Connect with us

أقلام وأراء

صناعة الإحباط

بقلم: نهاد أبو غوش

يزدحم جدول أعمالنا الوطني بأحداث مميزة، تثير الرأي العام، فيتفاعل معها المواطن العادي مع المسؤول والأكاديمي، مع الشباب والنساء والشيوخ، الناشط الفاعل والمراقب، الموالي والمعارض، وهذا الأمر بحد ذاته ليس سلبيا بل على العكس، يدل على حيوية شارعنا ومجتمعنا الفلسطيني، ومدى اهتمام المواطنين والمواطنات بالشأن العام، وهي ميزة غائبة عن كثير من المجتمعات المتقدمة والنامية على حد سواء.

وقد فتح انتشار الانترنت وأدوات الاتصال الحديثة، ووسائل التواصل الاجتماعي الباب واسعا أمام مشاركة كل الناس والفئات في الإدلاء بآرائهم في الشأن العام، وهي ليست ميزة حسنة فنشجعها ولا هي سيئة فنرفضها، ولكنها حقيقة فرضت نفسها وباتت اتجاها إجباريا لنمط الحياة الحديثة ولا يمكن الاستغناء عنه تماما مثل الاختراعات والأجهزة الحديثة التي بات الكل يقتنيها ويعتمد عليها في جُلّ شؤونه.

ما يلفت الانتباه في طريقة تفاعل جمهورنا مع الأحداث، حدّة الآراء وتطرفها وانتقالها السريع من النقيض إلى النقيض، فحادث معين يمكن له أن يرفع معنويات الناس ويرتقي بمزاجها إلى أعلى مستوى ممكن، لكن حادثا معاكسا في الاتجاه يمكن له أن يقلب الصورة تماما. وهذا ما جرى فعليا خلال هبة القدس ومواجهات شهري نيسان وأيار بما في ذلك معركة “سيف القدس” والحرب الرابعة على غزة، وتكرر الأمر عينه مع واقعة الهروب البطولي للأسرى الستة، أو تحررهم الذاتي من سجن جلبوع، فقد وصلت معنوياتنا العامة إلى الذرى مع خبر الهروب، ثم انتكست معنويات بعضنا إلى الحضيض مع توارد أخبار إعادة القبض على بعضهم.

ولا تقتصر المشكلة على اختلاط الحابل بالنابل، ومساهمة الجميع في التحليل وإبداء الرأي، فهذا حق لهم بالطبع، ولكن المشكلة الحقيقية تكمن في سهولة تشتيتنا ومُشاغلتنا وإلهائنا، والتلاعب بمواقفنا ومعلوماتنا وبالتالي بآرائنا وسلوكنا. وهذه ليست عملية بريئة على الإطلاق، لأن ثمة جهات معادية لديها خطط وبرامج وموازنات، ومدعومة بوسائل هائلة التأثير من أجهزة استخبارية ووسائل إعلام ، ووسائل تواصل اجتماعي، بل إن لها منافذ ليست متاحة لنا كأفراد ولا كجماعات، للتاثير على الاتجاهات والميل العام لوسائل التواصل هذه والشركات التي تملكها وتديرها مثل (فيسبوك) و(تويتر) و(يوتيوب) وغيرها.

ولا يمكن لجهات التأثير المعادية أن تنفذ إلى مواقفنا وآرائنا، ولا أن تؤثر في توجهاتنا، إلا من خلال الصدوع والشقوق الداخلية التي يتيحها بنياننا الداخلي، السياسي والاجتماعي والثقافي، فعلى سبيل المثال ثمة ميل جارف لقبول الروايات السلبية والمحبطة، مثل رواية الوشاية بمكان الأسرى وما ترتب على هذه الدعايات المغرضة من اتهام صبياني ومتعجل وأرعن لمدينة الناصرة، قلعة الوطنية الفلسطينية عبر تاريخها، مع أنه كان واضحا مسؤولية أبواق الاحتلال في ترويج هذه الفرية.

وبالتدقيق في الروايات التي رافقت قضية الأسرى نلاحظ أن الروايات الميالة لافتراض السوء رافقت هذه القضية منذ بدايتها، بدءا من الزعم أن الموضوع هو محض مسرحية وفيلم يهدف الاحتلال من ورائه إلى اغتيال الأسرى وتصفيتهم، أو التغطية على أحداث أخرى في غزة أو القدس. بل ثمة من ادعى بهتانا وافتراء أن ثمة خيانة في صفوف الأسرى أنفسهم، وابتدأ مسلسل اللطميات وجلد الذات المعتاد، من خلال الادعاء الذي لا يستند إلى اي أساس، بأن الخونة والجواسيس هم نسبة كبيرة في صفوف الشعب، وأننا لا نستحق وجود مثل هؤلاء الأبطال الستة في صفوفنا، وأن الشهامة والبطولة والفداء انتهت مع إعادة اعتقالهم، وهي ادعاءات ومزاعم تتكرر مع كل عملية باهرة ينفذها أبطال أفراد مثل اشرف نعالوة وعمر أبو ليلى وأحمد جرار وصالح البرغوثي ومنتصر الشلبي وغيرهم.

ثمة أسباب كثيرة لهذه الظاهرة، بعضها يرتبط بالمجتمعات التي تشبه مجتمعنا مثل المجتمعات العربية، وبعضها يرتبط بالمجتمع الفلسطيني، ولعل منها ما يرتبط بخصائص وسمات اجتماعية وثقافية ونفسية. من أسباب هذه الظاهرة ضعف ثقة الناس بالمؤسسات الرسمية، والخطاب الرسمي، ومصادر الأخبار ووسائل الإعلام الرسمية، وضعف ثقة الناس كذلك بالقيادات الرسمية والشعبية، والأطر السياسية، وبالتالي لجوء الناس لمصادرهم الخاصة التي تفتح أبواب الخزعبلات ونظريات المؤامرة والإشاعات، التي يستمع لها الناس بشغف، ثم يرددونها كأنها حقيقة.

ومن الأسباب الواجب ذكرها ايضا، تاريخنا الحافل بالهزائم والنكسات والخيبات، حتى أن فئات واسعة باتت تعتقد أن الهزيمة قدرنا المحتوم، أما الانتصارات والإنجازات فهي ليست من اختصاصنا ولا تليق بنا، ولا شك أن المحتلّ يسعى جاهدا إلى تكريس قناعات كهذه لدينا تقرّ بعلوّه وتفوقه، مقابل ضعفنا ودونيتنا وصولا إلى عدم جدارتنا بالحرية والاستقلال.


ثمة ايضا فئات وأفراد وجماعات تمتهن صناعة الإحباط واليأس، وتشغل نفسها بترويج معتقدات من قبيل “كل الناس حرامية، ومعظم الناس خون أو انهم جاهزون لأن يكونوا كذلك” ربما ينشأ ذلك عن عقد نفسية، أو عن تجربة شخصية بائسة، ولكنه أيضا منطق يصدر عمن يسعى لتبرير عيوبه وأخطائه وتسويغ تقاعسه وقعوده وإحجامه عن اي عمل إيجابي. قد تكون هذه الفئة قليلة العدد، ولكنها حقا كبيرة التأثير، لا سيما وأنها تعمل بوعي أو من دون وعي مثل طابور خامس وكامتداد لأدوات الاحتلال فهي تنقل ما يريد الاحتلال نقله وتكريسه في صفوفنا.
مسؤولية صُنّاع الرأي العام من إعلاميين ومثقفين كبيرة في صناعة الأمل بدل الإحباط، الأمل المستند إلى الحقائق والوقائع والعلم وليس إلى الخرافة والأوهام، فتاريخنا فيه كثير مما يمكن له أن يشحذ الأمل، ويدحض الأباطيل، ويشق طريق شعبنا نحو الهدف الذي نستحقه دونما ادنى تردد: الحرية والاستقلال.
…………………………….
* عضو المجلس الوطني الفلسطيني.

اكمل القراءة
Advertisement
اضغط للتعليق

أترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *