Connect with us

أقلام وأراء

١٥ سنة من حصار قطاع غزة : هل ذلك يرقى إلى عملية الابادة الجماعية؟

بقلم: د. عبد الله موسى أبو عيد

عملية تدمير عشرات المباني خلال الهجوم الاسرائيلي على قطاع غزة، وبخاصة على مدينة غزة، وتدميرها بما في ذلك بعض الأبراج المدنية، التي يشتمل بعضها عدداً من وكالات الأنباء الأجنبية، وكذلك قراءتي لمعلومات عن الحالة المتردية للمياه في القطاع خاصة ما كتبته البروفيسورة سارة روي (Sara Roy) مديرة مركز هارفارد لدراسات الشرق الأوسط، من كتابات حول تلوث مياه الشرب وإمكانية الموت البطيء لآلاف المدنيين في القطاع، وكذلك ما كتبه الأكاديمي الاسرائيلي، وأحد المؤرخين الجدد المشهورين، البروفيسور ايلان بابيه (Ilan pappe) في كتابه الجديد الصادر عام 2020 تحت عنوان (أكبر سجن على الأرض). كل ذلك دفعني لكتابة هذا المقال بهدف محاولة تطبيق بعض قواعد القانون الدولي الانساني على هذه المعطيات الخطيرة والنادر حدوثها في عالمنا المعاصر، حيث أن معظم سكان العالم يعتقدون أن هكذا عمليات خطيرة من حصار وتدمير وتجويع لملايين البشر الخاضعين للحصار والاحتلال انما تعتبر أموراً من الماضي ويصعب تصور حدوثها حالياً، إلا أنها تحدث بفعل عبقرية المسؤولين الاسرائيليين الذين كانوا يخططون لهكذا اجراءات منذ عام 1963 بهدف الضغط على أبناء الشعب الفلسطيني واتمام عمليات تهجيره من البلاد لتصبح نظيفة من العرق العربي، كما يكتب بابيه في كتابه الجديد المشار اليه أعلاه.
البروفيسورة سارة روي كتب تقول أن (مليوني مواطن يعيشون ي قطاع غزة ، ونصفهم من الأطفال، يشربون مياهاً يتم تسميمها ببطء بواسطة عدة أساليب ووسائل على رأسها استخدام أسلحة محرمة دولياً كالفسفور الأبيض، خلال الحروب العدوانية عل القطاع، وغيرها من الأسلحة التي أدت الى تلويث مياه الحوض المائي في القطاع عن طريق تلك المواد والأسلحة وكذلك عن طريق اختلاط المياه العادمة ومياه المجاري بمصادر (المياه الجوفية والسطحية مما نتج عنه أن 90% من المياه أصبحت غير صالحة للاستخدام البشري).
ونشير هنا إلى أنه وفقاً لتقرير صادر عن الأمم المتحدة ، أشارت إليه سارة روي، فإن 10% فقط من سكان القطاع يشربون مياهاً صالحة للشرب. وتضيف (روي) بأنه (يمكننا القول بأن 40% فقط من أطفال قطاع غزة يشربون مياهاً صالحة للشرب و أن آباءهم مضطرون للسماح لهم بشرب المياه للإبقاء على حياتهم)، وتضيف روي: (أيضاً بأن اسرائيل ملزمة منذ أن فرضت حصارها على القطاع عام 2006، بموجب قواعد القانون الدولي الواردة في معاهدة جنيف الرابعة لسنة 1949، بأن تزود القطاع بكافة وسائل الحياة المعقولة لاستمرارية حياة السكان في القطاع) .
زيادة على ذلك فإن البروفيسورة (روي) تذكر بأن سلطات الاحتلال ملزمة بتزويد سكان القطاع بكافة التسهيلات اللازمة لاستمرارية الحياة في القطاع، كما تذكر أن (تلويث مياه الشرب وحرمان السكان من حقهم في العيش في بيئة نظيفة وجو وهواء نظيفين وحياة هادئة يتناقض مع التزامات سلطات الاحتلال الواردة في قواعد القانون الدولي الانساني) وهي تقول بأن كافة هذه الاجراءات من شأنها أن تؤدي الى عدد كبير من الوفيات سنوياً وخاصة من الأطفال.
ومن المهم الاشارة الى ما ذكرته (روي) في تقريرها من أن السيد غدعون غرومبيرغ، مؤسس ومدير مؤسسة (Israel Ecopeace) الاسرائيلية، أبلغ جريدة جروسالم بوست عام 2016 بأن (غزة تشكل قنبلة موقوتة على وشك الانفجار لنشر أوبئة الكوليرا والتيفوئيد بسبب نقص مياه الشرب النظيفة)، كذلك ذكرت بان عدداً من الخبراء أعلنوا بأنه، إذا لم يتم تحسين الوضع فإن قطاع غزة سوف يصبح مصدر خطر لانتشار الأمراض المعدية كما هو الوضع في اليمن.
ومن الامور الخطيرة الأخرى، أن اسرائيل تحرم القطاع من العديد من وسائل الحياة الضرورية كالمازوت والكهرباء ومستلزمات البناء والمواد المستخدمة للزراعة كما تمنع السكان من تصدير منتوجاتهم الزراعية بهدف افقار القطاع وتجويع سكانه واجبار المواطنين فيه على شراء المزروعات الاسرائيلية ، كما ذكر عشرات المزارعين في مقابلة إذاعية مع فضائية الميادين في الرابع من اكتوبر 2021.
لكافة هذه الاسباب فإنه يمكن لخبراء القانون الدولي اعتبار حكومة اسرائيل بأنها تقوم بأعمال قد تشكل جريمة (الابادة الجماعية- Genocide)، المعاقب عليها بموجب نص المادة السادسة من النظام الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية، أو في أفضل الأحوال، بأنها قد تشكل (الشروع في ارتكاب تلك الجريمة ضد سكان القطاع)، وتنص المادة السادسة المذكورة على أن هذه الجريمة من الممكن أن ترتكب (بقصد اهلاك جماعة قومية أو أثنية أو عرقية أو دينية، هلاكاً كلياً أو جزئياً).
وفي هذا الصدد يجدر بنا الإشارة الى أن المحكمة الجنائية ليوغسلافيا سابقاً، كانت قد حكمت بأن المدعو (Dusko Tadic)، قد ارتكب هذه الجريمة في مجزرة مدينة سيربنتسا الواقعة في دولة (البوسنة والهرسك)، وذلك لكونه أشرف في عام 1993، خلال الحرب الاهلية في دولة البوسنة على قتل (7800) مواطن بوسني جميعهم من الرجال، إذ استنتجت المحكمة من كون جميع القتلى رجالاً، بأن جريمة الجينوسايد المذكورة ارتكبت بقصد (استهداف منع الانجاب داخل الجماعة)، وهي احدى وسائل ارتكاب جريمة الابادة الجماعية المذكورة .
أي ان الوسائل والأساليب المرتكبة تشير الى القصد الجنائي- أي الهدف الحقيقي لتلك الاساليب والاعمال، وبناء عليه أكدت المحكمة قناعتها بأن الاعمال المذكورة انما وقعت بهدف القيام بارتكاب تلك الجريمة البشعة وادانته، بناء على ذلك، بالسجن مدى الحياة.

اكمل القراءة
Advertisement
اضغط للتعليق

أترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *