Connect with us

أقلام وأراء

إسرائيل تمارس “الأبارتهايد”

بقلم الأسير: أسامة محمد عودة

نشرت وسائل إعلام إخبارية أميركية في يوليو/تموز العام الجاري استطلاعاً للرأي أظهرت فيه أن 25% من يهود أميركا يعتقدون أن دولة إسرائيل هي “دولة أبارتهايد”، و22% يعتقدون أن إسرائيل تُنفذ “جنوسايد” أي مذابح بحق الفلسطينيين في الأراضي المحتلة. إضافة إلى ذلك، صدر ضد الاحتلال الإسرائيلي منذ عام 2006 على المستوى الرسمي العالمي، 95 قرار شجب وإدانة في لجنة حقوق الإنسان التابعة للأمم المتحدة جراء ممارساتها بحق الفلسطينيين في الضفة الغربية وقطاع غزة والقدس الشرقية، و112 قرار شجب، مقارنة مع 42 قرارا تعرضت لها دول العالم مجتمعة، هذا وفقاً لما نشرته WATCH UN.
في الاتجاه نفسه، نشر مراسل القناة 13 الإخبارية “الإسرائيلية” “نداف أيال” في حزيران/يونيو مقالة في جريدة “يديعوت أحرونوت” قال فيها “أن مشاركة القائمة العربية الموحدة بقيادة منصور عباس بالائتلاف الحكومي يزيل التهمة عن إسرائيل كدولة أبارتهايد على اعتبار أنها الدولة الغربية الأولى التي يشارك في ائتلافها الحكومي الإخوان المسلمون”.
لقد أعلنت حكومة الاحتلال قبل أيام موافقتها على بناء 2200 وحدة استيطانية جديدة في الضفة الغربية والقدس الشرقية. بالمقابل سمحت حكومة الاحتلال ببناء 1000 وحدة سكنية للفلسطينيين في المناطق المصنفة “ج” من الضفة الغربية، والتي تشكل مساحتها نحو 62% من مجمل مساحة الضفة الغربية، أثارت تلك الخطوة احتجاج رئيس مجلس “بنيامين الاستيطاني في الضفة الغربية” “إسرائيل غنتس” قائلاً: “إن لعبة خذ وأعطِ غير مقبولة، والمساواة بين اليهود والعرب أمر غير مقبول”، وهو بذلك يشير إلى اعتراضه على منح الفلسطينيين تصاريح بناء في أراضيهم وقراهم، وذلك منذ أكثر من عام.
ذكر “نداڤ تماري” في كتابه “كيف نعلم” مع الكاتب “زئيڤي فركش” رئيس وحدة الاستخبارات العسكرية “أمان” سابقاً، أن “ديمقراطية “إسرائيل غير واضحة، ولذلك نحن في نهاية المطاف مارسنا أبارتهايد في المناطق المحتلة، وفي نفس المنطقة يعيش فيها يهوداً وعرباً مع قانونين منفصلين، واحد لليهود، وواحد للعرب، وحسب معرفتي لا يوجد دولة ديمقراطية تمارس ذلك”.
شواهد كثيرة لا مجال لحصرها هنا توضح ما تمارسه دولة إسرائيل من مسلكيات عنصرية بحق الشعب الفلسطيني الذي يقبع تحت احتلالها، بالإضافة إلى ما تقدم من شواهد على ممارسة الأبارتهايد، فالاستيطان الاستعماري الذي تتبعه إسرائيل في الضفة الغربية يُعبر بشكل كبير عن الأبارتهايد. لنأخذ مدينة أريحا مثالاً، فقد زرع الاحتلال الإسرائيلي فيها 12 مستوطنة يسكنها 7000 مستوطن، يسيطرون على 21 ألف دونم، بالإضافة إلى مناطق نفوذ هذه المستوطنات التي لا يسمح للفلسطينيين الاقتراب منها، أو استخدامها تشكل مساحتها حوالي 180 ألف دونم من أصل مساحة مدينة أريحا البالغة 600 ألف دونم.
إن المستوطنين في مستوطنات أريحا يسيطرون على مصادر المياه، فهم يستهلكون نحو 45 مليون متر مكعب من الماء سنوياً، ويستهلك المستوطن الواحد 800 لتر يومياً. بالمقابل يستهلك المواطن في أريحا 20 لتراً يومياً، وأكثر من ذلك يستهلك الشعب الفلسطيني نحو 110 مليون متر مكعب من المياه سنوياً. لا يقتصر الأمر على ذلك، فهناك شبكات طرق خاصة بالمستوطنين، وشبكات مياه وكهرباء، منفصلة عن الفلسطينيين في الضفة الغربية ومربوطة مع دولة الاحتلال، ولا يجوز للفلسطينيين استخدامها، أو الاستفادة من خدماتها عوضاً عن الجدار الذي يطوق الضفة ويحول مناطق سكنية فيها إلى معازل منفصلة.
إذاً، ما هو الأبارتهايد؟ وكيف يمارس؟ إذا لم تكن دولة إسرائيل بممارساتها وسلوكها في المناطق المحتلة تطبقه على أرض الواقع، لذا فإن العالم الحر ومؤسسات حقوق الإنسان والمنظمات التي تعنى بالشرعية الدولية أخذ يترسخ لديها منطق جديد أن ما يمارس من انتهاكات بحق الإنسانية في فلسطين يقضي حتماً بأنه لا مستقبل لديمقراطية دولة الاحتلال، ولا مستقبل لوجود مجتمع إنساني في إسرائيل ما دام يقبل ذلك. لن تحظى دولة الاحتلال بازدهار ليبرالي، ولن يكون معها تضامن إنساني، ولا تعددية ثقافية سياسية اجتماعية نزيهة. لن يكون في هذه الدولة أمن حتى على حياة اليهود أنفسهم، ولن يستطيعوا الاستمرار والتجمع هنا بشكل مستقل وسيادي، ما دامت هذه الدولة تحتل الشعب الفلسطيني، وتحرمه من حقه في تقرير مصيره كباقي شعوب الأرض، وفقاً للشرعية الدولية والقرارات الأممية الخاصة بذلك.
حتى لو استطاعت إسرائيل البقاء على هذه الحالة لفترة أخرى من الزمن، فإنها لم تتمكن من القيام بذلك، إلا في إطار تعميق قمعها وإطباق سيطرتها الاحتلالية على الشعب الفلسطيني ومقدراته وتحويلها لصالح المستوطنين، الأمر الذي يعني ظهور وترسيم حدود الأبارتهايد بشكل أكثر وضوحاً من الآن. في هذه الحالة لن يكون أمام العالم الحر إلا مزيداً من الشجب والإدانة والتعرية، وكشف زيف ديمقراطية هذه الدولة، وبالتالي تحويل مواقفه سياسياً على الأرض لصالح حقوق شعبنا المحتل. إضافة إلى ذلك، سيبقى المجتمع الإسرائيلي عاجزاً عن خلق غاية أخلاقية، ونظام يعطي الحياة لعلاقات إنسانية تقوم على أساس الحقوق المسلوبة لشعب أعزل لن يقبل باضطهاده إلى الأبد ما دامَ يفرض احتلاله بالقوة.
أخذ العالم ومؤسساته الحقوقية والإنسانية مؤخراً وتحديداً في أميركا وأوروبا يلحظون أبارتهايد هذه الدولة، وقمعها للفلسطينيين في المناطق المحتلة، وأخذوا يلائمون قيمه وإرادته الحرة مع مصالحه المشتركة. لقد أصبحت إدانة إسرائيل من المؤسسات الأكاديمية، والمقاطعة من الشركات التجارية، والشجب من المنظمات الحقوقية، تؤكد على ضرورة إعادة ترميم قيم العالم الحر. يضاف إلى ذلك منع إسرائيل من ممارستها الأبارتهايد لخلق صالح عام أممي، يحمي القيم الإنسانية، وينشر روح العدالة، ويحافظ على حق الشعوب في تحديد مصائرها بعيداً عن القوى الاستعمارية الجديدة.

اكمل القراءة
Advertisement
اضغط للتعليق

أترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *