Connect with us

أقلام وأراء

الأسير إسماعيل عودة.. بطولات من واقع الحرية والقيد

بقلم الأسير: حمادة درامنة

تزخر معتقلات و”سجون” الاحتلال بالكثير من القصص النضالية البطولية والإنسانية، ويكاد ‏بعضها يماثل الحكايات الأسطورية، لأسرى أبطال وهبوا حياتهم لفلسطين. سأتحدث في هذه ‏المقالة عن أحد الأسرى الأبطال الذي بدأ منذ أعوامه العشرين نضاله ضد الاحتلال الإسرائيلي، ‏وفي سبيل مجد الوطن، وحريته. إنها قصة عن الأسير البطل إسماعيل عارف عودة، وهي ‏كذلك قصتي معه في الطفولة، وخلال لقائي به في الاعتقال مرتين.‏
في عصر الفاتح من كانون الثاني 1991، وفي ظل مرور أكثر من 3 سنوات على اندلاع ‏الانتفاضة المجيدة الأولى، كنت قد بلغت من العمر 8 أعوام. لم أكن أعي قبل ذلك التاريخ من ‏هم الملثمون، وما دورهم في حياتنا، سوى أنهم أشخاص صالحون يسعون لتحقيق أمور جيدة. ‏بقي هذا الوعي راسخا في عقلي، حتى رأيتهم المرة الأولى في ذلك التاريخ، يجوبون في عرض ‏منظّم شوارع قرية دير عمار ومخيمها، وقريتي جمّالا، وبيتللو، بمناسبة الذكرى السادسة ‏والعشرين لانطلاقة حركة فتح. كانوا ببزاتهم السوداء، ولثامهم الكوفية، أما أسلحتهم فهي الهراوات ‏والبلطات. ‏
كان عددهم 20 ملثماً يسيرون على طرفي الشارع، وفي وسطهم رجل يرتدي بزّة عسكرية، وملثم ‏بالكوفية يرفع فوق رأسه لافتة كبيرة عليها شعار حركة فتح، وفي مقدمتهم رجل بدا لي أنه ‏قائدهم. علمت وقتها من والدي أن هؤلاء الملثمين من صقور فتح، ويقاومون الاحتلال ‏الإسرائيلي، ومنذ ذلك الوقت كنت دائماً أفكر وأتساءل من يكون ذلك القائد الذي كانت تسير ‏خلفه هذه الأعداد، وقد أردت أن أكون معه.‏
بدأت قوات الاحتلال كعادتها خلال الانتفاضة الأولى، وفي كل فعالية نضالية فلسطينية، ‏تلاحق كل من له صله بمثل هذه النشاطات، وكان من بين هؤلاء الأشخاص الذين اعتبرتهم ‏قوات الاحتلال حينها من النشطاء المناضل “إسماعيل عارف عودة” ابن قرية دير عمار. كان ‏ذلك المناضل الذي بلغ العشرين عاماً وقتها، هو نفسه القائد الذي سأراه عام 1991، وتسير ‏خلفه أعداد الملثمين. بدا عودة منذ وقتها كأنه قد أنذر بالشقاء، وهي مرحلة أيضاً بدأت بها ‏أبصر النور، كالكثير من أبناء قرية دير عمار والقرى المجاورة. ‏
حارب عودة الاحتلال الإسرائيلي بكل الوسائل المتاحة له، حتى اعتقل المرة الأولى عام ‏‏1988. مكث عودة في الاعتقال 3 سنوات، وخرج بمزيد من الإصرار والثبات على مواصلة ‏مسيرة نضالية، ومتمسكاً بوفائه لدماء الشهداء، وآهات الأسرى، ليكمل مسيرته التي باتت رمزاً ‏للنضال والفداء في منطقته. انضم عودة مع دخول السلطة الوطنية الفلسطينية أرض الوطن عام ‏‏1994 إلى جهاز المخابرات العامة الفلسطينية، ومع اندلاع انتفاضة الأقصى عام 2000، كان ‏من الأوائل الذين وهبوا أنفسهم دفاعاً عن فلسطين وشعبها وقضيتها العادلة. لقد سار عودة في ‏ركب من دافع وقاتل من أجل كرامة هذا الشعب وحريته، ليقبض على زناد البندقية منتفضاً ضد ‏هذا الاحتلال وجرائمه.‏
‏ تعود بي الذاكرة إلى مشهد آخر للملثمين وصقور الفتح في إحدى ليالي عام 2001 الباردة، ‏وذلك عندما وقفت مع بعض أهالي المنطقة لمشاهدة اشتباك دار بين عدد من المقاومين وجنود ‏الاحتلال على أحد الشوارع الالتفافية القريبة من قرية دير عمار. أتذكر تلك الليلة الباردة وأنا ‏أشاهد بصمت، والذعر يتملكني، وبدني ينتابه القشعريرة، وأطرافي متجمدة، بفعل حصار البرد ‏الشديد. كانت القرية تبدو وقتها مهجورة من سكانها، إلا من عتمة احتلتها فجأة.‏
شاهدت هناك أمامي في الشارع الالتفافي البعيد شهباً من نار، يتبعها أزيز رصاص، وقنابل ‏إنارة في السماء. شاهدت وقتها كذلك 4 أشخاص بملابس عسكرية، يسيرون نحو البلدة القديمة ‏لقرية دير عمار، ويحمل كل واحد منهم على كتفه الصلب سلاح الكلاشينكوف. كان أحد هؤلاء ‏المناضلين هو نفسه الرجل الملثم الذي رأيته قبل 10 سنوات، إسماعيل عودة ومعه رفيق دربة ‏وزنزانته أسامة عودة.‏
بدأتْ بعدها مع إسماعيل وأسامة وباقي مجموعتهم رحلة مطاردة تنفذها ضدهم قوات الاحتلال ‏ومخابراته. لم يكد يوجد بيت، أو مكان في قرية دير عمار إلا اقتحمته قوات الاحتلال، وفتشته، ‏وبثت الرعب في نفوس سكانه بحثاً عن تلك المجموعة. اعتقل أسامة عودة عام 2001 في أحد ‏الكمائن التي نصبها له جيش الاحتلال الإسرائيلي، وذلك بعد مطاردة طويلة. في عام 2002، ‏اعتقل إسماعيل عودة مع باقي أفراد مجموعته، وحكمت محكمة الاحتلال العسكرية عليه 20 ‏عاماً، وحكمت على أسامة عودة 26 عاماً.‏
لم يثن هذا الحكم الجائر الظالم إسماعيل عودة عن مواصلة مسيرته النضالية، فخلال فترة ‏اعتقاله برز كأحد قيادات الحركة الأسيرة المشهود لها بالحكمة، والوطنية، وحسن التدبير للقرار. ‏شغل عودة عدة مناصب تنظيمية خلال فترة الاعتقال، منها الموجه لعام لحركة فتح في عدة ‏‏”سجون”. خاض ذلك المناضل أيضاً خلال فترة اعتقاله الإضرابات عن الطعام ضد إدارة ‏مصلحة سجون الاحتلال. كانت البداية من إضراب 2004، واستمرت حتى إضراب 2017، ‏ليعلن في نهاية كل إضراب انتصاراً جديداً يحققه بسلاحه الوحيد المتمثل في الإرادة الصلبة ‏والعزيمة الجبارة التي لا تلين، ذلك رغم كل وسائل القمع التي مارستها “إدارات السجون” بحقه ‏طيلة فترة اعتقاله.‏
ذاق إسماعيل عودة كغيره من الأسرى طعم المرارة والحرمان وظلم “السجان”، وكان أكثرها ألماً ‏وفاة والدته عام 2010، وقد حدث أن علم بذلك بعد 3 أيام من الوفاة. عانى عودة كذلك من ‏الحصوة في الكلية لسنوات عديدة، رافقها إهمال طبي متعمد انتهجته “إدارات السجون” ضده، ‏واستمر الوضع على ذلك حتى تفاقمت أوضاعه الصحية، وتم استئصال كليته اليسرى عام ‏‏2020.‏
التقيت بإسماعيل عودة المرة الأولى عام 2004 في معتقل عوفر، وكان وقتها يشغل عضواً في ‏اللجنة المركزية لحركة فتح، وأذكر يومها أنه ألقى خطاباً في قسم “1”، بمناسبة ذكرى معركة ‏الكرامة الخالدة. التقيت به مرة ثانية عام 2020 في “سجن النقب الصحراوي”. وجدته وقتها رغم ‏ما رافقه في مرحلة اعتقاله من ألم ومعاناة ومرض وتنكيل “إدارة السجون” له، قد استطاع معززاً ‏بإرادته الصلبة إكمال دراسته الجامعية، فحصل على درجة البكالوريوس في العلوم السياسية من ‏جامعة أبو ديس، ثم درجة الماجستير في الدراسات الإسرائيلية من الجامعة نفسها.‏
يقبع الآن إسماعيل عارف عودة في “سجن النقب الصحراوي” ليكمل ما تبقى له من حكمه، ‏وبعد عام من الآن سينال حريته، ويكون بذلك قد أمضى 20 عاماً ليعود إلى أحضان شعبه ‏ومحبيه، منتصراً كعادته، ورافعاً شارة النصر.‏

اكمل القراءة
Advertisement
اضغط للتعليق

أترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *