Connect with us

أقلام وأراء

محطات سياسية كبرى استولدت تحولات ثقافية كبرى

بقلم: د. أحمد قطامش

يتوجب التعريج على الغزو الأوروبي الاقطاعي ( الحملات الصليبية ) ( بأهدافها التجارية ) د. بيان الحوت، اذ استفاد الأوروبيون من الحروب الطاحنة بين السلاجقة والفاطميين، فدعا البابا اوربان في خطاب حماسي في باريس 1095 ( لحمل السلاح لتحرير القيامة من المسلمين الكفار وان القتال هو الطريق لتطهير النفس من ذنوبها) وبدأ الزحف الفرنجي وسقطت سوريا وفلسطين بما فيها القدس التي تعرضت لمجزرة كبيرة وصفها احد الشعراء كما جاء في كتاب زابوروف ( الصليبيون يجوسون المدينة / شاهري السيوف / لا يشفقون على احد / سقط شعب من الكفار تحت الضربات / كما تسقط جوازات البلوط المهترئة من شجرة البلوط) الصليبيون في الشرق. وفي كتابه ( اليهود والتاريخ) يشير المؤرخ اليهودي ديمونت ان الحملات الصليبية ذبحت 100 الف . وان الكنيسة قررت مصادرة أملاك اليهود في المملكة الإنجليزية وتم طرد اليهود من المانيا والبرتغال ) استناداً الى د. بشير نافع في ( الامبريالية والصهيونية)

نجحت الحملة ولكنها لم تنجح ثقافيا، فالعرب لم يغيروا معتقداتهم وثقافتهم ، وتجددت الحملة الثانية بعد نصف قرن تقريبا بمهاجمة دمشق ، وهنا لمع اسم صلاح الدين الايوبي الذي يعود لجذور كردية عراقية وابن حاكم لبنان الذي رافق عمه اسد الدين الى مصر ليتولى الوزارة عام 1169 حيث افلح بتوحيد مصر وسوريا و الزحف لتحرير فلسطين ولبنان ، وقد فرض حصارا على القدس الى ان استسلم الحكم الأوروبي.

وشن الفرنجة حملتهم الثالثة 1189- 1192 التي مهد لهم بالصيام خمسة أعوام كما افتى البابا غريغور فسقطت عدة مدن ساحلية فلسطينية ولبنانية.

توفي صلاح الدين عام 1213 فخسرت الامة قائدها الكبير بما تمتع به من مزايا عسكرية واستراتيجية واخلاقية.
هنا برزت قيم ثقافية كبرى الأولى: ان القتال هو السبيل لدحر الغزو الأجنبي وانه يمكن الانتصار على قوة اكبر، هذا قبل قرون من النظرية الماركسية – اللينينية عن الثورة وكلمات ماوتسي تونغ ( ان التاريخ يصنع من فوهات البنادق). والثانية : ان توحيد مصر وسوريا ( العروبة ) هي شرط الانتصار ما قبل ان تؤكد ادبيات القوميين العرب (د. حبش) وادبيات البعثيين ( ميشيل عفلق وسواه ) والناصرية ( عبد الناصر) على ذلك . والثالثة : هي أهمية القائد الرمز القادر على قيادة عملية صراعية ظافرة قبل ان يكتب بلخانوف مؤلفه ( دور الفرد في التاريخ ) ود حبش ( الحزب قيادته أولا)

والمحطة الثانية هي الحقبة العثمانية التي امتدت أربعة عقود .

اذ قضى السلطان سليم في القرن 16 على حكم المماليك في فلسطين ، وتم بناء سور القدس بأبراجه وبواباته وانتعشت التجارة الى ان اصبح عدد سكان بعض المدن ( القدس 20 الفا ) و (غزة 14 الفا) و( صفد 12 الفا )…..
وفيما نهضت أوروبا في القرن 17 بفعل الاستكشافات العلمية والتجارة والصناعة المانيفاكتورية ، كمقدمة للثورة الصناعية في القرن 19، تكلست الإمبراطورية العثمانية محجوزة في الزمن الاقطاعي والتقليدي وجهاز دولة ضخم من البيروقراطية العسكرية ، الى ان هزمت أوروبا الصناعية الرأسمالية ( الرجل المريض) واجتاح الاستعمار الغربي الرأسمالي الوطن العربي جنبا الى جنب مع تجزئته ( سايكس بيكو وسواه) ووعد بلفور الذي كرس المشروع الصهيوني في فلسطين.

وخلال الحكم العثماني برز اسم ظاهر العمر الزيداني الذي قاد ثورة على السلطنة العثمانية في أواسط القرن 18 حررت معظم فلسطين ، حيث اقام تحالفا بين الفلاحين والبدو واسس جيشا نظاميا وانتهج سياسة من التسامح الديني والتفت حوله أوساط مسيحية ويهودية فضلا عن الإسلامية وكانت عاصمته عكا ( هناك الكثير من الكتب عن هذه الحقبة ولكن رواية الاديب إبراهيم نصر الله ( قناديل ملك الجليل ) تتمتع بجمالية رشيقه) . وعلى امتداد نصف قرن نمت الكيانية الوطنية الفلسطينية الى ان قتل عام 1775، وبمقتله اشتدت سواعد العوائل المحلية التي تسلحت ضد بعضها بعضا، وشن احمد باشا الجزار ( من اصل بوسني حرب إبادة (د. عادل مناع ) … ولكنه عاد وصمد امام حصار نابليون الذي فشل في هجماته السبع لاقتحام عكا، بعد ان اجتاح مصر والعديد من المدن اللبنانية والفلسطينية.

وهنا أضيفت قيمة ثقافية جديدة ( التسامح الديني ) بما اقترب من مقولة المواطنة التي كرستها الثورة الفرنسية 1789، وتجلت اكثر ملامح الكيانية الوطنية الفلسطينية وقائدها ظاهر العمر . اما انتفاضة محمد الوفائي الحسيني قبلئذ في القدس وبيت لحم بين 1703 – 1705 التي شارك فيها فلاحون وبدو وأهالي المدن ( وقع الأهالي اتفاقية دفاع مشترك وان يكونوا كلمة واحدة ) فقد بطشت بها قوات الحكم العثماني واعدمت قائدها . ولم تترك من اثر سوى درس الوحدة الوطنية والشعبية.

ومن جديد قام حاكم مصر محمد علي ( الباني الأصل) بإصلاحات بعيدة المدى في حقل التنمية الزراعية والتعليم والصناعات الحرفية ضمن رؤيا ( لإقامة دولة مركزية عربية ) د. اميل توما . تاريخ الشعوب العربية الحديث . وارسل ابنه إبراهيم على رأس جيش اندفع شرقاً نحو الجزيرة العربية واليمن والهلال الخصيب، مدركاً ان الغزاة يجتاحون مصر عبر بلاد الشام، غير ان مشروعه تقهقر 1840 بعد ان تعاونت بريطانيا مع السلطنة العثمانية وامراء واقطاع محليين. وكان من نتائج هذا الصراع ان تعمقت المشاعر القومية العربية.

كتب وزير خارجية بريطانيا بالمرستون ( ليس من مصلحة بريطانيا بروز ملك عربي يوحد العرب بما يهدد الطريق الى الهند ) د. الياس شوفاني، دون نسيان ان أصوات ثقافية رفعت صوتها ( الكواكبي، محمد عبده، الطهطاوي ..) داعية للقومية العربية ومواطنة دون تمييز ديني واعلاء لسلطان العقل والفصل بين السلطات..

بلا ريب ان أحوال العرب قد تدهورت واشتدت فيها الصراعات العائلية وقد انهكتها الضرائب واستبد بها الحكام … ولخص الشاعر اليازجي ذلك بالقول تنبهوا واستفيقوا أيها العرب / لقد طمى الخطب حتى غاصت الركبُ فيما ضياء الخالدي احد ابرز اعيان فلسطين وجه رسالة لهرتزل قائد الحركة الصهيونية ( ان فلسطين آهله بسكانها المسلمين والمسيحيين، ويمكن لليهود العيش كما في العصور الغابرة، اما الاستيلاء على فلسطين فعمل عدائي يتم بالحرب والمدافع ) د. عادل مناع، وصولا الى وعد بلفور 2/11/1917 بينما يتسع الزحف الاستيطاني الاستعماري بتواتر.

ولما حاول الاستعمار البريطاني تمرير مشروع 1922 بإقامة حكم ذاتي في فلسطين وانتخاب مجلس تشريعي قاطعته الاحتجاجات الشعبية واسقطته .. والقيمة الثقافية هنا ان الوعي الوطني التحرري قد وصل لنتيجة ( ان المشروع الصهيوني في فلسطين يندرج في اطار التوسع الاستعماري الأوروبي ) مكسيم رونسون ، فأصر على استقلال فلسطين ، وتعمق هذا الوعي مع اشتباكات هبة البراق 1927 وبات ينظر لإعدام الزير وجمجوم وحجازي كشهداء كبار تنظم لهم القصائد … وهذا تكرر في تصادمات 1934 مع جيش الاستعمار البريطاني … وولادة الحركة القسامية ( القسام سوري الأصل) كحركة فدائية مقاتلة وبشكل اخص في الأرياف.

والقيمة الثقافية التي تكرست ( انه بالقتال وحرب العصابات يمكن انتزاع الحقوق) فاشتعلت ثورة 1936 التي دامت ثلاثة أعوام بمشاركة شعبية واسعة من الفلاحين وأهالي المدن (ثورة 1936) غسان كنفاني، بل واسقطت الكتاب الأبيض 1937 لاقتسام فلسطين بين الحركة الصهيونية والامارة الأردنية.

ومع اندلاع الحرب الكونية الثانية تضاءل الاهتمام بفلسطين ونقلت القيادة الصهيونية مقرها الى الولايات المتحدة مستفيدة من المذابح الواسعة للحكم النازي ( الهولوكوست ) وان كان غارودي يختصر عدد القتلى الى 2-3 مليون خلافا لما تتحدث عنه المصادر الصهيونية عن قتل 6 مليون (الاساطير المؤسسة …) وهنا تعهد تشيرشل رئيس الوزراء البريطاني لرئيس الحركة الصهيونية وايزمن بإقامة دولة يهودية، وعقدت الحركة الصهيونية مؤتمراً عالميا في نيويورك 1943 خلص الى قرار صريح ( بإقامة دولة يهودية فوراً وتشكيل قوة عسكرية ) فيما ايد الرئيس الأمريكي ترومان هجرة 100 الف يهودي الى فلسطين.

لم يعد ثمة لُبس فقد سقطت مقولة الحكام العرب ( ثقوا بالصديقة بريطانيا ) وحلت محلها ( ان بريطانيا وامريكا حليف للصهيونية ) و( ان لا تنازل عن شبر واحد من الوطن ) فالوعي الفلسطيني انتقل الى مرحلة جديدة.

وفي 29/11/1947 عقدت الجمعية العامة وأقرت التقسيم 56% من فلسطين لليهود و43% للعرب و1% القدس دولية فيما سقط الاقتراح الثاني بإقامة دولة اتحادية. وقد جوبه ذلك باستنكار عربي ورفض فلسطيني واندلعت التظاهرات في ارجاء فلسطين وأصدرت الجامعة العربية قراراً يعتبر قرار التقسيم باطلا ودعت الهيئة العربية العليا لفلسطين لأضراب عام استمر ثلاثة أيام وتجددت المصادمات مع اليهود في عدد من المدن وتشكل الجهاد المقدس بقيادة الحاج امين الحسيني وجيش الإنقاذ بقيادة الأمير عبد الله والضابط البريطاني كلوب !! ليواجها جيشا صهيونيا بعديد وسلاح اقوى واكثر تطورا ، صاحب ذلك تطهيراً عرقيا لثلثي الشعب الفلسطيني فيما اصطلح عليه النكبة وأعلنت ” إسرائيل على 78% من فلسطين.

وأصبحت النكبة تحولا انعطافيا وبصمة دامغة في الثقافة الفلسطينية انعكست في كل شيء، والتاريخ انقسم لما قبل النكبة وما بعدها والحقت الضفة بشرق الأردن ووضعت غزة تحت الإدارة المصرية… وانتشر اللاجئون في المخيمات والكهوف

انبرى الفلسطينيون لتأسيس حركات سياسية جديدة وتقدمت ثقافة الفن والادب والاعلام والخطاب السياسي … كلها تمحورت حول حق العودة واسترداد فلسطين. وان نجح المشروع المعادي باقتلاع الفلسطيني من الجغرافيا غير انه لم ينجح باقتلاعه من ذاكرته وتاريخه وبات برتقال يافا رمزاً للوطن الجميل ، ويمكن القول ان الفلسطيني اعتمد على نفسه ( فلا يحرث الأرض الا عجولها ) واعطى انتصار الثورة الجزائرية وولادة الفصائلية الفدائية الفلسطينية أملاً بإمكانية الانتصار … وتبدلت التكتيكات السياسية والبرامج السياسية بما ارتبط بها من ثقافة جديدة وغدت مفردة فدائي هي الصوت الأعلى.

وصيرورة ستة عقود بعد هزيمة برامج النظم العربية في حزيران 67 لم تغيّر من الجوهر الثابت : فالثابت والمتغير ” هذا المصطلح الادونيسي ينطبق على الحالة الفلسطينية . فالثابت هو الحقيقة الفلسطينية من تاريخ وجغرافيا وديموغرافية وجوهر ثقافي ، اما المتغير فهو بعض السياسيات وبعض النخب
فذات يوم استمر الغزو الروماني ستة قرون ولكنه رحل ومن قبله غزوات ومن بعده غزوات، اما الحقيقة الفلسطينية فجذورها ضاربة في تراب الوطن لا يمكن اقتلاعها. وتجلى ذلك اكثر ما تجلى في الفن ( إسماعيل شموط) والادب ( غسان كنفاني ) وشعر ( ايو سلمى ) واغاني الثورة واللباس المرقط والشهيد وحكايا الفدائيين ” وخيمة عن خيمة تفرق” .

الثقافة تتحرك في المطلق اما السياسة فتتحرك في النسبي ، وان كان ثمة سياسات ترفض الانصياع للنسبي وتشتق برامج تجمع النسبي والمطلق وهذا ديدن المنطق الثوري الذي يفعل في ميزان القوى لغاية تغييره لا الانصياع له و( الثورة الفيتنامية ) نموذج ساطع .

اكمل القراءة
Advertisement
اضغط للتعليق

أترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *