Connect with us

أقلام وأراء

“فتح”على صفيح ساخن والإصلاح هو الحل بقلم الباحثة: تمارا حداد

قد تعيش الأحزاب السياسية في مرحلة من مراحل تطورها السياسي حالة من التأزم نتيجة التحديات التي تواجهها، ومن أعراض أزمتها التآكل السريع لتلك الاحزاب. غير أن أزمة الأحزاب في العالم العربي عميقة الجذور، وفي عالم السياسة والنظام السياسي لا يوجد حزب سياسي خالِ من الصراعات الداخلية سواء حول الرؤية أو الأيديولوجيا وهذه الصراعات تركت الأثر العميق على مستقبلها ودورها داخل النظام السياسي.
وتبلورت هذه الصراعات في أشكال عديدة منها الإختلاف في آلية العمل، وطغيان العامل الذاتي، وعدم اتباع الأساليب الحضارية لمعالجة الأزمات التي تواجهها. وحركة “فتح” إحدى الحركات السياسية الفلسطينية الثورية التحررية، ويُشهد لها بمواقفها الوطنية ضد الاحتلال في سبيل التحرر والعديد من كوادرها استشهدوا والبعض ما زال داخل سجون الاحتلال، وعدد كبير من أعضائها ما زالوا يسعوا لإعادة بناء الحركة نحو العمل الوطني ونكران الذات، ولكن أصاب الحركة كغيرها من الحركات السياسية،العديد من التحديات والصعوبات التي لم تستطع الوصول إلى التجديد المستمر في جميع بنيانها، ما أدى إلى عدم رضى العديد من قواعدها وعدم القدرة على تعبئة الجمهور لما آلت اليه “فتح” نتيجة التحديات السياسية.
كل حزب سياسي ينبني على أسس ومرتكزات أساسية والتي تعتبر وجهة الحركة او الحزب للوصول إلى مطالب الجماهير، ومع تزايد دور حركة “فتح” في حل القضايا السياسية، ازدادت الأعباء حولها وأخذت تعاني من أزمات أبرزها الصراعات الداخلية التي أنهكتها وألهتها عن القيام بمهامها وأُبعدت بشكل مباشر أو غير مباشر عن الجماهير.
مما لا شك فيه، أن أبرز أسباب الأزمة الفتحاوية كثيرة وهي فضلاً عن كونها تعكس بهذا الشكل أو ذاك الازمة التي عانتها القضية الفلسطينية، لكن أبرز أسباب الأزمة تعود لقضايا داخلية في ذات الحركة وفي الوسط الاجتماعي والوطني الذي نمت فيه. وقد يكون أبرز الأسباب،انخراط أعضاء الحركة في السلطة، فبدل تعبئة الجماهير حركياً وتنظيمياً أصبح صراع الأعضاء على السلطة مما أدى إلى ضعف الحركة وتفتتها، وكما أن البنية التنظيمية للحركة امتازت بالترهل لتقصير المنظمين في معالجة الأزمة من بدئها، فبدل الإشارة إلى الأخطاء ومرتكبيها والتي تهدف إلى المعالجة والنظرة النقدية البناءة، أصبح هناك أسلوب اصطياد الأخطاء للمرتكبين وإلحاق الضرر المقصود بكادر الحركة والتنظيم.
فمن دواعي الاسف بدلاً من تكثيف الجهود والعمل على تطبيق رؤية الحركة الثورية النضالية والالتفاف إلى المهام الحزبية والجماهيرية والوطنية انشغلت قيادة الحركة بالعمل التكتلي والصراعات، وقد يكون إلى ما آلت به الحركة دون قصد نتيجة وجود الصراعات العبثية التي أخذت تتمحور في عدم القدرة على النهوض ب”فتح” والتشبث بالمحافظة على المناصب.
مؤتمرات عديدة تم عقدها لحركة “فتح” نادت نحو التصويب والتجديد من موقع الغيرة والمسؤولية لكن على ما يبدو أنها لم تؤخذ محمل الجد بقصد أو غير قصد، ما أدى إلى خسارة الحركة العديد من كوادرها التي تريد تحسين الأداء بين الجماهير وتربية الأعضاء لأن يكونوا قدوة ومثالاً في العمل والحياة وأن يتصفوا بنكران الذات والاستقامة والصدق والنزاهة وأن يقدموا مصالح الوطن على كل مصلحة شخصية بدل تغذية روح الوصولية والانتهازية.
ولا شك ان هناك أسبابا موضوعية وأخرى ذاتية لما يجري للحركة نتيجة اتباع اسلوب العمل وشكل العمل الحزبي الذي لم يتغير منذ سنين وهو بحاجة لعمل مدروس ومنظم نحو التغيير الفعلي. وابرز اسباب تطور الضعف في الحركة هو نتيجة عدم تلمس كوادرها الجدية وروح المسؤولية نحو تحقيق الوحدة والبحث عن صدق العمل الوطني.
مفاصل الخلل:
حركة “فتح” وبعيداً عن السلطة الوطنية، تعيش حالة مخاض عسير وتباين بوجهات النظر، وما يجري بداخلها من اجتهادات وتباينات وما انعكس على وجودها وانتشارها وحضورها.
يتفق الكثيرون على أن أهم مفاصل الخلل تكمن في أسباب موضوعية وذاتية منها:
•الظروف السياسية التي سادت البلاد والتي أفرغت العمل السياسي من محتواه.
•ضعف المناخ الديمقراطي في الوسط الاجتماعي والسياسي.
•المدرسة التي تربى عليها قادة “فتح” القدامى على ما يبدو انها اختلفت كلياً في الوقت الحاضر.
•ضعف الروح الديمقراطية في التنظيم .
•النظرة غير الموضوعية للكادر الحزبي وتقديم المقربين والاقارب والانساب على الكفاءات.
•الجمود الفكري وضعف التثقيف العام .
معالجة الاسباب:
•لمعالجة الأسباب التي ساهمت في ضعف الحركة تحتاج هذه الاخيرة لمبادرات من كوادرها لطرح أفكار لخروج الحركة من أزمتها ، منها:
•الغاء الحالة غير السليمة للتطور السياسي داخل الحركة.
•التجديد المستمر في الفكر وتنوع مصادره واغنائه واتباع سياسية تثقيفية صحيحة في الحركة تُربي على المثل الصحيحة ومحاربة الوصولية والانتهازية لينسجم مع ذاته ومع الوسط الاجتماعي الذي يعيش فيه.
•اعتماد اساليب تنظيمية ديمقراطية تجعل حياة الحركة غنية جذابة.
•استبعاد الأسس التنظيمية التي تساهم في خلق أجواء غير طبيعية وجعلها مطية بيد فئة قليلة في المركز.
•اعتماد مبدأ التجديد المستمر دون وجل، وهذه المسيرة الوطنية لا تعترف بالجمود والتقوقع بل تأخذ بالمنهج الديالكتيكي وهي مرتبطة بالحياة لا بالقياس والقوالب الجامدة ولا يوجد سرمدي أمام الجدل والتجديد.
تعقيدات عامة:
التعقيدات تسود المشهد الفلسطيني وسط حالة من الانقسام السياسي والإداري والجغرافي. وتعقيدات كبرى ترافق المشهد السياسي في ظل ما يدور في الإقليم من حروب وصراعات داخلية تؤثر في الوضع الفلسطيني، خاصة مع البدء في صياغة التحالفات والمحاور الإقليمية ووسط حالة من الاستبعاد الدولي للاهتمام الكافي بالقضية الفلسطينية كقضية محورية من قضايا السلم والأمن الدوليين.
سبل النجاة:
إن أهم سبل النجاة وهي انعقاد جلسة تصويبية ل”فتح” بمشاركة الفصائل الاخرى،ضرورية لمواجهة التحديات التي تتعرض إليها القضية الفلسطينية، الداخلية والخارجية، الإقليمية والدولية، والتي تُعدُّ الأخطر في تاريخ القضية الفلسطينية، وضرورة ايضا من أجل صياغة البرامج والسياسات، وإتخاذ القرارات، وإختيار القيادات، وبناء وتفعيل المنظمات والمؤسسات، وتحديد الأدوات والوسائل والأساليب، القادرة على مواجهة هذه التحديات، وحماية القضية الفلسطينية من التصفية والذوبان في خضم الصراعات والمؤامرات التي تشهدها المنطقة، وحماية المكتسبات الوطنية وتطويرها، ومراكمة الإنجازات، وصولاً إلى تحقيق الغايات والأهداف الوطنية للشعب الفلسطيني.
وعقدها ضرورة لتمتين الحالة الوطنية الفلسطينية وإنهاء كافة أشكال التشرذم والإنقسام، الذي أوهن الشعب، وأضعف قضيته، وخلق مناخات العبث السياسي، للقاصي والداني، حتى باتت القضية الفلسطينية في أضعف حالاتها، ما عرضها لأبشع المؤامرات، وأخطر السياسات،التي تستهدف تصفيتها دون خوف أو وجل، ودون مبالاة بمعاناة الشعب الفلسطيني، ودون إحترام لحقوقه المشروعة في وطنه، التاريخية والقانونية، وفي تحدٍ سافر للقانون الدولي، وللقرارات الدولية، وللإرادة الدولية مجتمعة، هذه التحديات والتجاوزات السافرة الهادفة إلى تصفية القضية الفلسطينية.
نصائح لجميع الفصائل:
على الصعيد الفلسطيني الداخلي:
•التمسك باتفاقات المصالحة جميعها وتوفير وسائل الدعم والإسناد لتنفيذها، واجراء التداول السلمي الديمقراطي، وتحقيق الشراكة السياسية في إطار منظمة التحرير الممثل الشرعي والوحيد للشعب الفلسطيني وبرنامجها، والعمل على تشكيل حكومة وحدة وطنية تعزيزاً للشراكة السياسية ووحدة النظام السياسي الفلسطيني.
•التأكيد على حق شعبنا في ممارسة كافة أشكال النضال.
•ضرورة توفير أسباب الصمود لأبناء شعبنا في مدينة القدس.
•اتخاذ كافة الإجراءات لإسناد شعبنا في قطاع غزة الذي صمد ببطولة أمام الاعتداءات .
على صعيد مجلس الأمن الدولي:
•استمرار العمل لتوفير الحماية الدولية للشعب الفلسطيني في أراضي دولة فلسطين المحتلة (الضفة الغربية بما فيها القدس الشرقية وقطاع غزة) وذلك عملاً بقرارات مجلس الأمن الدولي (605) لعام 1987 والقراران (672) و (673) لعام 1990، والقرار (904) لعام 1998، وإنفاذ اتفاقية جنيف الرابعة لعام 1949 (حماية المدنيين وقت الحرب).
•استمرار العمل لتعزيز مكانة دولة فلسطين في المحافل الدولية، وتفعيل طلب العضوية الكاملة لدولة فلسطين في الأمم المتحدة.
•تقديم الإحالة حول مختلف القضايا (الاستيطان، الأسرى، العدوان على قطاع غزة) للمحكمة الجنائية الدولية.
•استمرار الانضمام للمؤسسات والمنظمات الدولية وبما يشمل الوكالات المتخصصة للأمم المتحدة.
على الصعيدين العربي والإسلامي :
•التمسك بمبادرة السلام العربية، ورفض أي محاولات لتغييرها أو تحريفها، والاحتفاظ بأولوياتها.
•العمل مع الأشقاء العرب (الجامعة العربية) والدول الإسلامية (منظمة التعاون الإسلامي) وحركة عدم الانحياز لعقد مؤتمر دولي كامل الصلاحيات لإطلاق عملية السلام وبالتنسيق مع دول الاتحاد الأوروبي وروسيا والصين واليابان وباقي المجموعات الدولية على أساس قرارات الشرعية الدولية ذات العلاقة.
خلاصة:
إن الواقع الفلسطيني مرير وحتمية تجاوز الأزمة ضرورة وليست ترفاً وهذا يتطلب عمل الجميع بمسؤولية للخروج من المأزق بغض النظر عن المتسبب به، وهذا يحتاج إلى حراك في الشارع وحراك في مؤسسات المجتمع المدني والقوى السياسية والشعبية لوضع حد لهذا الانهيار لأن المستفيد الأول هو الاحتلال.
والأعمال العظيمة تحتاج إلى تضحية ومآثر، لذا فإن القادة يكفرون عن آثامهم باعلانهم الصادق عن تحمل المسؤولية العملية عن كل ما جرى، واي عمل مسؤول يحتاج الى قدوة. فتح ستواجه صعوبة كبيرة في توحيد صفوفها، في مرحلة من المراحل، فالمتصارعون على المناصب هو نتيجة صراع الشخصيات خوفاً على مصالحهم الشخصية. ولكن الرجوع عن الفكر التفردي قد يُعيد الحركة لما كانت ذي قبل.
لا بد ان يتذكر الجميع أن مشكلة الشعب الفلسطيني هي مع الاحتلال الذي يريد استكمال مخططاته التوسعية والاستيطانية ولا يبحث عن تسوية أو حل حقيقي بينه وبين الفلسطينيين، لذا، فمن المهم الاتفاق على برنامج وطني يجسد القواسم المشتركة بين الفصائل، وأي تشكيلة حكومية جديدة، عليها ان تحتكم على مبدأ الديمقراطية التوافقية وليس لمبدأ الديكتاتورية، والتأكيد الدائم على وحدة مصير الشعب الفلسطيني وأرضه والتصدي لأي خطاب يدعو الِى حلول ناتجة عن التسليم بالأمر الواقع تحت مبررات مراعاة الظروف الانسانية .
وعلى “فتح” أن تراجع نفسها مراجعة شاملة ليس لوثائقها وعلاقاتها العامة بل لأدائها وثقافتها وتعبئتها لعناصرها وسلوكها السياسي وموقفها من كافة القضايا الوطنية، وان تعيد النظر في مواقفها وان تسعى دوماً لتحسين أداء السلطة .

اكمل القراءة
Advertisement
اضغط للتعليق

أترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *