Connect with us

أقلام وأراء

محاكم إسرائيلية قراقوشية عنصرية!!

بقلم:المحامي إبراهيم شعبان

بعد هدوء نسبي استمر لأكثر من أربعة عقود منع فيها اليهود من الدخول للمسجد الأقصى والصلاة فيه أو في ساحاته وباحاته ولواوينه بناء على أوامر وفتاوى من رؤسائهم الدينيين أو من أجهزتهم الأمنية أو قناعات ذاتية رغم وجود احتلال عسكري طويل، بدأ اقتحام علني مسلح حكومي رسمي قاده أرييل شارون حيث أدى هذا الإقتحام لانتفاضة ثانية عند الفلسطينيين.
وما كان يتم على استحياء سابقا وعلى تباعد زمني وبأعداد قليلة، أخذ في الفترة الأخيرة صورة طردية همجية شرسة في ظل حماية الشرطة والأمن الإسرائيلي الذي كان لوقت قريب يرفض مثل هذه الإقتحامات لتأثيرها البالغ على الأمن المقدسي بغض النظر عن حجمها. إلا أنها اليوم تأخذ طابعا يوميا في الصباح وبعد الظهر، وإن هدأت هذه الإقتحامات لسبب أو لآخر، تحرض على القيام بها أجهزة الأمن الإسرائيلية ذاتها وتستحثهم على القيام بها.
ناهيك عن محاولات لذبح حيوانات وتقديم القرابين في ساحة الأقصى، وإدخال تماثيل دينية، وكتب توراتية وتلمودية، وابواق وخزائن ومواد أولية في محاولة لطبع قداسة معينة على هذه الإقتحامات. ورغم حظر هذه الآليات أو بعضها، إلا أن اليهود يحاولون باستمرار حتى تنجح طريقة ما وفي نفس الوقت يزعمون هم وسياسيوهم وأركان حكومتهم بأنهم يحترمون الستاتوس كو أي الوضع القائم في المسجد الأقصى.
وآخر تقليعاتهم ما أسموه ” الصلاة الصامتة ” عند قاضية محكمة صلح القدس التي أذنت باستعمالها والقيام بها واعتبرتها حقا للمستوطنين المقتحمين لساحات الأقصى وباحاته. ونسيت أو تناست هذه القاضية أن تضع تعريفا وتحديدا للصلاة الصامته. ومتى تكون الصلاة صامتة ومتى تكون الصلاة غير صامتة، وما هو مستوى الصوت حتى تكون الصلاة صامتة، وما حكم الإشارة اثناء الصلاة، وما حكم البكاء والعويل والندب وضرب الأكف والصدور، وتشغيل أجهزة الهاتف المنقول وغير ذلك من التفسيرات لهذا الإصطلاح الغامض غير البناء. وكيف للشرطة الإسرائيلية أن تطبق هذا الإصطلاح إن وثقنا بنواياهم على سبيل الجدلية. وهذا أسلوب يهودي قديم جديد أجادوه إجادة تامة في الموضوع القانوني. ولعل اتفاقيات أوسلو خير مثال ودليل على ما نقول، وهذه بدعة وضلالة للتلاعب بالألفاظ من قاضية إسرائيلية قراقوشية عنصرية. وذكرني هذا الإصطلاح بما عرضه إيهود براك على المرحوم ياسر عرفات أثناء محادثات كامب ديفيد بقبوله بالسيادة الفوقية للفلسطينيين على الأقصى ويحتفظ بالحق في السيادة التحتية على الأقصى أو على جبل الهيكل وفق عباراتهم الذي لم يثبت يوما، في تلاعب صريح بل وخطير في مفاهيم قانونية محددة متفق عليها دوليا.
بودي لو كانت هذه القاضية مطلعة على القوانين الإنجليزية التي ما زالت سارية على فلسطين حتى يومنا هذا مثل أنظمة الطوارىء لعام 1945. فهي لو كانت مطلعة وعارفة بهذه القوانين لعلمت بالقانون البريطاني الملزم الذي صدر في التاسع من شهر ايار/ مايو لعام 1931 حول المركز القانوني لحائط البراق الإسلامي ولم يلغ ليومنا هذا أم هو تجاهل العارفين لأن مثل هذا القانون لا يخدم دعواها. كم كان بودي أن يقوم أحد محامي الداخل بإثارة الطعن حول هذا القانون وطلب تنفيذه ولو على سبيل الجدلية، حتى نتحقق من العنصرية الإسرائيلية في مجال القانون الذي يبدو عاما مجردا ظاهريا فقط، وأن يتكرر هذا الطلب باستمرار. كم كان بودي لو قرأت هذه القاضية قليلا من التاريخ حول أحداث عام 1929 بين اليهود والفلسطينيين، ولم تأخذها عزة الإثم واعتقدت بقوة الأمن الإسرائيلي وحمايته أن زعمها بالصلاة الصامتة غدا حقا وهو أمر لم يتحقق لأربعة عشر قرنا على الأقل. فطيلة أربعة عشر قرنا كان يوجد جامع عامر مقدس اسمه المسجد الأقصى، ولم يدنسه أحد من قبل سوى القوات الصليبية التي سرعان ما هزمت وخرجت مطأطئة رأسها ذليلة من القدس والأقصى.
غرور الإسرائيليين وقوتهم المسلحة وضعف العرب والمسلمين والسلطة الفلسطينية وعدم وجود سند مشروع لاستيطانهم وغزوهم واقتحامهم للمسجد الأقصى وساحاته، جعلهم ينكرون كل ما هو لغير مصلحتهم سرا أو علنا ويزعمون حقا لم يكن يوما لهم، ولم يمارسوه يوما، ولم يشهد التاريخ لهم فيه، بل إن علمائهم الثقات ينكرونه عليهم .
ففي هذا السياق هم ينكرون أنهم غازون بالقوة المسلحة لمدينة القدس والمسجد الأقصى جزء لا يتجزأ منها قديما وحديثا. هم لا يتطرقون للقانون البريطاني لعام 1931 حول حائط البراق بعد أحداث 1929. هم يتناسون قرار التقسيم رقم 181 لعام 1947 والتدويل لمدينة القدس والمحافظة على الأماكن الدينية وهو اساس قبولهم في هيئة الأمم المتحدة . هم ينكرون تطبيق اتفاقيتي لاهاي الرابعة لعام 1907 واتفاقية جنيف الرابعة لعام 1949 وتطبيق القانون الدولي الإنساني على القدس رغم وضوحها وجلائها. هم يزعمون ويباركون ضم القدس لإسرائيل رغم رفض دول العالم مجتمعة لهذا الضم ورغم ميثاق بوغوتا لعام 1932. هم ينضمون شكلا لمواثيق حقوق الإنسان بينما موضوعيا لا يلتزمون بها ولا بنصوصها. ولعل أبرز مثال على ذلك ما قرره ميثاق الحقوق المدنية والسياسية لعام 1966 من حماية للحرية الدينية التي خرقتها إسرائيل وقاضية محكمة الصلح المتدينة بإجازتها ما سمي بالصلاة الصامتة. النفاق الإسرائيلي تحدى كل المستويات القانونية، فها هو لا يعترف بالقانون الدولي بكل فروعه إلا في المرتبة الثانية وبعد القانون الإسرائيلي المحلي وطبقا له. أما إن كانت لإسرائيل مصلحة ما فسرعان ما يعترف الإسرائيلي بالقانون الدولي، ولعل ذلك واضح بموضوع المنطقة الإقتصادية الخالصة في موضوع قانون البحار وعقدها اتفاقية غلز مع كل من قبرص واليونان رغم البعد المكاني. هم يتجاهلون أن أسوا حروب العالم كانت الحروب الدينية على مر التاريخ، وهم يصرون على إشعالها بدل أن يطفئوها. هم يتمنون أن يكون ما جرى في الحرم الإبراهيمي الشريف في مدينة الخليل أمنية لما يمكن أن يحدث في المسجد الأقصى المبارك ويسعون إليه بل يحثون الخطى في ذلك تساعدهم الميسحانية الأمريكية اللوثرية ولكن خابت آمالهم وفشلت مساعيهم.
ما يحدث في المسجد الأقصى أمر خطير بل في غاية الخطورة، فهو يحدث لأول مرة بعد احتلال عسكري استمر لأكثر من خمسة عقود زمنية. فلأول مرة يقتحم المستوطنون اليهود المسجد الأقصى وباحاته بهذا العدد الكبير وبتعدد الأزمان ليخلقوا واقعا يوميا مستمرا. صحيح أنه كانت هناك محاولات لحرق المسجد الأقصى وتفجير قبة الصخرة المشرفة وقتل المصلين كما حدث قبل عقدين من الزمان، لكنها كانت محاولات فردية أو تعديات من قبل الشرطة وأجهزة الأمن الإسرائيلية. لكن اليوم تتم موجات اقتحامية يومية بشرية استيطانية متطرفة تحت رعاية أجهزة الأمن الإسرائيلية، وتخلق واقعا باطلا شبه اقتسام فعلي بغير إعلان رسمي ولكن بتحريض رسمي وتطرد المصلين المسلمين حيث لا ملجئا غير الله عز وجلا، فالعدالة الإسرائيلية منعدمة والقانون الإسرائيلي عنصري بامتياز، والقضاة شربوا حليب الصهيونية.
الموضوع عاجل ولا يقبل التأجيل ولا التسويف، فلا بد من تكاتف وتعاضد بين القوى الرسمية والشعبية المحبة للسلام والسكينة لنفي حالة العدوان اليومية على المسجد الأقصى وساحاته. فلا بد اليوم قبل غدٍ من سعي رسمي أردني وفلسطيني حثيثين، يرفدهما موقف عربي إسلامي ، يعاضدهما منظمات شعبية في العالمين العربي والإسلامي ، يؤازرها راي عام محلي ودولي ونشر الحقائق وتفنيد التضليل الإسرائيلي في هذا المجال. ولا باس في الذهاب للمحافل الدولية كاليونسكو ومجلس حقوق الإنسان والجمعية العامة للأمم المتحدة ومحكمة العدل الدولية لعرض الخروقات الإسرائيلية فليس أحدٌ أشد عمى من أولئك الذين لا يريدون أن يبصروا وليس أحدٌ أشد صمما من أولئك الذين لا يريدون أن يسمعوا!!!

اكمل القراءة
Advertisement
اضغط للتعليق

أترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *