Connect with us

أقلام وأراء

حول البطريركية الأرمنية و”تأجير” قطعة أرض في البلدة القديمة بالقدس

بقلم :هاكوب هاكوبيان

في شهر تموز الماضي عندما وافق البطريرك نورهان مانوغيان ومسؤول العقارات في البطريركية الأرمنية الأب باريت يريتسيان على تأجير قطعة الأرض المعروفة باسم “Goverou Bardez” الواقعة في البلدة القديمة في القدس لمدة 99 عامًا، حيث كانا يظنان بأنهما سيفلتان بتمرير خطتهما دون علم أحد. إلى جانب ذلك، فقد اعتقدا أن الأمة الأرمنية التي كانت في حالة حداد بسبب الخسائر التي تكبدتها في حرب “أرتساخ” لن تلاحظ فعلهما الشنيع.
لكن منذ ذلك الحين بعد أن كشف موقع” Keghart.org” في افتتاحيته عملية التأجير غير القانونية” تصدّرت الخطة عناوين الصحف في جميع أنحاء العالم. وبالإضافة إلى تغطية الحدث في وسائل الإعلام الأرمنية المختلفة، فقد ظهرت تقارير عديدة عن الصفقة السرّية المشبوهة في وسائل إعلام عربية منها “الأخبار العربية”، و”المونيتور”، و”الميادين” ووكالة “بترا” الإخبارية في الأردن.
وفي 8 تشرين أول، التقى رئيس اللجنة الرئاسية العليا لمتابعة شؤون الكنائس لدى السلطة الفلسطينية الدكتور رمزي خوري بالسفير الأرمني لدى الفاتيكان غارن نازاريان في مدينة روما وأصدرا بيانًا مشتركًا شدّد على “أهمية العمل المشترك بغية تعزيز وجود الكنيسة الأرمنية الفلسطينية …” وتقوية دور دولة أرمينيا والشتات في “تعزيز هذا الوجود المتأصل في مواجهة إجراءات تهويد مدينة القدس، ومن ضمنها الحيّ الأرمني التاريخي ومحاولات تغيير معالمه”.
وفي تقرير نُشر في 9 تشرين أول بعنوان “البطريرك الأرمني في القدس يؤجر أرضًا بصورة غير قانونية لرجل أعمال يهودي”، أفاد موقع “لراجير” في يريفان عاصمة أرمينيا، بأن “الفضيحة تردّد صداها في أرمينيا وفي مؤسسات الشتات المختلفة”. وأضاف التقرير بأنه تمّ منح عقد الإيجار طويل الأمد عن طريق تصويت الأقلية داخل السينودس المقدّس في البطريركية الأرمنية، فيما تمّ التوقيع على عقد الإيجار في السر. وأضاف موقع “لراجير” بأنه “حسب دستور البطريركية لا يمكن تأجير أية قطعة أرض لمدة تزيد على 25 عامًا دون موافقة أخوية القديس يعقوب والسينودس المقدّس”.
وفي وقت سابق، كتب الدكتور خوري إلى البطريركية الأرمنية يشكو من القرار الذي اتخذته البطريركية المرتبط بتأجير قطعة الأرض لكنه لم يستلم أي ردّ بهذا الشأن حتى اللحظة. وبعد ذلك أرسلت السلطة الفلسطينية رسالة إلى كاثوليكوس عموم الأرمن كاريكين الثاني وصفت فيها الصفقة بأنها انتهاك للقانون الدولي لأن “المنطقة الواقعة داخل البلدة القديمة في مدينة القدس هي جزء لا يتجزأ من الأرض الفلسطينية المحتلة التي تحكمها قرارات الشرعية الدولية”. وقد حثت السلطة الفلسطينية في رسالتها كل من وزارة الخارجية الأرمنية والمفوّض السامي للشتات على التدخل الفوري. بالإضافة إلى ذلك، التقى وزير خارجية الأردن أيمن الصفدي بوزير خارجية أرمينيا ارارات مرزويان في نيويورك وطلب من أرمينيا التدخل “من أجل حماية ممتلكات الكنيسة الأرمنية في البلدة القديمة ووقف الأعمال التي من شأنها أن تؤثر على مكانتها التاريخية والقانونية”. وقد أرسل حزب “رامغفار” الذي يرأسه مايك خرابيان، رسالة إلى رئيس أرمينيا يطلب منه التدخل.
وفي رسالة إلى السلطة الفلسطينية، كتب رئيس مجلس الأرمن الغربيين كارنيك سركسيان (باللغة العربية): “نتابع عن كثب آخر التطورات المرتبطة بسلوك البطريركية الأرمنية فيما يتعلق بممتلكاتها في مدينة القدس. ونحن على علم بمستوى الفساد والانحطاط الأخلاقي وراء هذه الممارسات التي لا تضر بالجالية الأرمنية فقط بل أيضًا بالعلاقات الأخوية بين الأرمن والفلسطينيين”.
وأضاف سركسيان في رسالته: “إن الجالية الأرمنية في فلسطين ودولة أرمينيا تشجبان بشدّة الممارسات التعسفية للزمرة الفاسدة التي تتحكم بقرارات البطريركية الأرمنية، ليس فقط لأنها تنتهك الأنظمة الداخلية للبطريركية لكن أيضًا لأنها وصلت إلى حد التآمر على سيادة القدس والحقوق الفلسطينية وتجاهل القوانين الدولية المتعلقة بمكانة القدس .”
وفي حين اكتسبت الحركة المناهضة للبطريرك نورهان والأب يريتسيان زخمًا وقوة، إلا أن الأب يريتسيان أرسل رسالة باللغة الإنجليزية الى لجنة الشؤون الكنسية في السلطة الفلسطينية قال فيها: “لا يسعنا إلا أن نشك في أن الانتقاد الموجّه لنا يهدف إلى تقويض البطريركية الأرمنية في القدس وإضعافها لصالح قيادتكم الدينية المسلمة … إن البطريركية الأرمنية تحافظ على حيادها وعلى عدم تدخلها في المسائل السياسية والعرقية. لذلك نرجو منكم الا تستدرجونا إلى هذه الخلافات وألا تستخدمونا للترويج لأجندتكم السياسية”.
وقد اتهم الأب يريتسيان الأوقاف الإسلامية (الهيئة المسؤولة عن العقارات الدينية الإسلامية) بمحاولة الاستحواذ على ممتلكات تابعة للبطريركية الأرمنية على الرغم من أنه لم يقدّم أي أدلة على مزاعمه. أمّا مسؤولو الأوقاف في القدس وعمان، فقد امتنعوا عن الرد على تلك المزاعم المستفزة، وأعلنوا عن رغبتهم في التعامل بهدوء مع قيادة الكنيسة الأرمنية.
قال الأب يريتسيان أن البطريركية الأرمنية دعمت مشروع التطوير لأن الأرض الشاغرة تشكل حافزًا للسلطات الاسرائيلية لمصادرتها، لكن الحقائق تتعارض مع ما يؤكده، إذ أن قطعة الأرض كانت تُستخدم موقفًا للسيارات، وقبل عدة أسابيع تمّ اكتشاف آثارًبيزنطية فيها. بالإضافة إلى ذلك، يوجد مدرسة دينية على الطرف الشمالي من قطعة الأرض. أي بعبارة أخرى، فإن قطعة الأرض غير شاغرة.
قال الأب يريتسيان والبطريركية أنه نتيجة الاتفاق على إنشاء فندق سوف يتم تسجيل قطعة الأرض ضمن ممتلكات البطريركية الأرمنية. نعم هذا صحيح، فبعد امتلاك قطعة الأرض منذ حوالي العام 1580 سوف تحظى البطريركية بفرصة ذهبية خارقة لتسجيلها لدى البلدية! وقد هنأ الثنائي المخطئين أنفسهما على تحملهما مسؤولية تسجيل قطعة الأرض مرة ثانية. لكن نسي الأب يريتسيان أنه عندما ادعت عائلة عربية قبل بضع سنوات ملكيتها للأرض ربحت البطريركية القضية في المحكمة. علاوة على ذلك، عندما اقترحت البلدية تحويل قسم من الأرض إلى حديقة عامة، رفضت البطريركية هذا الاقتراح في ذلك الوقت. بمعنى آخر، لا أحد يمكنه مصادرة قطعة الأرض التي هي جزء لا يتجزأ من الحي الأرمني.
وفي أواخر شهر أيلول أصدرت البطريركية بيانًا موقعًا من قبل رئيس السينودس تقول فيه: أن السينودس يؤيد الصفقة لإقامة الفندق. لكن هنالك خطأ في هذا البيان وهو أن السينودس لا يمكنه التصويت على مثل هذه الصفقة. وبموجب دستور أخوية القديس يعقوب، يحق فقط للجمعية العامة (أنتانور جوغوف) الموافقة على مثل هذه الصفقة.
أمّا أعضاء السينودس الذين وافقوا على الصفقة فهم البطريرك، والأب يريتسيان (الذي لا يحق له التصويت بسبب تضارب المصالح)، ورئيس الأساقفة سيفان غاريبيان، والأب صامويل أغويان وهو الرجل المعروف بأنه لا يرفض طلبًا للأب يريتسيان.
يمكن أن يؤدي تبادل الرسائل بين السلطة الفلسطينية والأب يريتسيان واتهام الأخير للسلطة ولرؤساء الدين المسلمين في القدس، إلى الإضرار بالعلاقات التقليدية الطيبة بين الأرمن والعرب في الأرض المقدّسة والدول العربية المجاورة. قبل عدة عقود كان هناك في القدس البطريرك يغيشا دردريان ورئيس الأساقفة شاهي أجميان، أمّا الآن فيوجد البطريرك نورهان مانوجيان والأب باريت يريتسان.
فيما تتلخص فضيحة الفندق؟ في وقوف ثنائي الإكليروس المنعزلين مقابل الأمّة الأرمنية والكنيسة الأرمنية والسلطة الفلسطينية والفلسطينيين والأردن والأوقاف الإسلامية والشارع العربي عمومًا. كما أن الخطأ الفادح الذي يرتكبه الثنائي يهدّد الأرمن ويعرضهم للخطر في الشرق الأوسط، لكن يبدو أن ثنائي الإكليروس المنعزلين غير معنيين بذلك.

اكمل القراءة
Advertisement
اضغط للتعليق

أترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *