Connect with us

أقلام وأراء

خواطر عن مصر والقضية الفلسطينية في ذكرى عبد الناصر

بقلم: حسن نافعة

رحل جمال عبد الناصر عن عالمنا في مثل هذه الأيام من عام 1970. وعلى الرغم من مرور أكثر من نصف قرن على هذا الرحيل، وهي فترة طويلة بما يكفي لإجراء تقييم موضوعي حول دور الرجل ومكانته، وما استطاع أو عجز عن تحقيقه من آمال وطموحات شعبه وأمته، إلا أن الجدل بشأن هذه الشخصية المحورية في تاريخ مصر والمنطقة والعالم لم ينقطع، وما زال محتدما بين فريقين يقفان على طرفي نقيض: الأول تحرّكه مشاعر كراهية شديدة للرجل، تصل إلى حد الانكار التام لأي إنجاز تحقق في عهده، ويرى أن فترة حكمه كانت كلها ظلاما دامسا، ومن ثم يحمّله المسؤولية الرئيسية عن كل ما ألمّ بمصر والعالم العربي من نكبات أو خراب، ليس فقط في عهده ولكن حتى يومنا هذا. الثاني: تحرّكه مشاعر إعجاب يصل إلى حد التقديس التام، ليس فقط لشخص عبد الناصر، وإنما أيضا لمجمل سياساته ومواقفه الداخلية والخارجية. ومن ثم يرى أن السبب الرئيسي فيما ألمّ بمصر والعالم العربي من نكساتٍ يعود إلى التخلّي عن النهج الذي سار عليه الرجل، ومن ثمّ لا سبيل لاستعادة الأمة كرامتها ونهضتها إلا بالعودة إلى النهج نفسه.

وفي تقديري، وجود هذه الحالة الاستقطابية الحادّة واستمراره بين طرفين يجنحان نحو تغليب كفّة العوامل الذاتية والأيديولوجية على كفّة العوامل الموضوعية والعلمية، يجعل من العسير تناول الحقبة الناصرية بطريقةٍ تساعد على استخلاص الدروس الصحيحة من الخبرة التاريخية لهذه الحقبة الهامة، والتي تعد من أهم الحقب وأخصبها في التاريخ المعاصر لكل من مصر والعالم العربي. ولأن المعارك التي خاضها عبد الناصر خلال هذه الحقبة عديدة ومتشابكة، حيث شملت قضايا الاستقلال الوطني والتنمية والوحدة والصراع العربي الإسرائيلي وغيرها، فسوف يكون من الصعب علينا تناولها جميعا وتقييمها في هذه المساحة المحدودة. لذا يُكتفى هنا ببعض الخواطر عن موقف عبد الناصر من الصراع العربي الإسرائيلي، عموما، ومن القضية الفلسطينية على وجه الخصوص، مقارنة بما جرى لمصر وللقضية بعد رحيله.

معروفٌ أن سياسات عبد الناصر على هذا الصعيد تعرّضت بعد رحيله، خصوصا في أعقاب حرب 1973 مباشرة، إلى حملة ضارية، دارت، في معظمها، حول قضايا ومحاور مختلفة: فمن قائل إنها كانت، في مجملها، سياسات ومواقف “متهوّرة” تسببت في حروبٍ “لا ناقة لمصر فيها ولا جمل”، ومن قائل إن هذه السياسات كانت مدفوعة فقط برغبة عبد الناصر الشخصية في تزعّم العالم العربي وقيادته، وليس بدافعٍ من الحرص على المصالح الوطنية المصرية، ومن قائل إن مصر تحمّلت، خلال المواجهات العسكرية المتكررة مع إسرائيل، إبّان فترة حكم عبد الناصر، وربما أيضا بسبب التزاماتها تجاه القضية الفلسطينية إبّان الفترة نفسها، تضحيات وأعباء مادية وبشرية فوق طاقتها، وهذه الأعباء كانت السبب الأساسي في عرقلة انطلاقة مصر نحو التنمية، وفي فقدانها مكانتها الإقليمية والدولية في مرحلة لاحقة. ومن قائل إن عبد الناصر تسلم حكم مصر، وهي دولةٌ سيدةٌ ليس فقط على كامل ترابها الوطني، وإنما أيضا على قطاع غزة الفلسطيني الذي تتولى مسؤولية إدارته، لكنه حين رحل عن عالمنا كان كل من سيناء وقطاع غزة قد وقعا تحت الاحتلال الإسرائيلي، وما زالا يكتويان بناره منذ 1967.

لو أن الهدف الحقيقي للحملة التي وجهت إلى عبد الناصر عقب رحيله كان تصحيح مسار معوج، أو بحثا عن سياسة مصرية بديلة أكثر فاعلية وقدرة على التوصل إلى تسويةٍ عادلةٍ ومتوازنة، تضمن تحرير الأرض وعودة الحقوق المشروعة إلى أصحابها، وتحقيق الأمن لجميع الأطراف المنخرطة في الأزمة، لبدت الحملة مبرّرة، ولحظيت بتأييد شعبي واضح. ولكن حين يكون هدفها المضمر والوحيد إطلاق حزمةٍ من الاتهامات المرسلة، في وقتٍ تعمل فيه قوى داخلية وخارجية نافذة، بكل إصرار، على إخراج مصر من معادلة الصراع العسكري، باعتباره الوسيلة الوحيدة لتمكين إسرائيل من فرض تسوية بشروطها هي. وتلك مسألة لم تعد في حاجة إلى إثبات أو دليل، فمن الطبيعي أن يثير هذا المنحى شكوكا كثيرة، ليس فقط حول مصداقية الاتهامات الموجهة، وإنما حول نبل دوافعها أيضا.

من الثابت أن عبد الناصر لم يكن هو المسؤول عن زجّ مصر في صراع مع إسرائيل، وذلك لسبب بسيط، أن مصر الملكية، وليس مصر الناصرية، هي التي قادت العالم العربي نحو أول مواجهة عسكرية مع إسرائيل عام 1948. ولم يكن الدافع الرئيسي وراء قيادة مصر تلك المواجهة يدور فقط حول الحرص على التضامن مع شعب فلسطيني جار، يواجه محنةً بقدر ما كان يتعلق أساسا بمخاوف شعبية ورسمية مبرّرة من السماح بقيام دولة يهودية على حدود مصر الشرقية، خصوصا إذا كانت هذه الدولة ترتبط عضويا بقوى الاستعمار التقليدي. وفي تقديري، لم يكن في مقدور أي حكومة مصرية مسؤولة في ذلك الوقت أن تتجنّب الدخول في أتون صراعٍ فرض عليها فرضا، خصوصا أن الزخم الشعبي الرافض قيام دولة يهودية على حدوده الشرقية، والمتضامن تلقائيا مع الشعب الفلسطيني في محنته، كان أسبق في تحرّكه، وشكّل عاملا ضاغطا على كل المؤسسات الرسمية. والادّعاء أن عبد الناصر تبنّى سياسة متهوّرة تجاه إسرائيل باطل تماما، خصوصا خلال السنوات الخمس الأولى التي أعقبت ثورة يوليو (1952)، فالمبادئ الستّة التي أعلنتها حركة الضباط الأحرار، فور نجاحها في الاستيلاء على السلطة، كانت كلها تدور حول مطالب مصرية داخلية بحتة، وخلت من أي إشارة إلى القضية الفلسطينية، أو إلى علاقة مصر بالعالم العربي، ولم يكن لدى عبد الناصر أي اعتراضٍ، في ذلك الوقت، على أي جهود تُبذل للبحث عن تسويةٍ سلميةٍ، تؤدي إلى الاعتراف بدولة إسرائيلية مستقلة، ولكن داخل الحدود التي تضمنها قرار التقسيم الصادر عن الجمعية العامة للأمم المتحدة عام 1947، إذا وافقت هذه الدولة على عودة اللاجئيين الفلسطينيين إلى ديارهم، وفقا لما تضمنه القرار 194 لسنة 1948.

ومعروفٌ أن الولايات المتحدة حاولت القيام بدور الوساطة بين مصر وإسرائيل خلال الفترة 1953 -1955، وأن عبد الناصر تجاوب مع هذه المحاولة، غير أن رفض إسرائيل القاطع العودة إلى حدود التقسيم وإعادة اللاجئين الفلسطينيين حال دون أن تثمر هذه الجهود. فإذا أضفنا إلى ما تقدّم أن إسرائيل كانت هي الطرف المبادر بالتصعيد العسكري ضد مصر، حين شنّت غارةً على مواقع الجيش المصري المرابط في قطاع غزة في 28 فبراير/ شباط 1955، راح ضحيتها عشرات من الجنود والضباط، وأنها شاركت بحماس في كل مراحل التخطيط والتنفيذ للعدوان الثلاثي الذي شنّ على مصر عقب قرار عبد الناصر تأميم قناة السويس عام 1956، لتبين لنا، بما لا يقبل الشك، أن إسرائيل لم تكن جاهزةً في ذلك الوقت للتخلي عن أحلامها التوسعية، وبالتالي لأي تسويةٍ متوازنة. وإذا كان من نقدٍ يمكن أن يوجّه إلى النظام الناصري في تلك الفترة فهو عدم الاستعداد الجدّي لترتيب البيتين، المصري والعربي، من الداخل استعدادا لمواجهة عسكرية حقيقية مع إسرائيل بدت، في ذلك الوقت، خصوصا بعد مشاركتها في عدوان 1956، ليس فقط محتملة، وإنما حتمية أيضا.

حين قرّر الرئيس أنور السادات، في أعقاب حرب 1973، البحث عن تسوية سياسية بأي ثمن، حتى ولو كانت منفردة، ومن ثم قادته خطاه على هذا الطريق إلى زيارة القدس المحتلة عام 1977، التي مهدت للتوقيع على معاهدة سلام مع إسرائيل عام 1979، برّر الرجل توجهاته الجديدة، المتناقضة كليا مع التوجهات الناصرية، بأن مصر ستكون في ظل السلام أقوى وأكثر رخاء. بل وصلت الأوهام بالسادات، في ذلك الوقت، إلى حد الاعتقاد بأن مصر ستصبح الحليف الأوثق للولايات المتحدة في المنطقة، وأن الأهمية الاستراتيجية لإسرائيل، من منظور الولايات المتحدة، ستقل كثيرا بعد توقيعها معاهدة سلام مع مصر. (راجع كتاب أحمد بهاء الدين “محاوراتي مع السادات”).

اليوم، وبعد أكثر من نصف قرن على رحيل عبد الناصر، تبدو إسرائيل في أوج قوتها، ومصر، ومعها الدول العربية كلها، في أضعف حالاتها، أفلا يستحق ما جرى للمنطقة وفيها منذ رحيل عبد الناصر إعادة قراءة لمواقف عبد الناصر وسياساته تجاه القضية الفلسطينية بعيون مختلفة، واستنادا إلى معايير جديدة؟… في سيرة عبد الناصر الذاتية فقرة “عقب صدور قرار تقسيم فلسطين في ايلول 1947، عقد الضباط الأحرار اجتماعاً، واعتبروا أن اللحظة جاءت للدفاع عن حقوق العرب ضد هذا الانتهاك للكرامة الإنسانية والعدالة الدولية، واستقر رأيهم على مساعدة المقاومة في فلسطين. وفي اليوم التالي، ذهب جمال عبد الناصر إلى مفتى فلسطين الذي كان لاجئاً يقيم في مصر الجديدة، فعرض عليه خدماته وخدمات جماعته الصغيرة كمدرّبين لفرقة المتطوعين وكمقاتلين معها. وقد أجابه المفتى بأنه لا يستطيع أن يقبل العرض دون موافقة الحكومة المصرية. وبعد بضعة أيام، رفض العرض، فتقدّم بطلب إجازة، حتى يتمكّن من الانضمام إلى المتطوعين، لكن قبل أن يبتّ في طلبه، أمرت الحكومة المصرية الجيش رسمياً بالاشتراك في الحرب، فسافر جمال إلى فلسطين في 16 أيار 1948، بعد أن كان قد رقي إلى رتبة صاغ (رائد) في أوائل عام 1948”.

لقد أدرك عبد الناصر مبكّرا، ولم يكن وحده، أن فلسطين قضية مصرية ترتبط عضويا بالأمن القومي المصري، وأعتقد أن هذا كان وما يزال الإدراك الصحيح الذي على كل وطني مصري حقيقي أن يؤمن به، وأن يتصرّف على أساسه.

عن “العربي الجديد”

اكمل القراءة
Advertisement
اضغط للتعليق

أترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *