Connect with us

أقلام وأراء

النجوم الستة والحرب النفسية

بقلم: عثمان بزار*

شنت مؤسسات الاحتلال الإسرائيلي الرسمية والإعلامية منذ حادثة تحرر الأسرى الأبطال من ‏‏”سجن جلبوع”، ثم إعادة اعتقالهم، حرباً نفسية ضد الشعب الفلسطيني، والأسرى، معتمدة على ‏بث الشائعات، ونشر الأخبار الكاذبة، والدعايات الوهمية. لم تنطلِ تلك الأساليب على نخب ‏واعية من الشعب الفلسطيني، بينما وقع الكثيرون في فخها، خاصة البعض من إعلاميين، وكتّاب، ‏وصفحات عامة وشخصية على وسائل التواصل الاجتماعي.‏
عرّف الكاتب الأميركي “روبرت لونجلي” الحرب النفسية أنها “الاستخدام التكتيكي المخطط ‏للدعاية والتهديدات والأساليب الأخرى غير القتالية أثناء الحروب، أو التهديدات بالحرب، أو ‏فترات الاضطرابات الجيوسياسية، لتضليل، أو ترهيب، أو إضعاف الروح المعنوية، أو التأثير ‏بطريقة أخرى على تفكير العدو، أو سلوكه.” أضافت الكاتبة “حميدة سميسم” أن الحرب النفسية ‏قد تتضمن وسائل قتالية، وقد عرفتها أنها “تتوخى إحداث تغيير في السلوك العام للعدو بطريقة ‏تتناسب وأهداف مستخدميها، مستعملة وسائل يتجاوز تأثيرها النفسي الـتأثير الجسماني ويغالبه، ‏ويمكن لهذه الوسائل أن تتضمن أدوات عسكرية معروفة، مثل الغارات الجوية، والقصف المدفعي ‏أيضاً، فضلاً عن إثارة الفوضى والتخريب، وغيرها.”‏
انتهج الاحتلال الإسرائيلي أسلوب الحرب النفسية في الأحداث الأخيرة التي رافقت تحرر ‏الأسرى الأبطال. هدف الاحتلال من خلال ذلك إلى تسفيه الإنجاز البطولي الذي حققه هؤلاء ‏الأسرى، والتغطية على الفشل الذي أصاب منظومته الأمنية، وضرب معنويات الشعب ‏الفلسطيني، والأسرى، وكذلك إحداث وقيعة مع أبناء الشعب الفلسطيني في الداخل المحتل، ‏خاصة أبناء الناصرة الأبية.‏
تحدثت مصادر الاحتلال الرسمية والإعلامية بعد عملية التحرر عن استغلال الأسرى المحررين ‏لخلل هندسي في هيكل “السجن”، ووجود مخطط “السجن” على الإنترنت، وروجت لوجود تواطؤ ‏‏”سجانين”، وتساءلت أين ذهب الأسرى بالتراب الناتج عن الحفر؟ كما بثت تلك المصادر ‏شائعات عن وجهات مختلفة لجأ إليها الأسرى. رافق ذلك تجنيد الوحدات الخاصة القتالية، وفرق ‏الاستطلاع، والطائرات، والتكنولوجيا المتطورة، وغيرها، أي مزج الاحتلال بين الحرب النفسية ‏والعمل على الأرض. ‏
اشتدت وطأة الحرب النفسية بعد إعادة اعتقال الأسرى، محمود العارضة، ويعقوب قادري، ‏ومحمد العارضة، وزكريا الزبيدي. ركزت مصادر الاحتلال وقتها على أن عائلة عربية من مدينة ‏الناصرة أبلغت شرطة الاحتلال عن الأسيرين محمود العارضة، ويعقوب قادري. انطبق الأمر ‏ذاته بعد إعادة اعتقال الأسيرين محمد العارضة، وزكريا الزبيدي، فقد روّج الاحتلال لخبرين ‏متناقضين، يفيد أحدهما أن قصاصي أثر اكتشفوا مكانهما، والآخر أنه تم رصد مكالمة لهما مع ‏قيادي في غزة.‏
إضافة إلى ما سبق، صوّر الاحتلال الإسرائيلي عمليات إعادة اعتقال الأسرى الستة، التي ‏انتهت باعتقال الأسيرين أيهم كممجي، ومناضل نفيعات، بالإنجاز البطولي السريع. أراد ‏الاحتلال كذلك بث رسالة تحذيرية للأسرى تفيد أن من يحاول “الهرب” من “السجون” ‏والمعتقلات، سيكون مصيره الجوع، والإرهاق، وسيعتقل بسرعة، ولن يقبله حتى فلسطينيي ‏الداخل. إضافة إلى ذلك، نشرت مصادر الاحتلال الإسرائيلي أنباء متضاربة حول صحة ‏الأسير زكريا الزبيدي بعد إعادة اعتقاله، فقد أكدت وسائل إعلام الاحتلال نقله للمستشفى ‏مرتين، بينما نفت مصلحة سجون الاحتلال ذلك الخبر، وبينت أنه بصحة جيدة.‏
وقع في فخ الحرب النفسية التي شنها الاحتلال الإسرائيلي ضد الشعب الفلسطيني،البعض وصدقوا ‏روايات الاحتلال، ونشروها بوعي، أو دون وعي، دون التحذير من تداولها، أو الإشارة إلى ‏المصدر. تساءل البعض مثلاً أين ذهب الأسرى بالتراب الناتج عن الحفر؟ وتساءل آخرون ‏لماذا تواجد الأسيران محمود العارضة ويعقوب قادري في شارع عام لحظة اعتقالهما؟ وتساءلوا ‏كذلك لماذا لجأ الأسيران محمد العارضة وزكريا الزبيدي إلى موقف باصات؟ رافق ذلك نشر ‏صورة لأحد الشبان تحت دعوى أنه من بلّغ عن الأسيرين العارضة وقادري، ليتبين لاحقاً أنه ‏أسير فلسطيني اعتقله الاحتلال. في الاتجاه نفسه، تجاوزت بعض صفحات التواصل ‏الاجتماعي حدود الأخلاق، وبثت أخباراً تتعلق باستشهاد الأسير الزبيدي، دون مراعاة مشاعر ‏أهله بتاتاً.‏
لقد تكشفت الكثير من الحقائق حول قضية الأسرى الستة، خاصة بعد زيارات المحامين لهم، ‏وتبيّن زيف أغلب ادعاءات مصادر الاحتلال. أفاد المحامون نقلاً عن الأسرى المعتقلين أنهم ‏حفروا النفق بأدوات بدائية، وتخلصوا من التراب في مواسير الصرف الصحي، أي لم يكن هناك ‏تواطؤ من “السجانين”. وجّه الأسيران محمود العارضة ويعقوب قادري كذلك تحية إلى أهل ‏الناصرة، وهما بذلك أرادا بث رسالة للجميع تبين أن أبناء الشعب الفلسطيني في الداخل المحتل ‏هم جزء أصيل من الشعب الفلسطيني، وأن الفلسطينيين في كافة أماكن تواجدهم هم وحدة واحدة ‏لا يفرق بينهم عدو. إضافة إلى ذلك، أفاد المحاميان اللذان زارا الأسيرين زكريا الزبيدي ومحمد ‏العارضة نقلاً عنهما، أن اعتقالهما جاء بالصدفة، وهذا يعني كذب ادعاء الاحتلال في أن ‏قصاصي أثر اكتشفوا مكانهما، أو رصد أمن الاحتلال لمكالمة لهما مع غزة. ‏
إن هناك ثوابت تتعلق في قضية الأسرى الستة الأبطال يجب الالتزام بها. يجب التشكيك في ‏روايات الاحتلال التي تتعلق بظروف تحرر هؤلاء الأسرى، والتحقيق معهم، والاعتماد على ‏تصريحات المحامين الخاصين بهم، وما تنشره هيئة شؤون الأسرى، ونادي الأسير. يجب ‏التركيز كذلك على نجاح هؤلاء الأسرى في عملية التحرر، وضربهم المنظومة الأمنية للاحتلال، ‏وجعله موضع استهزاء، محلياً، وإقليمياً، وعالمياً، وكذلك تجول هؤلاء الأسرى في بلادهم ‏فلسطين، والأكل من ثمار أراضيها. يضاف إلى ذلك تعرض هؤلاء الأسرى خلال عملية ‏اختفائهم لظروف قاسية تتعلق بالطعام، والشراب، والنوم، وصعوبة الجغرافيا، ومواجهتهم قوات ‏عسكرية واستخباراتية كبيرة، مدججة بالأسلحة، والوسائل التكنولوجية، وكذلك تعرضهم للتعذيب ‏الجسدي والنفسي خلال التحقيق، دون تلقي العلاج الحقيقي. ‏
إضافة إلى ما سبق، يجب التـأكيد على حرمة الإساءة لأهل الناصرة، فحتى لو بلّغ أحدهم عن ‏مكان الأسيرين محمود العارضة، ويعقوب قادري، فإنه يمثل نفسه فقط. لقد رأى العالم مدى ‏تضامن أهل الناصرة مع الأسرى، وخرجوهم عند محكمة الاحتلال، وحملهم الأعلام الفلسطينية ‏المحرمة وجودها في الداخل المحتل، وهتافهم للأسرى، وشتمهم الاحتلال، واستهزائهم به، وهكذا ‏تثبت الناصرة على الدوام أنها تشكل خنجراً في خاصرة الاحتلال. ‏
إن التاريخ والحاضر يشهدان على نضال أهل الناصرة، فتلك المدينة قدمت الشهداء على مذبح ‏الحرية، مثل إياد لوابنة، وعمر عكاوي، ووسام يزبك الذين ارتقوا في الانتفاضة الثانية عام ‏‏2000، كما أنها بلدة الشاعرة والأديبة الفلسطينية زهيرة الصبّاغ، وابنتها الفنانة الراحلة ريم بنا، ‏وكذلك الشاعر توفيق زيّاد، وكما قال الشاعر الفلسطيني محمود درويش “ليست الناصرة في ‏حاجة إلى مديح فقد أدمنت مدح نفسها بأفعالها وبأقوالها أيضاً.”‏
إن هؤلاء الأبطال الستة هم نجوم في سماء القضية الفلسطينية، وعملهم البطولي سيسجل في ‏الصفحات المشرقة للتاريخ النضالي الفلسطيني. إنهم كذلك أصحاب الرواية البطولية الحقيقية، ‏ولهم وحدهم الحق في روايتها، أو عدم روايتها، سواء في المستقبل القريب، أو البعيد، وفي حال ‏لم يرغبوا في روايتها، يجب التركيز على الثوابت السابقة، وذلك من أجل التصدي للحرب ‏النفسية التي ينتهجها الاحتلال الإسرائيلي، فهي لم تنته، وستبقى مستمرة مطولاً.‏

*أسير محرر، وطالب ماجستير دراسات دولية – جامعة بيرزيت

اكمل القراءة
Advertisement
اضغط للتعليق

أترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *