دام لدينا هذا الكم الهائل من حالات الثأر المعلق تسويتها. أقساط الجامعات المتصاعدة وعدم رحمة الطلاب في أيام التعليم المباشر وعن بعد، وما يرتبط بذلك من مديونية هائلة على الخريجين لصندوق إقراض الطلبة زادت عن 140 مليون دولار، كلها قضايا يمكن الخوض فيها والحديث فيها مع خبراء مسائل وأصحاب ضمائر حية.

اكمل القراءة
Advertisement
اضغط للتعليق

أترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *