Connect with us

أقلام وأراء

عوامل القوة والضعف في الوضع الفلسطيني.. اين تتجه فلسطين؟

د. احمد قطامش
الجزء الثاني والأخير

عامل القوة الأول هو الوجود الموضوعي للشعب ومسيرته التراكمية كما اسلفنا. وعامل القوة الثاني هو الشرط الذاتي الذي شهد نهوضا على امتداد ستة عقود وما قبلئذ بما جعل كل جهود ومخططات كسر عزيمة الشعب وتبديد تطلعه نحو الحرية والتحرير والعودة هباءً منثوراً، فالكف واجه المخرز واصطبر على الالام والعذابات والتضحيات ( 100 الف شهيد منذ 48) وكالة وفا. واضعافهم من الجرحى ومليون اختبروا تجربة الاعتقال ( نادي الأسير) وتشريد طال واستطال وكل صنوف البطش والقهر…
والعامل الثالث هو ولادة أجيال جديدة ، فان رحل جيل الإباء او تعب حل جيل الأبناء والاحفاد خلافا لوهم ( الكبار يموتون والصغار ينسون ) والاجيال الجديدة هي اكثر تعليما ومهارة وابداعا، وهي بلا شك أوسع قاعدة . ويكفي للتدليل على ذلك القاء نظرة على كادرات الشركات والجامعات ووسائل الاعلام وكل اشكال التنظيم المجتمعي وصولا الى الحركة الاسيرة ( نحو 5 الاف اكثر من ثلثيها دون 25 عاما ) .
وهذه الأجيال وضعها التاريخ امام سؤال المستقبل، مستقبل هذه الأجيال ومستقبل الوطن الذي يحتضنها رغم الجهود لتمييعها.
العامل الرابع هو قوة الصمود وقوة الحياة ، فالشعب الفلسطيني حيوي ويتأقلم مع كل الظروف ويعمل في اصعب المهن ويقبل على التعليم ويتزوج وينجب مهما اشتدت المصاعب وضاقت ذات اليد، ويصمد في وطنه وحيثما تواجد ( وطني ليس اجمل وطن ولكن لا وطن آخر اجمل منه ) الشاعر حمزاتوف.
اما عوامل الضعف فاهمها واولها عدم قدرة القيادات السياسية على توحيد صفوفها ولو في حدود المشتركات والقواسم الميدانية ، بما يتوالد عن ذلك من تراشق واتهامات وتعبئة متشنجه وتبديد جهود واضاعة اتجاه . ولافت تماما عجز العقل عن قراءة لوحة التناقضات التي اتقن قراءتها في زمن سابق .
وعامل الضعف الثاني ما ينخر عظام الشعب وقواه المنظمة من أولويات متناقضة اضعفت التضامن ( دون تضامن يهتز كيان الشعب وكيان الطبقة الاجتماعية ) ونمى بالتالي التفتت الذي يقوم على أولوية الهوية المحلية والفرعية وصولا الى الغطس في الجزئيات دون التفات لما هو جمعي ( فصيلي ، صحيفتي ، نقابتي ، فرقتي ، جامعتي ، عائلتي، قريتي ، حارتي …) ومثل هذه الدينامية التفكيكية اشرأبت في مرحلة أوسلو على نقيض الحال في زمن الجيشان الانتفاضي ومعارك المقاومة في الشتات ..
وعامل الضعف الثالث ان التجمعات الفلسطينية الكبرى، وبشكل اخص في الضفة الفلسطينية فيما عدا قطاع غزة ، هي عزلاء الا من ارادتها وصدورها العارية …
وعامل الضعف الرابع ان التزامات أوسلو الأمنية توجب ضبط الوتيرة الكفاحية في حدود النضال الشعبي السلمي .
والخامس انتشار السباق لتحصيل المكاسب الشخصيه ولو بصورة غير مشروعة بما يتطلبه من نصب واحتيال وكذب واستزلام وتسلق وظيفي وكيدية وتلاعبات والأكثر سوءاً هي النخب التي تجيّر مواقعها لخدمة تطلعاتها ومصالحها وجيوبها وصولا الى تبرير استغلال الاخرين والتفريط بالقيم الإيجابية والحقوق الجمعية …
لقد تراجعت قيم البطولة والشهادة والثقة بالمستقبل والاقبال على اللباس المرقط والحذاء بعنق واتسع الإحباط والنفسية المتذمرة واللهاث على البزة القشيبة والحياة الاستهلاكية وربطة العنق.
اين تتجه فلسطين ؟
للإجابة عن هذا السؤال لا يمكن الاكتفاء بما اسلفنا وربط السيناريوهات المحتملة بالعامل الذاتي الفلسطيني فقط ، اذ يتدخل هنا العامل الاستعماري الإسرائيلي وظهيره الإدارة الامريكية من جهة ومحور المقاومة حيث الصراع في الإقليم وعلى الإقليم ، وما فلسطين الا مربع بنيوي في لوحة الصراع من جهة أخرى .
وبالانشداد للعامل الذاتي الفلسطيني يمكن تصور الاحتمالات التالية في الزمن المنظور.
– الاحتمال الأول : استمرار الحال على حاله، وضبط اية تحولات في الاطار الكمي الذي لا يغير المشهد جوهريا ( سلطتان ، خطان سياسيان، دوام أوضاع القوى الفاعلة ، قاعدة فدائية في غزة وارهاصات وكمون في الضفة و 48 ودور فلسطيني في الشتات لا يتجاوز ما هو عليه وتململات في قلاع الاسر بما لها من أصداء ) .. صمود شعبي تتجاذبه عناصر متناقضة …
– الاحتمال الثاني : تحقيق الوحدة الفلسطينية على قاعدة برنامج واحد وقيادة واحدة وقرار واحد سواء استند البرنامج لاستراتيجية وطنية كفاحية او استراتيجية تفاوضية تسووية .
– الاحتمال الثالث : تصاعد وزن قوى ونهج التسوية وتضاؤل وزن قوى ونهج الكفاح ال … او العكس ، بحيث تصبح فاعليةالأقوى حاسمه وقائدة ، وفاعلية الأضعف مجرد صوت احتجاجي او معارضة لا تصنع سياسة .
– الاحتمال الرابع : اعتماد استراتيجية التعايش بين برنامجين متباعدين والذهاب للوحدة الميدانية بما تستدعيه من جهود جماعية ، سواء لعدم قدرة فريق على اقصاء الفريق الاخر، او لمتطلبات الفعل الميداني او لكليهما معا .

وطالما يدور الحديث عن أعوام قليلة ، عامين او ثلاثة فالاحتمال الثاني مستبعد ، ذلك ان قيادة خيار المقاومة مستمرة في خيارها وقيادة خيار التسوية مستمرة في خيارها ، ومستبعد أيضا تبديل هذه القيادات .
اما الاحتمال الأول ففرصة قوية طالما لا تحصل انعطافات من نوع مسار سياسي او مشروع سياسي امريكي لاستئناف المفاوضات الإسرائيلية – الفلسطينية ، ولو في حدود إدارة الازمة لا حل الازمة ، بما يصاحب ذلك من مساعدات ووعود واوهام على غرار مناخات اتفاق أوسلو، وحينها يمكن تصور ان يتعزز خيار التسوية . او ارتفاع وتيرة الصراع بين محور المقاومة والسياسة الامريكية – الإسرائيلية وحينها يتعزز خيار المقاومة . وهنا يتداخل الاحتمال الأول والاحتمال الثالث بالنظر لترابط منطقهما الداخلي .
اما الاحتمال الرابع فهو يشترط نظرة جديدة في العقل الفلسطيني بالإفادة من دروس النموذج اللبناني في الثمانينات والتسعينات بعد حرب 1982، حيث تعايشت مقاومة الجنوب مع حكومة بيروت، وما يدور الان في الهند حيث تتعايش القوى التي تحمل السلاح سيما في الشمال الشرقي والجنوب الشرقي(الحزب الماركسي –اللينيني الشعبي )
مع أحزاب أخرى ماركسية برلمانية في ولاية كٍيرلله والبنغال وشتى الولايات، وهذه الأحزاب بمجملها تتعايش مع حزب المؤتمر المنافس القوي للحكم اليميني . وهناك تجارب لاتينية عديدة تقوم على التعايش والتقاطع يمكن الإفادة منها أيضا .
وهذا الاحتمال ( التعايش والوحدة الميدانية ) تستدعيه اكثر ما تستدعيه الاستباحة الاحتلالية لكل ما هو فلسطيني والانغلاق الذي وصل اليه مسار أوسلو. فلا تسوية قريبة سلمية ولا استسلاميه.
وما اكثر القواسم الميدانية ( الدفاع عن ما تبقى من ارض وقدس ومواجهة حصار وهدم وتجويع غزة، ومؤامرة شطب حق العودة وقضية اللاجئين ، الحركة الاسيرة واوجاعها، الحاجة لكل الكفاءات الإدارية وتحسين العملية التعليمية والصحة والتنموية ، ضرورة انتاج ثقافة تقوم عل التعددية واحترام الاخر والمواطنة وضرورة توحيد الجهد الثقافي دفاعا عن الهوية والذاكرة والرواية ، تخفيف الاغتراب والإحباط والهجرة وتزخيم الفخر بالوطن والشعب وعدالة القضية ( انتم اعدل قضية في العالم ) رئيس اتحاد الكتاب التركي الأسبق. ضفر الطاقات لردم الثغرات والتخلص من الاخلالات في مختلف الحقول ، ورعاية افضل للشباب والاستجابة لما امكن من مطالبهم ..
وخاصية القواسم الميدانية انها لا تمسس الخطاب السياسي ومصالح القيادات السياسية وتخفف من الاحتقانات وتحمي ما يتوجب حمايته دعما للصمود وتمهيداً لمرحلة جديدة .
اما فلسطين فهي راسخة بوجودها وشعبها وتطلعاتهم واستعداداتهم، فهي رقم صعب وجدار عالٍ عصية على التبديد والمحو . وهنا ( ينبغي الرهان على القوى الصاعدة ) لين بياو وزير الدفاع الصيني الأسبق ، فالقوى الصاعدة التي لا يمكن وقف آوالية صعودها هي الصين والمعسكر المناهض للهيمنة الامريكية التي هزمت في أفغانستان وتمدد المشروع التحرري اليساري في أمريكا اللاتينية ، اما في الإقليم فمحور المقاومة يوطد خطواته ويطور إمكاناته، رغم ما أصابه من دمار واضرار ، تمهيداً ” للمواجهة الشاملة ” وكل محاولات ضبط الإقليم على الساعة الامريكية تبخرت.
فعقارب الزمن تدور نحو تحرير المزيد من الحلقات من التبعيه للبيت الابيض، وهذا سوف يشمل لا محالة بعض أنظمة التبعية التي ادركت ان نجم أمريكا نحو الافول المتدرج سيما في الشرق الأوسط وانها لم تعد المظلة القادرة على حماية توابعها .
فمركز الثقل في السياسة الخارجية الامريكية اليوم هي المحيط الهندي والهادئ لمحاصرة الصين وقطع الطريق على القوة الاقتصادية والتكنولوجية المؤهلة لمنافسة أمريكا ( يبلغ حجم الإنتاج القومي الصيني بالأسعار العالمية 22 تريليون $معادلا او متخطيا حجم الإنتاج الأمريكي يضاف له رصيد 3.5 تريليون$ فيما مديونية أمريكا تعادل حجم انتاجها، وفيما تخصص أمريكا 750 مليار دولار كموازنة عسكرية تكتفي الصين بتخصيص 280 مليار لتحديث جيشها النووي الذي يتفوق في سلاح البحرية ويقوم بمناورات مشتركة مع الجيش الروسي بموازنته التي لا تصل 50 مليار ولكنه يتفوق في منظومات عسكرية متنوعة ( لا داعي ان تدخلوا في سباق معنا فلن تتفوقوا علينا ) شويغو وزير الدفاع الروسي …
لم تنفك أمريكا القوة الأولى اقتصاديا وتكنولوجيا وعسكريا واعلاميا ولكنها امبراطورية مأزومه لم تحرز أي نجاح في العقد الأخير وتناقضاتها الداخلية تتفاقم.
وزيارات مبعوثها ووزير خارجيتها للمنطقة والمقاطعة في رام الله كشفت ان جعبتها فارغة على صعيد التسوية والحد الأدنى من الحقوق الفلسطينية والشعب بمختلف تياراته وقواعده يقف امام لحظة الحقيقه، حقيقة انه ( لا يحرث الأرض الا عجولها). وهذا بلا ريب يصب في طاحونة خيار المقاومة باشكالها ..
وختاما من غير المتوقع حصول تغيرات دراماتيكية في الأشهر المقبلة، فالجميع لا يضع الحراب على رأس الاجندة. وبعدئذ يكون لكل حادث حديث.

اكمل القراءة
Advertisement
اضغط للتعليق

أترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *