Connect with us

منوعات

مسرحية عرق نعنع.. ساعة صفا من الابداع والتجسيد الحي والعبقرية

القدس- “القدس” دوت كوم- محمد زحايكة- يواصل الفنان المقدسي حسام ابو عيشة ادهاشنا وامتاعنا بما يقدمه على خشبة المسرح من مشاهد ولوحات درامية مسرحية مستوحاة من واقع حياتنا تحت الاحتلال . فبعد رائعته قهوة زعترة التي قدم لنا من خلالها طبقا مقدسيا فاخرا يرسمه بلوحات بانورامية من فسيفساء القدس ويضعها امامنا مرصعة بالنرجس والزمرد والياقوت والجواهر ، ها هو ياخذنا الى عالم السجون والاسرى في زنانزين الاحتلال من خلال تجربته الشخصية ويجسد لنا في ساعة صفا من الزمن، حالة من المتعة والادهاش وهو يتنقل بنا مثل وميض خاطف في مسلسل متتابع ، نتمنى لو انه لا ينتهي.

في مسرحيته المونودرامية من شخص واحد ” عرق نعنع ” يسافر بنا ابو عيشة على بساط الريح وينتزع من افواهنا الابتسامات والضحكات ثم يسرق الدمعات من عيوننا وهو يحلق بنا فوق السحاب بواسطه بساطه الريحي ، فنعيش عتمة الزنازين ونشعر بالاختناق وكأننا منحشربن فيها ثم نشعر بالبرد والقشعريرة والزمهرير ونحن جثثا ملقاة في زنازين التحقيق قبور الاحياء ، وتطفر الدمعة من عيوننا ونحن نرقب الفنان ابو عيشة ” يحقرص ” على برشه يعد نجوم الليل التي لا تظهر ابدا في عتمة الزنازين الموحشة . ورغم هذا الوضع المأساوي نضحك على جملته الملغومة الشقية ” صرت خبير مساحة ” وهو يقيس نظريا مساحات قبور الاحياء هذه .ونقهقه ضاحكين على طريقة سقاية عرق النعنع الطالع من شقوق الباطون المسلح والحوار الفكاهي الممتع بين الاسرى حول ظاهرة هذا العرق النعناعي الاسطوري وما هي دلالاته ثم نشعر بالفخر عندما يهتف مسؤول السجن الاسرائيلي “حتى النعنع نظمتوه “، ثم نتوجع عندما يدوسه ببسطاره الغليظ .

ونواصل التحديق في هذه اللوحات المتتابعة مع ابو عيشة الفنان والانسان وهو يقلب رسائله المبعثرة التي تنطوي على هواجس ورغبات وشجون حياة عائلة كاملة هي عائلة الفنان ذاته وما صارت اليه بسبب هذا الاعتقال التعسفي بحق انسان محب للحياة..
وتصدمنا لحظة القاء القبض على الفارسة القطة المناضلة ” ميسون” ودفنها حية من قبل السجان بغمرها بالباطون المسلح لتهريبها تعليمات الاسرى بين غرفهم وعنابرهم، ثم نضوج على صرخة الاسير محمود جدة عندما يركل احدهم طابة اليد المعمولة من قطع القماش وعليها بعض مطالب الاسرى بتحسين ظروف الاعتقال اثناء الفورة .. حيث يصيح جدة .. لا تركلها ، انها من لحم ودم في اشارة الى التضحيات الكبيرة التي قدمها الاسرى من اجل الحصول على بعض الامتيازات المكتوبة على قماش الطابة ..

عرق نعنع.. تكثيف عبقري لواقع حياة الاسرى في السجون من خلال توظيف تجربة ذاتية انسانية لفنان عاش تجربة الاسر على لحمه الحي واستطاع استثمار رسائله المتبادلة مع زوجته ومحبوبته لطيفة للاضاءة الساحرة على واقع حياة الاسرى الذين يناضلون من اجل حرية شعبهم ويصور لنا بعيونه الصقرية ادق التفاصيل وما ترمز اليه وما تحمله من دلالات ومعاني بعيدة المدى .

عرق النعنع من تاليف وتمثيل ابو عيشة واخراج جورجينا عصفور ومساعدة اخراج شادن سليم وتصميم وتنفيذ اضاءة رمزي الشيخ قاسم هي عصارة حية نابضة بآلام ومعاناة الاسرى الذين يضحون باغلى ما يملكون وهي الحرية في سبيل خلاص شعبهم من الاحتلال والاستعمار .

عرق نعنع، عبقرية في التاليف والاداء والاعداد والاخراج . ولمن يزعمون ان الفنان ابو عيشة يكرر نفسه.. نقول لهم.. ونعم هذا التكرار الجميل، رغم ان التكرار يعلم الشطار .. ورغم انه ليس هناك تكرار ولا ما يحزنون .. فقهوة زعترة الرائعة شيء وعرق نعنع الرائع شيء اخر . اما المشهد الختامي للملكة فيروز “خذوني الى بيسان ” فكان في غاية الروعة والادهاش.. ومن هنا جاء اسم الولد البكر للفنان ابو عيشة.. بيسان .
اذهبوا الى عرق نعنع .. وسوف تشمون رائحته العطرة بعد حضوره في كل مكان .

اكمل القراءة
Advertisement
اضغط للتعليق

أترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *